عمان اليوم

التعاطي السلبي مع وسائل التواصل الاجتماعي.. خطر على الفكر والتماسك المجتمعي

25 أبريل 2026
نقاشات تتعمق لجوانب مريبة و حوارات هدامة
25 أبريل 2026

كتب ـ سهيل بن ناصر النهدي

يعكس ما يثار في و سائل التواصل الاجتماعي من نقاشات حادة و تجاذبات واختلافات حول مواضيع عديدة حجم الخطورة التي تشكلها هذه النقاشات في زعزعة التماسك الاجتماعي، والمحبة بين أبناء المجتمع، خاصة مع دخول معرفات وهمية ومسميات غير حقيقية تدس السموم بطرق عديدة قد يقع ضحيتها أبرياء غير مدركين لما قد يصل إليه النقاش والتجاذب.

وأكد مختصون أن النقاشات الرقمية في وسائل التواصل الاجتماعي تثير في كثير من الأحيان الفتن والشائعات، ومن الضروري توعية المجتمع بخطورة الدخول في مثل هذه النقاشات في وسائل التواصل، والحذر مما تدسه من شكوك وشائعات قد تغير نهج الفرد وفكره ومداركه.

Image

وقال الدكتورة بدرية بنت محمد النبهانية باحثة بمجال التاريخ: إن انتشار الشائعات والمعلومات غير الدقيقة عبر فضاءات رقمية لا تخضع لمعايير مهنية تؤثر حتما في ثقة الأفراد في أي مجتمع باتجاه المؤسسات الرسمية ومن يمثلها أيضا، فيسهم في صناعة بيئة تملأها الريبة والشك المستمر.

وأكدت أن أن الفضاءات المفتوحة حين تفتقر إلى الضوابط المعرفية تصبح بيئة خصبة لزعزعة ما يمكن أن نطلق عليه بـالعقد الاجتماعي بين المواطن ومؤسساته، وتنتشر الشائعات والمعلومات غير الدقيقة داخل فضاء لا يخضع لأي معايير مهنية، بل يرى انفصاله عن المساءلة القانونية مساحة للقيام بذلك. ويمكن تلخيص مكامن الخطورة على الثقة المؤسسية والشباب في تآكل الهيبة والمصداقية، وذلك بتحويل القضايا الوطنية المعقدة إلى مادة للمزايدات الرقمية بما يؤدي إلى اختزال الجهود المؤسسية في شعارات هشة، مما يولد حالة من انعدام الثقه لدى الفرد تجاه مؤسسات الدولة. كذلك تسطيح الوعي الشبابي؛ فالشباب هم القوة الضاربة للمجتمع، وحين يتعرضون لسيل من التفسيرات المشوهة والمنحرفة فإن ذلك يؤدي إلى تزييف الوعي، وبث أوهام معرفية؛ حيث يتبنى الشاب أفكاراً غريبة عن سياقه الثقافي والوطني معتقداً أنها الحقيقة المطلقة، مما يسهل استلابه فكرياً، وقد يصل لتوجيه هذه الأفكار الخاطئة اتجاها سلبيا نحو مجتمعاتهم.

ثوابت عمانية

وأوضحت النبهانية أنه لكي يتجنب المجتمع الانزلاق في هذه المتاهات يجب تحصينه عبر رفع معدلات الوعي بالذات والوعي بالهُوية الوطنية ومرتكزاتها المتمثلة في اللغة والدين والتاريخ، ويجب أن يبدأ عبر مؤسسات التنشئة الرئيسة في المجتمع ممثلة في الأسرة ومؤسسات التعليم المختلفة؛ حيث يتلقى الشاب العماني مادته المعرفية الأولى وما يرتبط بها من قيم واتجاهات، وبذلك نصل إلى عدة جوانب مهمة منها التثبت القيمي بالعودة دائماً إلى الثوابت العُمانية الأصيلة التي تقوم على التريث وعدم الاندفاع خلف كل ناعق منطلقا من معرفته بذاته وتاريخه المترسخ فيه.

كما أنه من الضروري استقاء المعلومة من مصادرها بتعزيز ثقافة السؤال: "مَن المتحدث؟ وما مرجعيته؟"؛ فالمجتمع الواعي هو الذي يرفض أن يكون ساحة لتجارب الأفكار المستوردة، كما أن سمو الحوار يجعل الانسان يدرك أسس الحوار مع الآخر منطلقا من تاريخ سلطنة عمان الذي عرف بانفتاحه مع الآخر، والحوار معه.

وبينت النبهانية اهمية إعمال العقل النقدي، وقالت: على الفرد ألا يكون "إمّعة"، بل عليه فحص "سياق الكلمة". المعرف الذي لا وجه له هو معرف بلا "ذمة تاريخية"، والخوض معه هو اعتراف بشرعيته، كذلك ضرورة تعزيز المجالس الواقعية (نظام السبلة العمانية القديم) من خلال العودة للمجالس التي تجمع بين الحكمة والشباب، ليكون الحوار وجهاً لوجه؛ حيث تسود المسؤولية عن الكلمة، وتنمو القدرة على نقد الأفكار الدخيلة قبل أن تستفحل من قبل شباب وأكاديميين متمكنين من المعرفة ومهارات الحوار ليكونوا أكثر قربا من الفئات المستهدفة.

وأكدت الدكتورة بدرية النبهانية أن غياب الرقابة الذاتية في النقاشات الإلكترونية يؤدي إلى نتائج وخيمة، والتعرض المستمر لكتابات تغذي الفرقة والفتنة في المجتمع الواحد مع جهل بالمرتكزات التاريخية التي نشأت وفقا لها الدولة العمانية سيؤدي إلى واحد من أمرين أولهما الاستقطاب الحاد بتحويل المجتمع إلى جزر معزولة من الآراء المتصادمة، مما يفتت وحدة النسيج الاجتماعي. أضف إلى ذلك أن هذه الأصوات التي تعلي مثل هذه الأصوات تصبح صيدا سهلا لحسابات خارجية موجهة لتفتيت الداخل، وهدفها صناعة الفوضى داخل الوطن.

وثانيهما إحياء العصبيات -بحجة "حرية الرأي"- عبر استحضار خطابات الكراهية أو التمييز التي تجاوزها العمانيون بفضل نهضتهم وقيمهم الراسخة ، مما يهدد السلم الأهلي، ويهدد خلق التسامح وتقبل الآخر والعيش المشترك، وهي مرتكزات عاش بها العمانيون لسنين طويلة عبر تاريخهم الطويل مؤكدة أن كل هذا سيؤدي إلى تفتيت الوحدة الوطنية، بحيث ينشغل المجتمع ببعضه البعض بدلاً من الانشغال بالبناء، وتتحول المنصات من ساحات بناء إلى خنادق رقمية للتراشق.

وأضافت: أن النقاشات لها أثرها على تماسك المجتمع في حال ترك لها المجال ولم يتم التعامل معها في الوقت المناسب؛ فالمجتمع العماني معروف أنه يتميز بالتماسك العضوي؛ حيث تشكل الهوية الوطنية مظلة لكافة افراد المجتمع باختلافاتهم العديدة، كما أن التماسك الاجتماعي هو حجر الزاوية في استقرار البلاد، وعليه فالمناقشات والمساحات الرقمية المفتوحة غير المسؤولة تعمل كمعاول هدم تشبه عوامل التعرية؛ تأخذ زمنا طويلا لأثر أكثر طولا، وهدفها الأساس إضعاف الولاء للوطن، ليحل محله الولاء لدول وأنظمة خارجية وفق أطر أيدولوجية أو فئوية، مما يجعل المجتمع مع مرور الزمن هشا لا يصمد أمام أي أزمة.

أضف إلى ذلك أن هذه النقاشات تزرع الشك تجاه الآخر، وتضعف الجبهة الداخلية أمام التحديات الخارجية خاصة فكريا، ويصبح المجتمع مجتمع ريبة متنازع داخليا يمكن بسهولة توجيه أفراده.

دور المثقف والباحث

وأشارت إلى أن المثقف ليس ناقلاً للمعلومة، بل يفترض به أن يدرك أنه في مجتمعه يمثل "حارس للوعي"، كما أن المؤسسات الإعلامية ليست ناقلة أيضا للأخبار فقط، بل على الجميع أن يعمل على ترسيخ الوعي من خلال المثقف أو الإعلامي الكاتب؛ حيث عليه أن: ينزل من البرج العاجي، ولا يكفي بكتابة المقالات الرصينة في الدوريات المغلقة، بل يجب أن يكون له حضور واضح في ذات الميادين أي في المنصات الرقمية بمختلف أنواعها متسلحا بالمعرفة التي يملكها؛ ليمثل الدفاع الرصين ضد كل من يسعى لبث الفوضى "الرقمية" داخل مجتمعه، أيا كانت نوع السموم التي تنشرها هذه المنصات، وأن يدرك أن عليه مخاطبة الفئات الشبابية بأسلوب جاذب يشبهها، لا أن يتزمت في ذلك.

وقالت: دورنا كمؤرخين وباحثين هو تفكيك الأكاذيب التاريخية والسياسية التي تبثها المعرفات الوهمية، وإظهار زيف ادعاءاتها بالدليل والبرهان، وترسيخ النموذج العماني من خلال إبراز الشخصيات والرموز الوطنية التي جسدت الحكمة والاتزان عبر العصور، لتكون قدوة للجيل الرقمي، وصناعة المحتوى الرصين بمواجهة "الغث" بـ"السمين" عبر تقديم بدائل فكرية تتسم بالعمق والارتباط بالهوية العُمانية، وترسخ مبدأ أن حرية الرأي التي يشرعها القانون لكل مواطن يجب أن تكون "حرية مسؤولة" تخدم الوطن، وتبنيه لا تهدمه، ولا تميل لأي أجندة خارجية، كما أن الكلمة مسؤولية على الجميع تحملها اتجاه وطنه.

وأكدت أن على الجانب الرسمي من الضروري أن تبني مؤسسات الإعلام الرقمي خاصة، وتسهيل مهمتها في خدمة الأجندة الوطنية، وليس تحميلها أعباء تقليدية خاصة المالية منها، إذا ما أدركنا أن العمل الرقمي في أصله لا يتطلب أصلا ماليا بقدر ما يتطلب معرفة وخبرة ومهارة رقمية.

كما أشارت النبهانية إلى أهمية دور المجتمع المدني وقالت: تعتبر الجمعيات الأهلية والمدنية "خط الدفاع الثاني" بعد الأسرة، ويمكنها ان تقوم بدور كبير في صناعة المواطنة الرقمية الواعية بالإضافة للمؤسسات التعليمية، ويتمثل دورها في: برامج التربية الإعلامية من خلال تنظيم ورش عمل تخصصية لتحصين الأفراد (وخاصة الناشئة) ضد "الغزو الثقافي" وتدريبهم على مهارات التفكير الناقد. يمكن ذلك باطلاق حزمة برامج حول "المواطنة الرقمية"، و"الوعي الرقمي"، والتركيز فيها على رفع معدل الوعي الرقمي لدى الأجيال المختلفة.

وتعزيز الهوية الوطنية بربط الجيل الجديد بجذوره التاريخية وقيمه العُمانية التي تمثل الحائط الناري للوقاية من الأفكار الدخيلة. ولنبدأ مثلا من غرس فكرة "أمن الوطن في الفضاء الرقمي"، والتأكيد أن كل كلمة تكتب هي إما لبنة في بناء الوطن وإما معول هدم، والجمعيات هي الأقدر على ترسيخ هذا الوازع الأخلاقي والوطني، وصناعة مساحات حوارية آمنة بتوفير منصات واقعية للنقاش تحت إشراف متخصصين لسد الثغرات التي قد تستغلها المنصات الإلكترونية المجهولة. وبالتالي توفير مساحة لهؤلاء الشباب للتعبير بطريقة صحية وبلقاء مع خبراء يتحدثون لغة قريبة منهم.

وفي ختام حديثها أكدت الباحثه بدرية النبهانية أن الحفاظ على استقرار الفكر العُماني هو مهمة تكاملية تبدأ من وعي الفرد، وتمر بمسؤولية المثقف، وتنتهي بحزم المؤسسات. وإنّ معركتنا اليوم هي "معركة وعي" بامتياز، وعمان بتراكمها الحضاري قادرة على تجاوز هذه الأمواج العاتية شريطة أن نتمسك بوعينا التاريخي، ونفعل أدواتنا المعاصرة بحكمة الأجداد.

Image

فضاء مفتوح

من جانبها أكدت الدكتورة أمل بنت طالب الجهورية عضو مجلس إدارة جمعية الصحفيين العمانية، ورئيسة لجنة شؤون الصحفيات أن الإعلام الرقمي يشكل بمساحاته المختلفة أداة محورية في توجيه وتشكيل الرأي العام بطرق عميقة وسريعة، لاسيما من خلال ماتوفره المنصات الإلكترونية من بيئة خصبة للنقاشات والحوار والتفاعل بين الموجودين عبرها سواء أكان في معرفات واضحة وموثوقة، أو معرفات وهمية تسعى للمشاركة عبر الموضوعات المطروحة لأهداف مختلفة.

وقالت: يجد الكثيرون ضالتهم عبر ذلك الفضاء المفتوح سواء بمتابعة المستجدات، أو الحصول على المعلومات أو من خلال تكوين أفكار عامة عن واقع حال المجتمعات من خلال الموضوعات المطروحة للنقاش في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ليتحول البعض خلالها إلى مؤيد أو معارض لأفكار لا تعكس رأيه أو قناعته الشخصية بقدر ماتعكس تأثره بما يطرح هناك من وجهات نظر مختلفة؛ الأمر الذي يعكس مدى قدرة منصات التواصل الاجتماعي كأداة في تشكيل الرأي العام بسرعة فائقة.

وأشارت الجهورية إلى أن الأفراد يستطيعون الدخول لتلك المساحات من مختلف الثقافات والأعمار والتعبير عن وجهات نظرهم والمشاركة في الحوار حول القضايا المختلف بما يشكل بيئة للتأثير المتبادل بين الأشخاص لتبادلوا الأفكار، وتشكيل رؤى مشتركة حول القضايا العامة، سواء أكانت محلية أم عالمية؛ الأمر الذي يفضي بهم إلى تكوين الرأي العام، وإبراز القضايا الأكثر أهمية، والتي قد تؤثر بدورها على صناع القرار والسياسات العامة في بلدانهم لاسيما إذا ما ركزت النقاشات على قضاياهم الداخلية والتنموية.

وأكدت أن الخطورة لتلك المنصات والنقاشات تكمن في وقت الأزمات، وكذلك في نشر المعلومات المضللة؛ الأمر الذي يتطلب معها وجود دور توعوي يمكن أن يلعب فيه الإعلاميون والمثقفون دوراً حيوياً في التوعية بأسس التعامل مع الحوارات والنقاشات عبر الفضاءات التقنية، وآليات النشر والتفاعل عبرها سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات؛ لاسيما في ترجمة مايسمى بالدراية الإعلامية وأسسها سواء من خلال المناقشات والمشاركات التي يقدمونها في الموضوعات المطروحة، أو بتقديم الرسائل التوعوية المباشرة وغير المباشرة عن هذه الجوانب في برامجهم الإعلامية وموضوعاتهم الصحفية، وذلك من خلال التركيز على موضوعات تتناول التوعية بضوابط الفضاء الإلكتروني من خلال تعزيز التربية الرقمية، وتعزيز التفكير النقدي، ونشر ثقافة أخلاقيات التعامل الرقمي، وتعزيز مجالات الأمن السيبراني.

وبينت الدكتورة أمل الجهورية أنه يمكن لمؤسسات المجتمع المدني المعنية بالشأن الثقافي والإعلامي أن تقوم بأدوار توعوية واضحة في هذا الجانب من خلال برامجها وأنشطتها وجلساتها الحوارية، وتبني مبادرات داعمة لنشر الدراية الإعلامية في المجتمع بما يسهم في تعزيز وعي المجتمع، وتكوين فكر قادر على التعاطي الإلكتروني، ويملك الحصانة من التأثير والتأثر السلبي بما يطرح فيها من نقاشات وموضوعات، ويحفظ للفرد والمجتمع هويته وخصوصيته، ويجنبه الوقوع في الكثير من أخطار تلك النقاشات فكرياً واجتماعياً.

Image

الأفكار السلبية

من جانبه قال سعيد بن عبدالله العزري مختص بالمجال الاعلامي: إن النقاشات السلبيّة في المنصات الرقميّة تعزز المشاعر المهزوزة أمام الحقائق وتضلل الجمهور، والحقيقة أن تكرارها يحقق الهدف منها، وذلك في تبني أفكار وآراء سلبيّة، وتشرح ذلك نظرية ترتيب الأجندة في الإعلام؛ حيث إعادة ترتيب الحقائق وتكرارها بشكل مستمر يجعلان المتلقي متأثرًا بالرسائل الاتصاليّة التي يحصل عليها. ولعل تأثير القضايا السياسية والأحداث الجارية بالمنطقة يطرح أسئلة عديدة عن توجهات الدول والقرارات التي تبنى لعلاج الأزمات والتي لا تكون واضحة بشكل تفصيلي أمام الجمهور مما يخلق التحليلات والتأويلات السلبيّة غالبًا دون وعي كاف بنظرة المؤسسات وقراراتها الاستراتيجية والمفصليّة، وفي المقابل نجد أن الإجابة على النقاشات السلبيّةتزيد من حدّتها، والتفاعل في وسائل التواصل الاجتماعي مع كلمات مفتاحيّة يعزز من ظهورها، وانعكاس ذلك يروج الأفكار والرسائل المتضمنّة لها بالإضافة إلى نسبة التأثير والتأثر منها، بل يتعدى ذلك لصناعة وبناء صورة ذهنيّة عن المجتمعات وأخلاقياتها وأفكارها.

وأكد العزري أن المعرّفات الوهميّة تستخدم في كثير من الأحيان لدراسات الرأي العام ودراسات المجتمع وتوجهاته مع قضايا محددة؛ لذلك يستفز المجتمع برسائل وأفكار سلبيّة للتأثير فيه أو لدراسة توجهاته. حدّة التوجهات في البداية تتلاشى حتى تتبنى المجتمعات وجهات النظر المقابلة في ذلك.

وأوضح أن الأزمات هي مدرسة فاعلة للمرحلة بعد الأزمة، وبناء تراتبي لعلاج المرحلة بعدها؛ حيث إن الخطاب الإعلامي للمؤسسات يجب أن يكون موحدًا واضحًا تتبناه الدول ونخب المجتمع. نظريات الإعلام ترشدنا كذلك لعلاج ذلك؛ حيث ترى نظرية التدفق على مرحلتين أن النخب مؤثر فاعل للأفراد عند تبنيهم لخطاب وسرديّة اعلاميّة محددة. في المقابل هناك ما يسمى بالفراغ السلبي في الاتصال، وهو المنطقة الرماديّة من المساحات الاتصاليّة التي لا تجد ما يغذيها ويوجهها لتبني رسائل. الفراغ السلبي هو المساحة التي تتلاعب فيها الإشاعات والآراء السلبيّة، وتأخذ فيها محلًا مهمًا ومؤثرًا؛ لذا يجب تعبئتها بخطاب المؤسسات والأفراد الفاعلين من خلال توضيحات ونقاشات بنّاءة توضح أبعاد الأحداث.

القيم العمانية

من جانبها قالت بدرية بنت محمد الناعبية مهتمة بالمجال الاجتماعي: إن الكلمة أمانة في المجتمع، وتُوزن بميزان المسؤولية، ويُحفظ أثرها قبل أن تُقال مؤكدة أن المجتمع العماني عُرف بسمته الوقور وأخلاقه الرفيعة، وأن التعامل مع هذه المنصات لا ينبغي أن يكون بمعزل عن تلك القيم الأصيلة التي قامت عليها الشخصية العمانية .

وأشارت الناعبيه إلى أن الاختلاف في الآراء أمر طبيعي وصحي، بل هو أساس لأي حوار ناضج. وتتضاعف خطورة هذه المناقشات عندما تتجاوز حدود النقد الموضوعي لتصل إلى التشكيك في مؤسسات الدولة، أو التقليل من جهودها دون معرفة دقيقة أو اطلاع كافٍ.

وأكدت أن الثقة بين المجتمع ومؤسساته تمثل حجر الأساس في استقرار الدول.

وقالت: اختيار الصمت في بعض المواقف يُعد سلوكًا راقيًا يعكس نضجًا ووعيًا خاصة عندما يكون النقاش غير مجدٍ أو قائمًا على الانفعال؛ فكما يقول العمانيون: “السكوت زين”، وهي حكمة تعكس قيمة التروي وضبط النفس.

وأوضحت أن الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي يتطلب وعيًا فرديًا وجماعيًا يقوم على احترام الآخر، والتثبت من المعلومات، والحرص على المصلحة العامة.

وفي ختام حديثها أكدت بدرية الناعبية أن المجتمع العماني بما يمتلكه من رصيد أخلاقي وثقافي قادر على التعامل مع تحديات العصر الرقمي بحكمة واتزان إذا ما تمسك أفراده بقيمهم، وتعاملوا مع وسائل التواصل بروح المسؤولية؛ فالمستقبل الذي ننشده كما أكد السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – يقوم على العمل المشترك، وبناء الإنسان الواعي القادر على التمييز، والمتمسك بهويته. وهذا لا يتحقق إلا في ظل مجتمع متماسك يحسن استخدام أدوات العصر، ويصون قيمه في كل زمان ومكان.

Image