"النخر" بالحمراء.. قرية هجرها الأهالي فتحولت إلى " مزار سياحي"
ـ مياهها تجري في الوادي طوال العام.. وتستمدها من خزان جبل شمس ذي العيون المتدفقة
الحمراء – عبدالله العبري
تعد قرية النخر بولاية الحمراء مزارا سياحيا فريدا يقصده الزوار من أماكن عدة، نظرا لموقعها الفريد في أحضان جبل شمس حيث حولها أبناؤها إلى وجهة سياحية مهمة بعدما أن هجرها ساكنوها في العصر الحديث لعدم وصول الخدمات الضرورية بحكم موقعها الذي لا تصل إليه وسائل النقل العادية بل المركبات ذات الدفع الرباعي فقط.
وبجريان الوادي عند هطول الأمطار تنقطع الحركة المرورية نحو هذه القرية التاريخية العريقة حيث تبقى في عزلة حتى يتم شق الطريق إليها مجددا، وهو ما يجعل أهلها يهجرونها بعد أن كان دبيب الحياة يعج في جنباتها، وتعتلي القرية مئذنة تميزها عن بقية المباني كونها تحمل صفات العمارة الإسلامية الفريدة.
في حين تبرز منازلها براعة الإنسان العماني في فن العمارة على الرغم من أن المواد المستخدمة في تشييد تلك المنازل من المواد الطبيعية كالحجارة والأخشاب وقد حاول أبناؤها على الرغم من ضيق مساحة البناء أن يجدوا متسعا للألفة فيها.
بحيث تعيش أكثر من أسرة في منزل واحد مع تعدد الغرف والباحات، كما أن مجلس البلدة المسقوف بسعف النخيل في ذلك الوقت يعبر عن احتضان أبنائها للضيف إذ تتوسط غرفة المجلس بقية الغرف السكنية.
وفلج النخر على الرغم من ضآلته فهو كاف لري المزروعات على امتداد الرقعة الزراعية والتي تغلب عليها النخيل والحمضيات وبعض أشجار الفواكه ومساحات قليلة لزراعة المحاصيل الموسمية وقد دأب أبناؤها على تربية المواشي بحكم موقع البلدة على مشارف جبل شمس ووجود المراعي الجبلية التي تزخر بالأشجار البرية كالأعشاب والبوت والعتم وغيرها، فكانوا يعتمدون عليها اعتمادا كليا في حياتهم اليومية ومكاسبهم المادية، إلى جانب أن أبناءها اشتهروا بحرفة الغزل والنسيج لوجود المصدر الطبيعي من الوبر والصوف من قطعان تلك المواشي، إلى جانب تربية خلايا نحل العسل والذي يعد من أجود أنواع العسل حيث المراعي من أشجار الجبل الطبيعية إضافة إلى نقاوة جوها الذي يخلو من الملوثات الصناعية.
مرارة الهجرة !
و بلدة النخر قاست مرارة هجرة ساكنيها وبقيت تذرف الدموع حيث لم تستطع التمسك بأسرة واحدة من مجموع تلك الأسر التي كانت تتزاحم في تلك المنازل ليخيم الهدوء على محيطها، فلم يعد تُسمع فيها أصوات البشر و لا صوتا سوى حفيف الأوراق وخرير المياه.
وعندما كانت وسائل النقل البدائية تستخدم في الماضي حيث لا بديل عن الدواب كانت " النخر " من أحصن البلدان وأكثرها أمانا لوجود بوابة طبيعية واحدة تصلها بالعالم الخارجي، تسمى مضيق "وادي النخر" الذي يمر وسط الوادي بين سلسلتين جبليتين شاهقتين، وعندما تغيرت طبيعة الحياة بفضل عصر النهضة، ودخلت الخدمات الحكومية بوسائلها المتعددة التي تتيح للمواطن التمتع بالحياة العصرية برز ذنب هذه البلدة الذي جنته على سكانها فحرمتهم كل أوجه الخدمات، فطريقها يمر وسط وادي النخر العتيد الذي يجرف الحجر والشجر أثناء نزوله المنحدر من قمة جبل شمس فيدثر الطريق مجددا.
ومعه بقيت الجهة المعنية بشق الطريق في حيرة لكنها جندت معدات وضعتها في الحسبان كلما نزل الوادي، فلا بد من إعادة شق هذا الطريق لكن الميزة الجميلة في هذا الوادي أن المياه تبقى جارية في مجراه لمدة طويلة ما شكل عامل جذب سياحي كذلك لم تستطع الجهة المعنية توصيل خدمات الكهرباء فظلت البلدة بدون كهرباء، ومع انقطاع أبناء القرية عن التعليم لفترات طويلة، كل ذلك كان كفيلا بهجرها إلى مركز الولاية الذي تتوفر فيه كافة الخدمات الحكومية، إلى جانب عدم قدرة أبنائها على مواصلة الدراسة أثناء هطول الأمطار ونزول الوادي مع صعوبة الاستفادة من الخدمات الصحية وحتى توفير المؤن اللازمة لاستمرارية الحياة المعيشية.
السياحة الواعدة !
ومؤخرا استطاع سكان " النخر " وملاك البيوت والمزارع فيها إعادة الحياة إليها بطريقة تواكب عصر السياحة الواعدة فاتخذوا منها وجهة سياحية فريدة مستغلين بيوتها الأثرية بتحويلها إلى نزل سياحية، حيث ساعد على هذا الأمر هدوء المنطقة وجمال طبيعتها الساحرة بين أحضان الجبال الشاهقة على طرف من الفالق العظيم بجبل شمس والمدرجات الزراعية فأصبحت مقصدا سياحيا ووجهة لهواة المغامرات بالذهاب إليها مشيا عبر مسار الوادي، وكذلك يزورها هواة تسلق الجبال حيث تتوفر مقومات الشواهق الجبلية مع تعدد مواقعها النادرة حسب ميول المغامرين وأصحاب الهوايات خاصة الوافدين من الدول الأجنبية الذين يجدون في بلدة النخر ما يعينهم على ممارسة هواياتهم وسط أجواء معتدلة الحرارة صيفا وشتاء، ومن بين المقومات السياحية التي تتميز بها النخر البرك المائية العميقة المتواجدة وسط الوادي حيث تستقطب أصحاب هوايات السباحة وساعد على ذلك عدم نضوب مياه تلك البرك، حتى لو انقطع هطول الأمطار لمدة طويلة كونها تستمد مياهها من خزان جبل شمس ذي العيون المتدفقة حيث تجري المياه في مجرى الوادي طوال العام.
ومن بين الرياضات التي يمارسها السياح والزائرون من داخل السلطنة وخارجها هواية الرماية إذ يسهل ممارسة هذه الهواية في جبال النخر لعدم وجود السكان هناك، وسهولة اختيار مواقع لوضع الأهداف وتسديد الرامي والمنافسات بمختلف أنواع البنادق المستخدمة في ممارسة هذه الهواية.
