No Image
عمان اليوم

دراسة لجامعة السلطان قابوس: الثوابت العُمانية ليست عائقا أمام التنمية.. والشباب مستعدون لريادة الأعمال

02 مايو 2026
02 مايو 2026

في وقت تتسارع فيه خطى سلطنة عُمان نحو تحقيق مستهدفات "رؤية عُمان 2040"، تبرز الحاجة الملحة لفهم التحولات العميقة التي تطرأ على بنية المجتمع ومعاييره، خاصة في ظل انتقال الشعلة من "نهضة التأسيس" التي أرساها السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- إلى "نهضة التجديد" بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- وفي هذا السياق السوسيولوجي المهم، كشف الدكتور سعيد الحسين عبدلي أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة السلطان قابوس، عن تفاصيل دراسة ميدانية حديثة ممولة من كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، تسلط الضوء على "التحولات المعيارية والبنيوية في المجتمع العُماني وأثرها على تصورات الشباب للمستقبل"، الدراسة التي استهدفت طلبة الجامعات والباحثين عن عمل، تفتح ملفًا شائكًا طالما أرّق صُنّاع القرار، ألّا وهو علاقة الشاب العُماني بمهنٍ ظلّت لعقود حكرًا على العمالة الوافدة بسبب موروثات اجتماعية ونظرة قاصرة للمكانة الرمزية للعمل.

Image

وقال الدكتور سعيد الحسين عبدلي أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة السلطان قابوس: مولت كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس البحث السوسيولوجي الموسوم بـ: "التحولات المعيارية والبنيوية في المجتمع العُماني وأثرها على تصورات الشباب للمستقبل: دراسة ميدانية على عينة من طلبة الجامعات الباحثين عن عمل". فمثل هذه الدراسة تستمد أهميتها وطرافتها من كونها تلامس صميم الرؤية العُمانية نحو التغير وتحقيق قفزات نوعية في مختلف الميادين مما يعزز مناعتها الاقتصادية والاجتماعية على وجه التحديد في عالم شديد التحول، أي وفق ما تم توضيحه في "رؤية عُمان 2040"، ولأن عملية التغير لا يمكن حصرها في الجانب المادي فحسب، بل لا بد من البحث في جوانبها الثقافية أيضًا ممثلة هنا في المعايير والقيم السائدة في المجتمع العُماني. وبذلك نكون جمعنا بين أربعة عناصر بحثية هي الشباب والعمل والمعايير والقيم التي تفرزها البنيات الاجتماعية المكونة للمجتمع العُماني، لنقل إذًا بشكل مبسط إن المجتمع العُماني بخاصياته البنيوية بشقيها العصري والتقليدي ما لبث يشهد تنميطًا لبعض السلوكيات والأفكار والتصورات بحكم التدخل الواضح للهيمنة البنيوية التقليدية رغم ترويضها من قبل مشروع النهضة في مرحلتين مختلفتين سميت الأولى بنهضة التأسيس بقيادة المؤسس السلطان قابوس -طيب الله ثراه- في حين أن الثانية هي نهضة التجديد التي أرسى دعائمها جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- وعندما نقول ترويض فهذا معناه القدرة على التوفيق بين معايير العصرنة والتجديد وثوابت المجتمع العُماني التي تمثل عمق هويته، ومثل هذا الأمر لا يثير إشكالًا معرفيًا يتعلق بمفاصل بحثنا؛ بل إن ما نهتم به ونحاول فك مغاليقه هو علاقة الشباب العُماني ببعض المهن التي يرفض العمل فيها بتعلة أنها لا تتماشى وقيم المجتمع، وهنا يبرز سؤال المشروعية أي مدى صحة هذه الأفكار، لتتبادر لنا عدة أسئلة من نوع: كيف برزت مثل هذه الأفكار التي تقبل مهنًا وترفض أخرى في المجتمع العُماني؟ كيف تم التعامل معها؟ إلى أي مدى يمكن اعتبار مثل هذه التصورات للعمل عائقًا حقيقيًا لمرحلة النهضة؟ وهل أن جيل زد والأجيال المقبلة مثلًا ستظل ترفض بعض المهن الشريفة فقط لأن أسلافه كانوا يستنكرونها؟

وأوضح أن الدراسات السوسيولوجية التي تهتم بدراسة التنمية في جانب كبير منها تختص بالتركيز على عملية التغيرات الحاصلة في المجتمع والوقوف عند جملة المتغيرات التي تعد مدخلًا مهمًا لفهم عملية النهضة والتقدم، فهذه العوامل يمكن أن تكون دعامة للتنمية أو معوقًا لها، وما يسترعي الانتباه في هذا السياق أن المجتمع العُماني يتميز بجملة من الخاصيات الجوهرية التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار في قراءته سوسيولوجيًا، سعيًا لفهمه ومعرفة مساراته التنموية وما يحيط بها من تحديات، فمثل هذه القراءة التي نعتزم القيام بها ولئن كانت ذات منحى سوسيولوجي إلا أنها من الأهمية بمكان في رسم المشاريع التنموية؛ لأنها ستعطي رؤية واضحة للجهات الرسمية في الدولة التي تتعامل مباشرة مع الشباب العُماني الباحث عن عمل.

خصائص المجتمع العُماني

وأشار إلى أن أهم الخاصيات التي يتميز بها المجتمع العُماني -والتي ولّدت لدينا فكرة دراسة التغيرات الطارئة عليه خاصة في الأبعاد البنيوية والمعيارية المكونة له- هي ما أمكن حصره في الآتي: مجتمع محافظ في عموميته لا يزال متمسكًا بهويته العربية الإسلامية ولا يرى فيها تعارضًا مع مشروعه النهضوي، كما لا تزال البنيات التقليدية قوية مثل الدين والعادات والتقاليد والقبيلة وتتدخل في تنميط وعي الأفراد، وكذلك فاعلية القوانين والمؤسسات وهي نتاج عملية النهضة التي ترسخت طيلة 6 عقود، إضافة إلى تصميم القيادة على تنفيذ مشاريعها التنموية وفق وتيرة مدروسة تشارك فيها كل الأطراف المكونة للمجتمع العُماني بما في ذلك المراكز البحثية وكل الجهات التي تعنى بالبحث العلمي أي وفق رؤية تشاركية، وارتفاع مستوى التنمية البشرية أدى إلى تحسن جودة الحياة في المجتمع العُماني والذي من مظاهره ارتفاع نسبة خريجي الجامعات مما يعني مطالب التشغيل، وحرص الدولة على تشجيع القطاع الخاص لما له من أهمية في تنمية الاقتصاد الوطني وتقديم حوافز للاستثمار والانتصاب للحساب الخاص، وتعويل العُمانيين على العمالة الوافدة في مختلف القطاعات ولو بدرجات متباينة، ومثل هذا الأمر مهم في قراءة المعايير السائدة التي لا تزال تشكل تصورات العُمانيين، إضافة إلى مواصلة الإصلاحات العميقة منذ تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في البلاد والتي أضحت أكثر عقلانية لأنها شملت إصلاحات هيكلية عميقة وحثت الشباب أن يكون شريكًا في عملية التجديد عبر ريادة الأعمال وتشجيع الاستثمار وتجاوز الريعية النفطية، وذلك بخلق اقتصاد متنوع خاصة بتوطين الصناعات وتشجيع الاستثمار الأجنبي عبر تقديم عدة حوافز، وبناءً على ما تقدم وأخذًا بعين الاعتبار تلكم الخاصيات التي تميز المجتمع العُماني فإنه من الأهمية بمكان أن نهتم بالتحولات المعيارية والبنيوية في هذا المجتمع، ومعرفة مكوناتها ومدى آثارها في تشكيل الفعل والتصور والفكر والسلوك، مع ربطها بفهم الشباب للمستقبل، فالشباب العُماني الباحث عن العمل في عموميته لا يزال يتمثل الشغل في كونه الحصول على وظيفة في القطاع العام ويرى أن الدولة هي المسؤولة عن ذلك، في حين أن واقع سوق العمل في سلطنة عُمان غني بموارد الشغل التي توفر مردودًا ماديًا أفضل من الوظيفة ولكنها حكر على الوافدين باعتبار نفور أغلب العُمانيين منها، وهنا يبرز دور البنيات والمعايير السائدة في المجتمع العُماني التي خلقت هذا النمط من الوعي، بل قل من التفكير، وهو في الحقيقة بحاجة إلى مراجعة وتعديل ولقد تنبهت "رؤية عُمان 2040" إلى ذلك من خلال تأكيدها على خلق اقتصاد متنوع يعاضد مجهودات القطاع العام من أجل الدفع بالحركية الاقتصادية التي من فوائدها خلق فرص العمل.

الشاب العُماني والفرص الواعدة

وبيّن أن الشباب العُماني يتمتع بقدرة هائلة في مجال ريادة الأعمال، كما أن التشجيع على ريادة الأعمال تعد سمة أساسية في الكثير من الدول المتقدمة مما حقق لها ارتفاعًا هائلًا في اقتصادها الوطني، ولا شك أن هناك اهتمامًا حكوميًا واضحًا في هذا المجال؛ حيث قامت سلطنة عُمان بتفعيل دور الشباب وإعدادهم لسوق العمل عن طريق برامج ريادية، والتي كان لها دور فعّال في تحفيز الشباب على الدخول في مجال ريادة الأعمال، أيضًا المساهمة في القروض الميسرة من خلال إنشاء الشركات الطلابية وتوصيل مفهوم ريادة الأعمال إلى طلاب الجامعات والكليات، كما أعطت المجال للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة للمساهمة في تنويع الاقتصاد العُماني، ويحظى رواد الأعمال في سلطنة عُمان باهتمام متزايد لا سيما فيما يتعلق بخلق فرص العمل، وذلك لأن 43% من السكان تتراوح أعمارهم بين 15 سنة وأقل، مما يجعل الحكومة بحاجة إلى الاستفادة من المواهب والإمكانيات من هؤلاء الشباب ومنحهم الفرص والدعم الذي يستحقونه، وذُكرت ريادة الأعمال في الرؤية الاستراتيجية 2040 بشكل غير مباشر؛ حيث إن الرؤية ركزت بشكل واضح على جانب القطاع الخاص، بل إننا لاحظنا عدة قطاعات تشغيلية في المجتمع العُماني لا يزال يسيطر عليها الوافدون ولا تحظى بإقبال واسع من العُمانيين، بل أحيانًا لا نجد فيها أي مواطن عُماني أو يكون الإقبال عليها محتشمًا، وهذا طبعًا بسبب عامل القيم والمعايير الضابطة لتصورات الأفراد وأنشطتهم الاجتماعية، فغالبًا ما يضع المجتمع حدودًا تضبط المنزلة الاجتماعية أي وفق الأرصدة الثقافية والاجتماعية والرمزية التي ينتجها مثلما وضّح ذلك عالم الاجتماع بيير بورديو، ومثل هذا الوضع لا يعكس حقيقة طبيعة الشخصية القاعدية العُمانية الضاربة في عمقها الحضاري التي لها صيت كبير في العمل المتقن والتفنن فيه مثل القلاع والحصون وصناعة السفن وغيرها من الأعمال الحرفية، فمن خلال الدراسة التي قمنا بها لمسنا أن معظم المستجوبين بدأوا يتقبلون فكرة العمل وريادة الأعمال وخاصة في الدراسة الميدانية التي قمنا بها في حارة العقر بولاية نزوى؛ حيث عبّر جميع الشباب الذين التقينا بهم في قطاع السياحة عن فخرهم بأعمالهم، غير مكترثين بتلك المعايير التي تُثبِّطهم. وأستحضر هنا أنني تعمدت سؤال أحد العاملين في مقهى كوني أول مرة ألاحظ شابًا عُمانيًا يشتغل في مقهى، فأجابني بكل ثقة وثبات: نعم أنا عُماني وخريج كلية هندسة وهذا المقهى هو ملكي وأحيانًا أريد مساعدة العمال، وهنا نلاحظ وتعقيبًا عما تم ذكره أن عديد المهن في المجتمع العُماني يكون مدخولها مربحًا بل وتعد من الفنون المحترمة التي تعكس ذوقًا وفنًا مثل الخياطة والميكانيك وفنون التجميل والمقاهي والمطاعم وغيرها من الحرف والمهن الخدماتية، وهنا نتساءل، للتوضيح: أيُّهما أعلى دخلًا: موظفٌ في القطاع الحكومي، بغضّ النظر عن مسماه الوظيفي، أم ما يجنيه ميكانيكي محترف في المعبيلة الصناعية أو غيرها من المناطق؟ وحتمًا إن النظرة الدونية أو الرافضة لمثل هذه المهن نمت وتشكلت في ظروف معينة يمكن إرجاعها لفترة ظهور النفط والتحول الديمغرافي السريع في المجتمع العُماني من الريف إلى الحضر والتنامي المتسارع لمؤشر التنمية البشرية؛ حيث يعد هذا المؤشر من بين الأفضل على المستويين الإقليمي والدولي (في حدود 0.87). ومع تشكل الدولة العصرية في مطلع النهضة التي أرساها جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- كانت سلطنة عُمان بأمسّ الحاجة إلى الإطارات والموظفين من أجل تسيير دواليب الدولة، ومن هنا كان الاتجاه إلى شغل منصب وظيفي هو الاتجاه الغالب في المجتمع، ومع تحسن مستوى الدخل وجلب الأيادي العاملة الوافدة للعمل في بقية القطاعات تشكلت تدريجيًا هذه النظرة الرافضة لبعض المهن وعدم تقبلها.

وأكد أن نتائج الدراسة أظهرت أنه لا يوجد تناقض صارخ بين المكون الثقافي العُماني وتصورات وطموحات الشباب للعمل، لكن معظم المشاركين اعتبروا أن التراث هو ركيزة للنهضة والعمل ولا يمكن أن يكون عائقًا، إلا في تلك المظاهر التي أصبحت قديمة وتشكلت ضمن إطار هياكل اجتماعية متعاقبة عملت على تنميط وعي الأفراد بالعمل، وعلى الرغم من أنها لا تزال موجودة، إلا أن أعضاء العينة عبّروا في الغالب الأعم عن رفضهم لها، مما سيجعلنا نستنتج أنهم يقبلون العمل وفقًا للمعايير الجديدة المبنية على المثابرة أي أنها تقبل العمل في وظائف كانت حكرًا على العمالة الوافدة، وفي اعتقادنا فإن الشبيبة العُمانية معنية اليوم أكثر من أي وقت مضى بتغيير نظرتها للعمل، وهنا يأتي دور المدرسة والأسرة والإعلام من أجل الدفع قدمًا نحو تقبل بعض المهن التي ظلّت لوقت طويل حكرًا على العمالة الوافدة وهي في الحقيقة مهن شريفة تحفظ كرامة المرء في طلب الرزق ولا يمكن بأي معنى من المعاني اعتبارها مهنًا دونية، ولنا أن نلاحظ في المجتمع العُماني تلكم التجارب الواعدة التي قام بها شباب عُماني في ريادة الأعمال أو في بعض المهن والحرف، فمثل هذه النجاحات في اعتقادنا وجب أن يلتفت لها الإعلام ويثمنها لتكون مثالًا يحتذى به، ناهيك أن السياسة الاقتصادية اليوم لسلطنة عُمان بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- تقوم على إعطاء الأولوية لتنويع مصادر الثروة وتحث الشباب على المزيد من البذل والعطاء والابتكار في مجتمع المعرفة، ومثل هذه السياسة ستفتح آفاقًا واسعة على فرص العمل، فهذا التجديد يفرض من الناحية المنهجية ضرورة تغيير بعض الأنماط التقليدية التي كانت تحول دون تقبل الشبيبة لبعض المهن وتبني معايير العصرنة وفي مقدمتها العقلانية والتخطيط والتجديد والانفتاح.