أكاديميون: الاختبارات أداة لقياس التحصيل العلمي وقد لا تعطي نتائج فعالة للمستوى الإبداعي
أشار أكاديميون إلى أن الاختبارات تعد أداة أساسية لقياس التحصيل العلمي للطالب، لكنها قد لا تعطي نتائج فعالة لقياس مستوى الإبداع والتفكير والابتكار لديهم، مؤكدين على ضرورة التوازن بين التقييم الأكاديمي وتنمية المهارات الحياتية والعملية، بهدف بناء بيئة تعليمية آمنة ومرضية للمجتمع المدرسي والمجتمع الخارجي.
"عمان" استطلعت آراء أكاديميين للحديث عن رؤيتهم حول واقع التعليم في المدارس، وهل الاختبارات هي المؤشر الرئيسي لتقييم الطلبة.
يقول الدكتور موسى بن محمد البلوشي، أستاذ محاضر في قسم المعاملات التجارية بكلية مزون: النظام الحالي في المدارس يخدم الطلبة من المنظور العلمي بشكل كبير، ويكسبهم بعض المهارات المتعلقة مباشرة باستخدام الحاسب الآلي، إلا أن الوضع الحالي ينظر إلى نماذج الابتكار والذكاء الاصطناعي بشكل محدود، وتعد هذه المهارات بسيطة مقارنة بعدد الطلبة في المدارس. لذلك، يحتاج الأمر إلى إيجاد تسلسل في إدخال نظم وبرامج تعليمية تعمل على تنشيط فكر الإبداع واستخدام الذكاء الاصطناعي لمواكبة العالم.
وأضاف البلوشي: الاختبارات تعد من أساليب التقييم منذ زمن طويل وتظل موجودة كأداة لمعرفة المستويات العلمية بين الطلبة، لكننا بحاجة إلى مواكبة أو ربط بعض المفاهيم الحديثة التي ظهرت في السنوات القليلة الماضية، وهي طريقة قياس الإبداع الطلابي.
نجد أن عملية الاختبارات لا تعطي نتائج فعالة لقياس مستوى الإبداع لدى الطلبة، ما قد يؤدي إلى إيجاد ثغرة نفسية لديهم، إذ يُقاس الإبداع من خلال الإنجازات والأفكار الحديثة التي تتحول إلى مشاريع أو منتجات قابلة للاستخدام.
يمكن القول إن الاختبارات لها تأثير سلبي على قياس درجة الإبداع لدى الطلبة، ومن ناحية الآثار التربوية، فإن حب الإبداع وتشجيع الابتكار قد يتضاءل لدى الطلبة، مما يدفعهم لممارسة الأساليب القديمة، وهو ما يقلل القيمة الحقيقية للإبداع لديهم.
وأشار البلوشي: إذا تكلمنا عن الإبداع، يجب أن نركز على مهارات معينة تساعد على إيجاد بيئة إبداعية لدى الطلبة، مثل مهارات البحث العلمي، التي تساعد الطالب على اتباع الأسلوب العلمي في كتابة البحث. لذلك، يجب إيجاد مواد وأدوات تساعد على صقل مهارة الإبداع، إذ أن الطالب يملك الفكرة ولكنه لا يملك المهارة التي تساعده على تحويل الفكرة إلى منتج أو خدمة يستفيد منها الكثيرون.
أما عن رؤية التعليم في المستقبل، أفاد البلوشي: تعليم مهارات الإبداع هو المستقبل، وكيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي هو ما يصنع التغيير لدى الأجيال.
دائمًا العالم يتطلع إلى كل ما هو جديد، وإذا تم تحويل المدارس إلى مختبرات إبداعية، سينتج لدينا جيل قادر على إحياء الصناعة والابتكار، وعدم الاعتماد على الغير في المنتجات، وتصبح المدارس مصانع للمهارات بدلًا من أن تكون مصانع للحفظ والاختبارات.
تنمية المهارات
من جهتها، قالت الأستاذة الدكتورة يُسرى بنت جمعة السناني، أستاذ المناهج والتدريس بكلية التربية، جامعة السلطان قابوس: تقييم واقع التعليم في المدارس اليوم يُظهر أن النظام التعليمي في سلطنة عمان، شأنه شأن كثير من الأنظمة، يغلب عليه الطابع التقليدي في قياس تحصيل المتعلم، حيث ما يزال جزء كبير منه يتمحور حول التقييمات النهائية، باعتبار أن الاختبارات هي المعيار الأساسي لقياس تحصيل الطالب.
وأضافت: هذا النمط يعكس الإرث العالمي للتعليم القائم على التقويم الختامي، وهو ما أشار إليه "بلاك وويليام" في أبحاثهما حول التقييم، حيث أوضحا أن الاعتماد المفرط على الاختبارات قد يختزل التعليم في "سباق درجات" بدل أن يكون "رحلة تعلم"، فالنجاح يقاس بفهم المفاهيم، واكتساب مهارات قابلة للاستخدام، وتطور القدرة على التعلم الذاتي. لكن الاعتماد المفرط على الاختبارات يحوّل الهدف من التعليم، بدل أن يكون التعليم عملية مستمرة لاكتساب مهارات وفهم عميق، إلى الحصول على درجات عالية فقط.
وأشارت إلى أن الآثار التربوية والنفسية للاعتماد المفرط على الاختبارات التقليدية تشمل الضغوط النفسية وقلق الامتحانات، حيث تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الإرهاق النفسي الناتج عن الضغط الدراسي قد يؤثر في صحة المتعلّمين الذهنية، خاصة في الأعمار المبكرة. وقد يكون التعليم سطحيًا، حيث يتجه الطلاب إلى الحفظ المؤقت بدل الفهم العميق، وهو ما يسميه "بلوم" بالمستويات الدنيا من التفكير. كما أن الاعتماد على التقييم الخارجي بدل التعلم من أجل الفهم يقلل الدافعية الداخلية، وفقًا لنظرية التحديد الذاتي.
وأضافت السناني: إن هناك مهارات مطلوبة عالميًا لسوق العمل وفق التوجهات العالمية وأهداف "رؤية عمان 2040"، ومن أهمها: مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، والتعلم الذاتي، والتكيف مع متغيرات سوق العمل، والمهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى الكفاءة التواصلية والعمل ضمن فرق متنوعة، والمهارات الحياتية، والمرونة العاطفية. وهذه المهارات لا يمكن للاختبارات التقليدية وحدها قياسها أو تنميتها، بل تتطلب بيئات تعلم نشطة تعتمد على المشاريع، والتجارب العملية، والتعلم القائم على الاستقصاء.
كما أوضحت أن المؤشرات العالمية، وكذلك توجهات سلطنة عُمان، توحي بأن القادم سيشهد تحولًا متزايدًا نحو التعليم القائم على المهارات والتقويم التكويني، حيث يصبح الطالب "متعلمًا مدى الحياة"، وليس مجرد "حافظ للمعلومات". وتجارب دول مثل فنلندا وسنغافورة وكندا أثبتت أن تقليل مركزية الامتحان وزيادة الاعتماد على التعلم الذاتي من خلال المشاريع والأنشطة العملية يرفع مستوى الفهم، ويدعم الصحة النفسية، ويؤهل الطلاب لسوق عمل متغير.
وهناك بوادر ملموسة في السلطنة لهذا التحول، مثل مبادرات "المدرسة المنتجة"، وبرامج تدريب المعلمين على أساليب التعلم النشط، والتوجه لإدماج التكنولوجيا بشكل أعمق في التعليم.
ختامًا، فالاختبارات ليست أداة جزئية، وينبغي ألا تتحول إلى الغاية القصوى، فالمدرسة الحديثة يجب أن توازن بين التقييم الأكاديمي وتنمية المهارات الحياتية والعملية، لإعداد طلاب قادرين على مواجهة المستقبل المعقد والمتغير بسرعة.
التعليم المدمج
قال الدكتور سليم بن محمد الهنائي، أستاذ مساعد بكلية العلوم والآداب، جامعة نزوى: التحول العلمي والثقافي في مجتمعنا له باع طويل في أنظمته التعليمية، والتي تربط العلم بالنجاح والكفاءات العالية، لكن التغيير ضروري ومهم في مجتمع معاصر تتسارع فيه الإنجازات ويتغير بمتغيرات محيطه دون أن يُفقد جوهره.
وأضاف: من الأفكار التي تساعد في تغيير هذا المفهوم معرفة تاريخ الشعب العماني، وتسليط الضوء على نجاحاتهم وإنجازاتهم السابقة في بناء البلد، الذي اعتمد كثيرًا على المهارة والعلم معًا، وتشجيع الطلاب على تطوير مواهبهم بما يتكافأ مع إكمال دراساتهم العليا، لبناء جيل قادر على مواكبة التحولات المعاصرة.
وأشار الهنائي إلى أن التعليم المدمج، الذي يعتمد على دمج المعرفة بالمهارة والتقنية بدءًا من المدارس، يمكّن الطلبة من معرفة ميولهم المعرفية والمهارية، بما يعينهم في المستقبل على تطوير أنفسهم ومجتمعهم بطريقة سليمة.
وأكد: النظرة المستقبلية مهمة، فالاختبارات مقياس مهم في التعليم والتدريب والعمل معًا، ولا يمكن الاستغناء عنها، ولكن يمكن إعطاء الطالب مساحة في التفكير والابتكار مع تطبيقها في الاختبارات والمهارات الجانبية، وهي بمثابة دمج الحفظ مع التفكير النقدي والمهارات العملية، مما يعزز الإبداع لدى المعلم والطالب في ابتكار حلول غير تقليدية، ويربط العملية التعليمية بالمفاهيم وقياس القدرة على التذكر مع تنمية التفكير والفهم العميق.
وأضاف: إن الجمع بين التدريب العملي والتطوير المستمر هو أساس بناء المعلم المحترف، ذي الكفايات التعليمية المهمة التي تساند الطالب وتساعده في رفع مستواه العلمي والمعرفي. كما أن تنمية شخصية الطالب تتطلب جهودًا كبيرة من الكادر الإداري والتعليمي، نحو التركيز على التعلم التفاعلي والنشط، واستخدام أساليب تدريسية جديدة تهدف إلى إشراك الطلاب، مما يحفزهم على الإبداع وبناء شخصية الطالب الناجح، ويُمكّنه من التعلم الذاتي في مجالات معينة، وتحفيزه على الإبداع فيما يحب، بهدف بناء بيئة تعليمية آمنة ومرضية للمجتمع المدرسي والمجتمع الخارجي، مع التعامل مع الفروقات الفردية وعدم اتباع أسلوب تدريسي واحد، بما يتيح للطلاب الفهم بما يتناسب مع مهاراتهم المعرفية ويعزز الثقة بالنفس.
وأوضح الهنائي أن صناع القرار التربوي يواجهون حاليًا فرصة كبيرة لإعادة تشكيل العملية التعليمية بما يتواكب مع "رؤية عمان 2040"، ليكون التعليم أكثر واقعية ومرونة، يستنير به الكادر الإداري في بناء المجتمع المدرسي، والكادر التعليمي في بناء جوهر الطلاب. كما أن المعلم ميسر للعملية التعليمية، لذا يلزم توجيهه وتأهيله بما يتناسب مع التطورات المعاصرة، مع مراعاة الفروق الفردية داخل الصف.
وأكد على أهمية التعليم التشاركي بين الطالب والمعلم، لتمكين الطلبة من فتح حوارات ونقاشات واسعة داخل القاعة الصفية، وطرح التساؤلات التي تسهم في بناء الفكر لديهم. كما يجب أن تكون المناهج قابلة للاستجابة للظروف المتنوعة، وتواكب التكنولوجيا، وتحقق التوازن بين المناهج ومتطلبات سوق العمل، ليتمكن الطالب من معرفة ما سيواجه في المستقبل، والتأهب للانخراط في الحياة المعاصرة بعيدًا عن الأعباء التقليدية.
