د. أسامة الخلاسي: طبيب اليوم صانع للمعرفة وشريك في صياغة مستقبل الطب
أكد الدكتور أسامة الخلاسي أن الطبيب المعاصر لم يعد مجرد ممارس لمهنة الطب بل صانع للمعرفة ومساهم في تطويرها مشيرا إلى أن البحث العلمي يمثل الأساس لتطوير مستقبل الطب بمنح الممارسة الطبية التجديد والتطور موضحا أهمية الذكاء الاصطناعي في تحول تاريخ الطب الحديث ليصبح جزءا مهما في الممارسة الطبية اليومية.
وقال الخلاسي، المبتعث من المجلس العماني للاختصاصات الطبية إلى جامعة وسترن أونتاريو الكندية لزمالة العناية المركزة للكبار: الدول التي تتقدم في مجال الطب، هي ببساطة تلك التي تستثمر في البحث العلمي بوصفه أداة لفهم الواقع وتحسين المستقبل، حيث إن البحث العلمي هو الأساس الذي تُبنى عليه كل خطوة تطويرية في القطاع الصحي.
فهو الذي يمنح الطب صفة الاستمرارية، ويحوّل التجربة إلى معرفة قابلة للقياس، والملاحظة إلى دليل يُحتكم إليه.
وأضاف: الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم شريكًا حقيقيًا في تطوير الخدمات الصحية من خلال قدرته على تحليل البيانات الطبية بدقة وسرعة هائلة ما يمكّن الأطباء من اتخاذ قرارات أدقّ وأسرع.
وأوضح: الجمع بين البحث العلمي والذكاء الاصطناعي يعني الانتقال من فهم المرض بعد وقوعه إلى مرحلة التنبؤ به ومنعه قبل حدوثه، وهي نقلة نوعية في مفهوم الرعاية الصحية.
وعن دور الأبحاث العلمية في تطوير ممارسة الأطباء، بيّن الخلاسي أن الأبحاث العلمية يمثل "الرافعة الأساسية للتطوير"، من خلالها، يتم مراجعة الممارسات التقليدية، وتقييم فعالية العلاجات والتقنيات الحديثة؛ فالطبيب الباحث يكتسب رؤية أوسع وأكثر نقدًا للواقع الطبي، فيصبح قراره مبنيًا على الدليل لا على الانطباع.
كما أن الأبحاث تسهم في توحيد المعايير بين الأنظمة الصحية المختلفة وتعزيز التعاون العلمي بين المراكز والمؤسسات حول العالم ويضمن تقليص الفجوة بين الاكتشاف العلمي والتطبيق العملي، فيستفيد المريض من أحدث ما توصل إليه الطب في أسرع وقت ممكن.
تطبيقات الذكاء الاصطناعي
وحول مشاركته في تقديم حلقة عمل عن مستجدات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المثلى في القطاع الطبي ضمن المؤتمر الدولي الرابع لطب الطوارئ ٢٠٢٥ - بالمملكة العربية السعودية، أوضح الخلاسي:" جاءت فكرة المشاركة لتصحيح المفاهيم حول الذكاء الاصطناعي في الطب خاصة مع اعتباره أمرا مقلقا للبعض وتهديدا لدى ممارسي المهنة أو حل سحري لكل المشكلات، ولكن الحقيقة هو أداة قوية تحتاج إلى فهم، وتوجيه مسؤول".
وبيّن الدكتور أن حلقة العمل ركزت على تعريف الكوادر الطبية بآلية توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي والبحث العلمي، وطريق عمل الخوارزميات الطبية، وحدودها، والبعد الأخلاقي والإنساني في استخدامها.
وعن أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في وحدات العناية المركزة، أشار الدكتور إلى أنها من أكثر الأقسام اعتمادًا على البيانات، حيث تنتج الأجهزة آلاف القراءات يوميًا لكل مريض وهنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي في تحليل الكمية الهائلة من المعلومات التي تفوق قدرة الإنسان على تحليلها يدويًا بدقة مستمرة.
وتابع الدكتور: يأتي دور التقنية في مساعدة الأطباء في رصد التغيرات الخفية قبل أن تظهر على المريض سريريا مما يتيح التدخل المبكر ويزيد من فرص الشفاء وتحسن حالة المريض، كذلك يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل الاتجاهات الزمنية لبيانات المريض ليقيّم فعالية العلاج، وأن يساعد في تحديد أولويات الرعاية داخل الوحدة حين تكون الموارد محدودة. كأجهزة التنفس والأدوية وغيرها.
وأكد الخلاسي أن الذكاء الاصطناعي يمثل نقلة نوعية في طريقة التعامل مع المرضى داخل العناية المركزة، وهو القوة الحقيقية في تحويل الطب من بروتوكول ثابت إلى علاج شخصي متكيّف مع حالة كل مريض مما يرفع من كفاءة الرعاية ويزيد من فرص الشفاء بشكل ملموس.
مستقبل الطب
وعن مستقبل الطب، يرى الدكتور أسامة أن السنوات القادمة ستشهد مرحلة جديدة من الطب الشخصي والاستباقي اللذين يعتمدان على تحليل بيانات المريض بشكل شامل ليصبح الذكاء الاصطناعي جزءا طبيعيا من الممارسة اليومية بداية من فرز المرضى إلى مراقبة الحالات الحرجة وحتى متابعة المرضى بعد الخروج من المستشفى.
وحول دور تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تشكيل مستقبل الطب السنوات القادمة، يرى الدكتور أسامة أن الذكاء الاصطناعي سيكون أحد أهم التحولات في تاريخ الطب الحديث.
وتابع قوله: نحن نتجه نحو مرحلة جديدة يُعرف فيها الطب بأنه طب شخصي واستباقي، يعتمد على تحليل بيانات المريض بشكل متكامل بدلاً من اتباع بروتوكول عام للجميع، وستبقى التقنية أداة مساعدة للطبيب لن تلغي العنصر الإنساني الذي هو جوهر المهنة الطبية: الرحمة، والتواصل، والقرار المبني على الخبرة والبصيرة الإنسانية.
الطبيب الباحث
وفي الختام عبر الدكتور أسامة الخلاسي عن تطلعه إلى الربط بين الطب الإكلينيكي والبحث العلمي والتقنية الحديثة، مؤكدا أن الطبيب في هذا العصر يجب أن يكون أكثر من ممارس للمهنة، بل صانع معرفة ومساهم في تطويرها.
وقال: أطمح إلى المساهمة في نشر ثقافة البحث العلمي التطبيقي كفرصة للتعلّم والاكتشاف وليس فقط للعلاج؛ فالطبيب الباحث هو الذي يطوّر الطب ويمنحه معنى الاستمرارية والتجدد.
وتابع: كما أسعى إلى تنفيذ مشاريع بحثية متقدمة في الذكاء الاصطناعي الطبي، خاصة في مجال العناية المركزة، و الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة دقيقة وأمينة، تعطي للطبيب المعلومات والتحليل، وتترك له القرار الإنساني الأخير. وأضاف: " طموحي ليس شخصيًا بقدر ما هو رؤية لمستقبلٍ يكون فيه الطب جزءًا فاعلًا في مسيرة الابتكار العالمي، ليكون مصدرا للمعرفة لا متلقيا، ويجعل التقنية والرحمة شريكين في خدمة الإنسان.
