عمان الثقافي

نقتبس المعري ولا نقرأه

25 فبراير 2026
25 فبراير 2026

عاصم الشيدي -

في كل مرة أدخل فيها مكتبة أو معرضا لبيع الكتب أراقب الأرفف أو دور النشر التي تبيع كتب التراث، وبشكل خاص التراث الأدبي والتاريخي في محاولة لفهم علاقة الأجيال الجديدة بتلك الكنوز. وغالبا ما أخرج بنتيجة محزنة. من النادر أن أرى أحدا من هذه الأجيال يتوقف عند هذه الأرفف أو دور النشر التي تتشابه أغلفتها غالبا.

قبل أيام وصلتني من صديق شاب رسالة عبر تطبيق «واتسآب» فيها اقتباس منسوب إلى أبي العلاء المعري. في البدء سعدت بالأمر قبل أن أتأكد أن الاقتباس لا علاقة له بأبي العلاء المعري، وأن الرسالة معاد تحويلها عشرات المرات، ولا تكشف عن حضور لأبي العلاء المعري في محادثات الشباب أو في اقتباساتهم اليومية. لكني سألت الشاب العشريني إن كان يعرف حقا أبي العلاء المعري. قال: سمعت عنه. ألم يكن أعمى؟ ثم أضاف في رسالة أخرى منفردة، وكأنه يريد أن يبرئ نفسه من تهمة أكبر: «يعني أنا اقرأ، اقرأ روايات حديثة مترجمة». قرأت توترا كبيرا في عبارة الشاب الأخيرة رغم عدم تأكدي من دقة ما جاء فيها. هو يقر بالقراءة، لكنه يسارع في التأكيد أن قراءاته منحصرة في الروايات، والمترجم منها. لم يكن حينها منطقيا أن أسأله أو أسأل غيره إن كان قد قرأ فعلا «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري أو «ألف ليلة وليلة» أو «البيان والتبيين» للجاحظ أو «الكامل» للمبرد... إلخ كنت سأبدو كمن يسأل عن شيء لا ينتمي لهذا العصر أبدا.

لكن الأمر ليس بسيطا كما قد نعتقد أو أنه مرتبط بانشغال هذا الجيل بقضاياه ونصوصه وفنونه.. ما يحدث أقرب إلى أن يكون أن هذه الأجيال تضع أصول ثقافتها والنصوص التي صنعت لغتها في «متحف» بعيدا تتحدث عنه في لحظات الفخر باعتباره محض ماض، لكنها لا تشعر أو لا تعيش فكرة أنها امتداد لها أو لا تريد هذا الامتداد.

ثمة قطيعة تشكلت مع الزمن بين الأجيال الحديثة ومصادر التراث.. لكن من غير الواضح ما إذا كانت قطيعة موقف في سياق البحث عن شروط الحداثة والمستقبل أم قطيعة تغريب عن الأصول.. وفهم الأسباب من شأنه أن يعيد بناء التصورات ومد الجسور.

لكن ثمة أسباب موضوعية واضحة تتعلق بالطريقة التي حوّلنا بها التراث إلى «مادة». المدرسة ـ في أفضل نواياها ـ تعرف كيف تجعل الأشياء حيّة حين تريد، لكنها في كثير من الأحيان تعامل النص القديم باعتباره مادة للامتحان فقط، ولذلك يبقى النص التراثي مادة نستخرج منها معاني المفردات، والشواهد البلاغية والقواعد النحوية. نخرج من الفصل وقد حفظنا أن الجاحظ من كبار كتّاب النثر، وفي نثره فلسفة عن الموت، وأن امرأ القيس كبير شعراء العصر «الجاهلي»، وأن المقامات فنّ سردي لم يعد متداولا دون أن نعرف ما الذي يجعل الجاحظ مضحكا وما تخفي تلك الضحكة من فلسفة، ولماذا قد يبدو امرؤ القيس ـ إن قرأناه خارج ورقة الامتحان ـ وكأنه يكتب عن خوف آني من الفقد، وعن رغبة تمشي بجانبها مرارة.

ما يفعله هذا النوع من التعليم ـ من حيث لا يقصد ـ أنه يربط التراث بالشعور القديم بالواجب. ويبعد قراءة النص من دائرة المتعة القرائية.. فنربطه بسياق مذاكرة الامتحانات وما يصاحبها من قلق وهاجس الحصول على أعلى الدرجات. وحين يكبر القارئ يصبح فتح «رسالة الغفران» أشبه بفتح باب فصل قديم لم يحبّه يوما.

ثم إن المتون العربية بخلاف كثير من «الكلاسيكيات» العالمية التي تصل إلى القراء اليوم عبر طبعات مدرسية مريحة أو ترجمات معاصرة، لا يزال يُقدَّم في طبعات تتصرف أحيانا كما لو أن مهمة الكتاب هي أن «يصمد» لا أن «يصل» إلى القراء في شكل مغر وجاذب. الكثير من طبعات التراث تُغرق القارئ في هوامش لا تنتهي دون أن تحمل استراتيجية وكأن الكتاب الذي تكثر هوامشه يكون أجود تحقيقا ومراجعة. هذا النوع من التحقيقات يضاعف حجم الكتاب كما أنه ينفر القارئ منه ومما يشبهه إلى غير رجعة. طبعات أخرى تفعل العكس؛ تعطيك النص عاريا تماما دون أي مستوى من مستويات التحقيق، كأن القارئ ينبغي أن يمتلك مفاتيح القرون السابقة قبل أن يحق له الدخول إلى صفحات الكتاب.لكن القطيعة لا تحدث عادة بسبب «صعوبة» النص فقط.. تتشكل القطيعة في العادة بسبب فقدان الدليل أو المرشد لمسار قراءة هذا النوع من الكتب. الأجيال السابقة التي قرأت كتب التراث تتعامل معها كما لو كانت تملك «هيبة» كافية لتعبر بنفسها إلى الجيل الجديد. لكن الهيبة لا تستطيع أن تصنع علاقة، والقراءة ـ في جانبها الإنساني ـ علاقة قبل أن تكون إنجازا. ولأنها علاقة فهي تحتاج وسيطا ذكيا.

المفارقة الكبيرة أن التراث العربي مليء بخصائص قد تجعله جذابا جدا لو قُدّم بطريقة مختلفة. خذ كتاب «ألف ليلة وليلة» من يستطيع أن يترك هذا الكتاب إذا تمكن من قراءة صفحاته الأولى وعاش في أجواء تلك القصص الساحرة. أما الجاحظ فلا يمكن أن نقرأه باعتباره «كاتبا قديما» نستطيع أن ننظر له باعتباره مراقبا ساخرا للحياة الاجتماعية، يكتب كما لو أنه يجلس في سوق كبير ويراقب الناس، ثم يعيد صياغة ما يسمع بطرافة وذكاء. وكتابه «البخلاء» بعيد في عمقه عن فكرة «النكت». هو أقرب إلى كتاب في دراسة الاقتصاد النفسي؛ كيف يبرر الإنسان ما لا يريد الاعتراف به؟ وكيف تتحول القيم إلى حجج؟ وكيف يمكن لشيء بسيط ـ كسرة خبز، دعوة على طعام ـ أن يكشف طبقات كاملة من المجتمع؟

حتى الشعر الجاهلي الذي يبدو للبعض بعيدا وصعب القراءة يحمل شيئا شديد الحداثة.. تلك العلاقة المتشكلة بين الفرد بالعالم حين يكون العالم أكبر من الفرد بكثير. في الحقيقة فإن امرأ القيس لا «يصف الأطلال» كما نقول في الكتب المدرسية.. ذلك الوصف أعمق بكثير من قراءة أطلال بالية، إنه حالة يواجه فيها الشاعر فكرة الانهيار، المكان الذي كان حياة صار أثرا، والذاكرة تتقدم على الجسد. أما عنترة فشعره يكشف عن رجل يصارع صورته الاجتماعية، ويحاول أن يفرض لنفسه مكانا في نظام صلب. وهذه الأفكار تتكرر في إبداعات جديدة اليوم، ما يعني أن الشعر الجاهلي يحمل أصول حداثته، ولكنه يحتاج إلى من يقدمه بشكل صحيح لأجيال اليوم.

إذن لماذا لا يحدث اللقاء؟

يبدو أننا في حاجة ماسة إلى أن نعيد رسم طريقة دعوتنا للأجيال الشابة لقراءة كتب التراث من دعوتنا لهم لقراءتها باعتبارها تشكل هويتهم إلى دعوة لبناء الخبرة والمتعة الراقية. فلا نضع قراءة كتب التراث أساسا لبناء الانتماء أو الأصالة.. هذه الدعوة من شأنها أن تنتج مقاومة صامتة وزيادة في القطيعة. الطريقة الأكثر إنصافًا ـ للنص وللقارئ ـ هي أن نعيد فتح أبواب التراث عبر «مداخل صغيرة» لا عبر بوابة ضخمة. لذلك تحتاج كتب التراث إلى محررين بالمعنى الثقافي من ينتقي المقاطع التي تكشف روح الكتاب، لا أصعب صفحاته؛ من يكتب مقدمات قصيرة تضع القارئ في المزاج الصحيح؛ من يصنع طبعات تُحسن استخدام الهوامش، وإلى من يختار أغلفة تشد القارئ للكتاب لا تنفره منه.

أيضا نحتاج أن نحول الكتب التراثية إلى كتب مسموعة تستطيع أن تكشف سحر النص وقوة إيقاعه. وهذه دعوة لمنصة عين بوزارة الإعلام لتختار كتابا من كتب التراث، «البخلاء» على سبيل المثال وتقدمه تجربة لتكتشف قدرة الأجيال الجديدة على سماعه.

الخطر في القطيعة التي تتشكل مع التراث ليس في أن الشباب «لا يعرفون الماضي»؛ الخطر أن اللغة تفقد إحدى طبقاتها العميقة، وأن الخيال الجمعي يصبح أقل تنوعا. حين يختفي الجاحظ والمعري والهمذاني من الحياة اليومية نخسر الكثير من الرؤى وطرق النظر، ونخسر السخرية كأداة تفكير، والبلاغة كأداة تنظيم معنى، والشعر كطريقة في إدراك العالم قبل أن يكون «نصا».

لا ألوم كثيرا صديقي الشاب الذي لم يقتبس المعري، ولا يبدو أنه قرأه، ولكن أسأل الأجيال التي سبقته عن الجسور التي كسرتها، ثم تقول: إن الشاب يعيش قطيعة مع ماضيه؛ لأنه لم يقرأ «رسالة الغفران».

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان