عمان اليوم

تدريس المعلمات للبنين .. جدل تربوي بين الضرورة والخصوصية المجتمعية

28 أبريل 2026
28 أبريل 2026

في ظل التحديات التي تواجه القطاع التعليمي وفي مقدمتها نقص الكوادر التدريسية في بعض التخصصات والمراحل برزت توجهات تربوية تسعى إلى إيجاد حلول عملية تضمن استمرارية العملية التعليمية دون التأثير على جودتها.

ومن بين هذه التوجهات مسألة تدريس المعلمات للبنين في بعض المراحل الدراسية، وهي قضية تثير نقاشًا واسعًا بين الأوساط التربوية والمجتمعية، نظرًا لارتباطها بجوانب تعليمية وتربوية، وأخرى تتصل بخصوصية المجتمع واحتياجات الطلبة في مرحلة المراهقة المبكرة.

وقد رصدت "عُمان" آراء عدد من التربويين وأولياء الأمور حول التوجه المتعلق بتدريس المعلمات للبنين في بعض المراحل الدراسية، ومدى انسجام هذا الخيار مع خصوصية المجتمع العُماني واحتياجات الطلبة في مرحلة المراهقة المبكرة، حيث انقسمت الآراء بين من يراه حلاً عمليًا لسد نقص الكوادر التعليمية، ومن يتحفظ عليه لدواعٍ تربوية وثقافية.

قالت أمل بنت علي المكتومي معلم أول أحياء: إن هذا التوجه يمكن أن يمثل حلاً عمليًا مؤقتًا في ظل نقص المعلمين الذكور، شريطة توافر الكفاءة التربوية لدى المعلمة، وقدرتها على إدارة الصف والتعامل مع سلوكيات الطلبة في هذه المرحلة العمرية الحساسة. وأكدت أن بناء علاقة تربوية متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل يُعد عاملًا حاسمًا، مشيرة إلى أن الكفاءة التربوية تبقى المعيار الأهم، سواء كان المعلم ذكرًا أو أنثى.

وأوضحت أن إدارة الصف في هذه الحالة قد تواجه تحديات، خاصة فيما يتعلق بضبط سلوك الطلبة، إلا أن التدريب المستمر واستخدام استراتيجيات تربوية فعّالة يمكن أن يسهم في تحقيق الانضباط والاستقرار داخل الحصة، كما شددت على أهمية وجود خطة واضحة تنظم الأدوار والعلاقات داخل المدرسة، بما يضمن توفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة.

نقص المعلمين الذكور

واقترحت المكتومي عددًا من الحلول لمعالجة نقص المعلمين الذكور، من بينها تقديم حوافز لاستقطابهم، إلى جانب التوسع في تطبيق التعليم المدمج، بما يحقق توازنًا بين جودة التعليم ومراعاة الخصوصية المجتمعية، كما دعت إلى تطبيق هذا التوجه بشكل مرحلي ومدروس، مع إشراك المجتمع في فهم أبعاده، وتعزيز بيئة تعليمية منظمة تراعي الجوانب التربوية والثقافية.

وقالت منى بنت عبدالله الفزاري معلمة لغة عربية بمدرسة خاصة: إن توجه تدريس المعلمات للبنين يُعد مقبولًا من حيث المبدأ إذا كان قائمًا على حاجة فعلية، مع مراعاة الجوانب التربوية والتنظيمية. وأوضحت أنه قد يكون مناسبًا بشكل جزئي، إذ يسهم في ضمان استمرارية العملية التعليمية عند وجود نقص في الكوادر، إلا أنه يتطلب مراعاة الخصوصية الثقافية والتدرج في التطبيق.

وأضافت أن تأثير المعلم أو المعلمة في استجابة الطلبة وضبط سلوكهم، خاصة في مرحلة المراهقة المبكرة، قد يكون ملحوظًا نسبيًا، لكنه لا يُعد العامل الأهم مقارنة بالكفاءة والمهارة التربوية، التي تبقى الأساس في نجاح العملية التعليمية.

وأشارت إلى أن هذا التوجه قد يستلزم جهدًا إضافيًا في مراحله الأولى، خصوصًا في ما يتعلق بإدارة الصف والانضباط، إلا أن الأوضاع تستقر تدريجيًا مع وضوح القواعد وتوفر الدعم الإداري، كما أكدت أهمية وجود سياسات ولوائح تنظيمية واضحة داخل المدرسة، تتضمن إرشادات للتعامل المهني، وتنظيم البيئة المدرسية، وآليات فعّالة للدعم والمتابعة.

تحديات وبدائل

وبيّنت أن المعلمات قد يواجهن عددًا من التحديات، من أبرزها الضغط النفسي، وصعوبة ضبط سلوك الطلبة، ونظرة المجتمع، إلى جانب محدودية الخبرة في هذا النمط من التدريس. ولضمان نجاح التجربة، شددت على ضرورة توفير تدريب متخصص، وإشراف تربوي مستمر، ودعم إداري، فضلًا عن برامج للإرشاد وتبادل الخبرات.

وفي ما يتعلق بالبدائل، أشارت إلى إمكانية معالجة نقص المعلمين الذكور من خلال تأهيل كوادر جديدة، وتقديم حوافز جاذبة، والاستعانة بمعلمين متنقلين، أو تطبيق نماذج تدريس مشتركة. مؤكدةً أن تحقيق التوازن بين جودة التعليم ومراعاة الخصوصية المجتمعية يتطلب التدرج في التطبيق، وإشراك المجتمع، ووضع ضوابط واضحة، مع الحفاظ على القيم الثقافية وجودة المخرجات التعليمية.

رؤية تربوية

ومن جهتها قالت أمل بنت سيف الحميدي باحثة تربوية في المديرية العامة للتعليم بمحافظة مسقط: إن هذا التوجه يمكن النظر إليه من زاويتين؛ فمن جانب يُعد حلًا عمليًا لمعالجة نقص الكوادر التعليمية، ومن جانب آخر يتطلب دراسة دقيقة لطبيعة المرحلة العمرية واحتياجاتها النفسية والسلوكية، مؤكدةً أنه لا يمكن الحكم عليه بشكل مطلق دون النظر في سياق التطبيق وآلياته.

وأوضحت أن المجتمع العُماني يتميز بخصوصية ثقافية واجتماعية، لا سيما في ما يتعلق بالفصل بين الجنسين في مراحل دراسية معينة، مشيرةً إلى أن نجاح هذا التوجه يرتبط بمدى مراعاته لهذه الخصوصية، وتطبيقه بشكل تدريجي ومدروس، مع أهمية توعية المجتمع وتوضيح مبرراته التربوية.

وبيّنت أن الفئة العمرية (10–14 عامًا) تمر بتغيرات نفسية وسلوكية مهمة، وقد يكون لوجود نموذج ذكوري دور في تشكيل السلوك والانضباط، إلا أن الكفاءة التربوية والقدرة على إدارة الصف تظل عوامل حاسمة بغض النظر عن جنس المعلم. وأضافت أن من أبرز التحديات التي قد تواجه المعلمة عند تدريس الطلبة الذكور تتمثل في إدارة السلوكيات الحركية المرتفعة، وبناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل دون وجود حواجز ثقافية، إلى جانب التعامل مع متغيرات مرحلة المراهقة المبكرة.

وأشارت إلى أن أثر هذا التوجه على إدارة الصف والانضباط قد يختلف تبعًا لمهارات المعلمة وخبرتها، لافتةً إلى أن بعض الدراسات تشير إلى أن البيئات التعليمية غير التقليدية قد تفرض تحديات إضافية، إلا أنه يمكن تحقيق مستويات جيدة من الانضباط مع التدريب المناسب.

وأكدت أن نجاح هذا النمط من التعليم يتطلب توفير برامج تدريبية متخصصة، خصوصًا في إدارة سلوك المراهقين، إلى جانب دعم إداري فعّال داخل المدرسة، وإشراف تربوي مستمر يتيح تبادل الخبرات بين المعلمين. وفي حال استمرار نقص المعلمين الذكور، اقترحت التوسع في برامج إعدادهم وتحفيزهم، والاستفادة من التعليم المدمج أو الحصص المشتركة بإشراف معلمين ذكور، إضافة إلى توزيع الحصص بما يحقق قدرًا من التوازن.

وشددت على أن تحقيق التوازن بين جودة التعليم ومراعاة الخصوصية المجتمعية يمكن أن يتم عبر سياسات مرنة تضع الكفاءة في المقام الأول، مع احترام القيم المجتمعية، وإشراك أولياء الأمور في الحوار، إلى جانب التقييم المستمر للتجربة وتطويرها بناءً على النتائج.

وقالت نهلة بنت عبدالله الفزاري معلمة لغة عربية: إن هذا التوجه يُعد سلاحًا ذا حدين؛ فمن الناحية التعليمية قد يسهم في سد العجز في التخصصات التربوية والاستفادة من الكفاءات النسائية، إلا أنه من الناحية التربوية والنفسية يتطلب دراسة عميقة؛ لأن هذه المرحلة تمثل بداية المراهقة المبكرة، وهي مرحلة حساسة في تشكيل الهوية. وأضافت أن المجتمع العُماني يقوم في تربيته على مبدأ القدوة، ما قد يدفع بعض أولياء الأمور إلى التحفظ على هذا التوجه، لاعتقادهم بأن هذه المرحلة تحتاج إلى بيئة رجالية لتعزيز القيم.

وأشارت إلى أن تطبيق هذا التوجه يستدعي وضع سياسات ولوائح تنظيمية إضافية داخل المدرسة، من بينها تعديل لائحة شؤون الطلبة بما يضمن تشديد الإجراءات تجاه سلوكيات التنمر أو عدم الاحترام الموجه للمعلمات، كما طرحت عددًا من الحلول لمعالجة نقص المعلمين الذكور، مثل تقديم حوافز مادية ومعنوية لاستقطاب الخريجين الذكور، أو إسناد تدريس الصفوف الدنيا (الخامس والسادس) للمعلمات في مدارس الذكور.

ومن جانبه، قال سعيد بن سلطان الرشيدي أخصائي اجتماعي بمدرسة عبدالله بن الحارث للتعليم الأساسي بولاية وادي المعاول بمحافظة جنوب الباطنة: إنه لا يرى إشكالية تربوية في هذا التوجه، مؤكدًا أن الكفاءة التعليمية لا ترتبط بجنس المعلم، وأن المعلمة أثبتت قدرتها وتميّزها في مختلف المراحل الدراسية. وأضاف أن تجربة التعليم في جامعة السلطان قابوس تعكس أثرًا إيجابيًا لتلقي الطلبة تعليمهم على أيدي معلمات.

وأوضح أن الطلبة في الصفوف (1–4) تلقوا تعليمهم بالفعل على أيدي معلمات، ما يجعل هذا التوجه امتدادًا طبيعيًا لما اعتادوا عليه، كما أشار إلى أن المرأة اليوم حاضرة بكفاءة في مختلف مجالات العمل، من التعليم إلى التمريض والهندسة والطيران، وأسهمت بفاعلية في خدمة المجتمع، متسائلًا عن مبررات التحفظ على وجودها في بعض المجالات دون غيرها رغم وحدة الهدف.

وبيّن أن مسألة انضباط الطلبة لا ترتبط بجنس المعلم، حيث نظّمت لائحة شؤون الطلبة هذا الجانب بشكل واضح، وشملت بنودها الجميع، واضعةً الأطر والضوابط التي تضمن بيئة تعليمية منضبطة وآمنة للجميع.

أولياء الأمور

وعبّر عدد من أولياء الأمور عن آرائهم تجاه أي تغيير محتمل في البيئة التعليمية، مؤكدين دور الأسرة المحوري في دعم الأبناء ومتابعة مسيرتهم الدراسية.

فقد قالت نجية بنت هلال الرواحي: إن فكرة تعيين معلمات لتدريس البنين في هذه المرحلة غير موفقة مطلقًا، مشيرة إلى أن مرحلة المراهقة المبكرة تُعد مرحلة حساسة تشهد تغيرات فسيولوجية ونفسية وسلوكية لدى الطلبة، ما يجعل وجود المعلم الذكر – من وجهة نظرها – أكثر قربًا وفهمًا لطبيعة هذه التغيرات، وبالتالي أكثر قدرة على التوجيه والإرشاد والانضباط.

وأضافت أن جنس المعلم قد يؤثر بشكل مباشر على سلوك الطلبة وانضباطهم في هذه المرحلة، معتبرة أن المعلم الذكر يكون أكثر دراية بهذه المرحلة، الأمر الذي يعزز من قدرته على التعامل مع الطلاب وتوجيههم بشكل واقعي وفعّال. كما أشارت إلى أن المعلم يتمتع بصفات القدوة والأسوة الحسنة التي تشمل الجدية في اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، والجرأة والإقدام.

وأكدت أنه لا يمكن إنكار دور المعلمة كقدوة، إلا أن هذا الدور – بحسب رأيها – قد يكون منقوصًا في بعض الجوانب المتعلقة بالطلبة الذكور، وهو ليس تقليلًا من شأن المعلمة، وإنما لاختلاف الطبيعة والتجربة بين الجنسين.

وفي السياق ذاته، رأت أن هذا التوجه قد يتعارض مع الهوية الثقافية العُمانية المستمدة من القيم الإسلامية والعادات المجتمعية، معربة عن وجود بعض المخاوف لدى أولياء الأمور، والتي لا تُبنى على العاطفة بقدر ما ترتبط بتجربة تربوية وسلوكية متوقعة لأبنائهم داخل البيئة المدرسية.

واختتمت بالتأكيد على أن أولياء الأمور ينظرون إلى الجوانب التربوية والسلوكية والنفسية لأبنائهم في المدرسة باعتبارها لا تقل أهمية عن الجانب التعليمي، بل قد تتقدم عليه، لافتة إلى أن تطبيق هذا التوجه – إن تم – يتطلب ضوابط واضحة تشمل البيئة المدرسية، واللوائح التنظيمية، وتأهيل المعلمات للتعامل مع هذه الفئة العمرية عبر برامج ودورات تربوية ونفسية قبل الانخراط في الميدان.

ومن جهتها قالت وفاء بنت عبدالله التمتمي: إن هذا التوجه – من وجهة نظرها – غير صائب، مرجحة أن يكون المعلم في هذه المرحلة ذكراً، باعتبارها بداية المراهقة، حيث يبحث الطالب الذكر عن نموذج رجولي يتخذ منه قدوة مباشرة في السلوك وأنماط الشخصية.

وأضافت أن الطلبة في هذه الفئة العمرية قد يتفاعلون بشكل أكبر مع حضور المعلم الذكر، لما يتمتع به من هيبة وأساليب ضبط تتناسب مع طبيعة المرحلة، مشيرة إلى أن المعلمة قد تواجه تحديات في ضبط الصف، خصوصًا مع الطلبة ذوي البنية القوية أو كثرة الحركة، ما قد ينعكس على مستوى الانضباط داخل الحصة.

وأوضحت أن تأثير المعلم لا يقتصر على الجانب التعليمي فقط، بل يمتد إلى تشكيل سلوك الطالب وانضباطه، معتبرة أن المعلم الذكر يجمع بين الحزم والهيبة والاحترام، ما يجعله أقرب في نظر الطالب إلى دور الأب أو الأخ الأكبر، القادر على التوجيه والفهم والمشاركة في عملية التعلم.

وأشارت إلى وجود عدد من المخاوف المرتبطة بهذا التوجه، من بينها ما يتعلق بالانضباط والهيبة داخل الصف، وأخرى مرتبطة بالحياة المدرسية والعلاقات بين الطلبة والمعلمات، إضافة إلى ما وصفته بجانب الهوية، حيث ترى أن غياب النموذج الرجولي داخل الصف قد يحرم الطالب من رؤية قدوة يومية تساعده في بناء سلوكه وهويته في مرحلة التأسيس.

وفي المقابل، أكدت أنه يمكن تقليل هذه التحديات من خلال وضع ضوابط واضحة، من بينها أن تتسم شخصية المعلمة بالحزم والثقة بالنفس، وتوفير دعم إضافي عبر وجود مشرف أو أخصائي اجتماعي من الذكور عند الحاجة، إلى جانب تهيئة الطلبة وأولياء الأمور للتعامل مع هذا التوجه بشكل تدريجي ومدروس.