التشكيلُ الشعري من ضيق العبارة إلى سعة الصورة
29 أبريل 2026
29 أبريل 2026
جاسم جميل الطارشي -
في مجموعته الشعرية « كاميرا» الصادرة عن دار مسعى للنشر والتوزيع سنة 2015، يستثمر الشاعر العماني زاهران القاسمي، وعبر مئة وخمسة وأربعين نصا مكثّفا، تقنيات التصوير الفوتوغرافي والسينمائي في تشكيل خطاب شعري جديد، يستنطق من خلالها جماليات الصورة من جهة، ويعبر بها عن هواجسه ورؤاه الخاصة تجاه العالم والوجود من جهة أخرى؛ إذ يتلصص الشاعر عبر عين لغته ليعيد تمثيل الواقع وفق رؤيته الفنية الخاصة التي مثّلها هذا النص:
« ما أوسعَ الصورةَ
ما أضيقَ المكان!»
عبر هذه الشذرة الشعرية يعلن الشاعر انحيازه إلى سعة الصورة بعيدا عن محدودية المكان، وكأّننا إزاء «ميتا شعري» خاص يقطع مع ما قرّ من قانون حداثي في تشكيل اللغة الشعرية، بعدما كرّسه بعض نقاد وشعراء الحداثة الشعرية عبر مقولة عبد الجبّار النفري الشهيرة:» إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة» التي انقلبت إلى كليشيهة جاهزة ربما أسهمت في اجترار الأصوات الشابة لشعرية من سبقوهم وحبست رؤاهم في قالب شعري جاهز ومنمّط، وظلّّلت بليل غموضها درب المتلقي إلى المعنى.
يقدّم لنا زهران القاسمي في هذه المجموعة رؤيته الفنية الخاصة وخياره الشعري الذي ينتصر إلى جماليات المشهدي بعيدا عن الذهني المجرّد، إلى سعة الصورة لا إلى ضيق اللغة وكثافتها المجازية؛ فاللغة إذ تشير إلى عالمها الخاص عبر «مجاز الكاميرا» لا تنس أن تعبّر عن رؤى وهواجس صاحبها لتجسّدها في تشكيلات شعرية مشهدية وصور مرئية بصرية وسينمائية تنبض بالحيوية والحركة.
يُقيم الشاعر نصوص مجموعته على موضوعة « الكاميرا» مجسّدا أوضاعها المختلفة وزوايا نظر مقاربتها للواقع، بل أحوال مستخدميها ومشاعر ومصائر من تترصدهم بعدستها الفاحصة؛ فتتولد من هذا التجسيد عدد من الصور الشعرية البصرية التي من شأنها أن تجدّد لغة الشعر وتحررها من إسار البلاغة الضيق واستعاراتها ومجازاتها المنمّطة؛ فلم تعد الصورة الضوئية، حسب سعيد بنكراد، في كتابه (التأويل وتجربة المعنى، المركز الثقافي للكتاب2023)،»تكتفي بنسخ الواقع إنّها تشقّ المرئي، وتُقلق النظرة وتسائل الوعي الساذج وتشكّك في الحقيقة المباشرة للإدراك.» ولعلّ هذه الوظيفة الجمالية التي باتت تضطلع بها الصورة الضوئية نجدها مجسدة في هذا النص:
« أمدّ يدي أمام الكاميرا
تقترب العدسة حيث التغضنات
أصابعي عروق رمل
أرى قافلة بدو مهاجرة
أرى أشجار غاف وسدر
تقترب العدسة أكثر
كلّ شي يبدو الآن
وكأنّه خارج اليد»
ولم يقتصر الشاعر على استثمار طاقات الكاميرا الشعرية في تمثيل الواقع، بل جعل منها مجازا و»معادلا موضوعيا» لطبيعة الإبداع الشعري ذاته وما ينطوي عليه من إعادة بناء الواقع وتشكيله في صورة جديدة تخالف ما هو مألوف وتظهره في شكل مفارق لطبيعته الحقيقية على نحو ما نجد في قوله:
« تخدعنا الكاميرا
تظهر لنا الصورة عكس ما تكون
تخدعنا الكاميرا
ندرك أنها تفعل ذلك
ونصدّقها»
والمعنى ذاته يحققه هذا النص أيضا:
« تقول الكاميرا
كل الأشياء التي أراها في حقيقتها
مقلوبة»
وطبيعة الإبداع في رؤية ما لا يُرى وكشف ما هو مجهول، عبّر عنه الشاعر في هذا النص:
« أراك الآن
أرى وجهك ونواياك
تخاطب الكاميرا المجهول»
وليست طبيعة الإبداع الفني هو ما عمد الشاعر إلى تمثيلها عبر» مجاز الكاميرا» بل حتى وظائفه في تجميل الواقع وتسليط الضوء على ما هو متصل بالحركة والحيوية، كما نجد في هذا النص:
« قطرة ماء وحيدة
في عين الكاميرا
غطّت على مشهد الصحراء»
لتصبح الصورة جسرا تتحقق عبره أحلام الذات الشاعرة في تشكيل واقع أجمل ومصائر أفضل للوجود وكائناته كما جسَّدها هذا النص:
« لفراشة ملوّنة
مكسورة الجناح
تهب الكاميرا
قوس قزح وحقل أنهار»
وعبر ما تتيحه الصورة الفوتوغرافية من تشكيلات ضوئية ولونية، نجح الشاعر في تمثيل بعض القضايا الوجودية الكبرى في صور مشهديّة مشرقة كفيلة بتوسيع إدراك المتلقي وتعميق نظرته لطبيعة الأشياء وحقائقها عبر تجسيدها في تجربة إنسانية حيّة؛ كتمثيل تجربة مفارقة الوجود والعدم والمسافة القصيرة بينهما على نحو ما نجد في هذا النص:
« قطرة ماء تسقط
تأخذها الكاميرا على حين غفلة
أرى مرحها
رقصها
واندثارها»
فلحظات الوجود الإنساني هشة محكومة بأمد زمني قصير من شأنه أن يُبدّد وهجها، كما جسّده الشاعر في هذا النص الذي التقط من خلاله صورة خلابة لخلاصة الوجع الإنساني، ومفارقة وجوده « وهم الحياة ولمعتها» مقترحا لهذه المعضلة الإنسانية العزيزة على الوجدان الأدبي قديمه وحديثة، تشكيلا شعريا غاية في الطرافة والجدّة، استلهمه ممّا يُمكن أن ترصده كاميرا التصوير عندما قال:
« أنا وهم هذه الحياة
ولمعتها
يقول قوس قزح للغيمة الباكية في الأفق»
وإذا كانت الصورة السينمائية تنهض على مقومات تشكيلية وتعبيرية تفرضها تقنيات الإخراج السينمائي من: زوايا تصوير، وحركة كاميرا، وإضاءة، ومونتاج، فإنّها كفيلة، وفقا لهذه التقنيات بتحويل ضيق المكان المحكوم بمكونات التصوير المادية إلى سعةٍ شعورية وزمن نفسي يلقي بظلاله الممتدة على المتلقي، بعد تضخيمه وتكبيره بعدسة الكاميرا التي تجعل منه زمكانا مطلقا تتسع حدوده لمشاعر ورؤى الذاتين: المنتجة والمتلقية معا.
ولعلّ هذا يتجسد في بعض نصوص هذه المجموعة عبر حضور الكاميرا أو ما يشير إليها ويومئ إلى أحد تمثيلاتها وقد تقمّص الشاعر (القارئ) دور المصور الفوتوغرافي أو المخرج السينمائي في رصد المشهد الشعري وتشكيل تفاصيله كما نجد في هذا النص:
«هات تعبك كله
افتح كاميرتك على غصن هذه الشجرة اليانعة
هناك في الظل
تحت ورقة يحتلها الاصفرار
رويداً رويداً
هناك مخلوق ساكن وبطيء
يقطع ذلك الدرب الصاعد بلا تعب»
يتجلّى في هذا النص إشراك الذات الشاعرة القارئ في لعبة الكتابة وتكوين الدلالة محرّرا إياه من جهد «التأويل المضاعف» حسب عبارة أمبرتو إيكو الشهيرة الذي طالما ران على مخيلته وهو يروم صنع معناه الخاص وعيش تجربته الجمالية، بعد التفاعل مع النص الشعري، وذلك عبر فعلي الأمر» هات تعبك كلّه، افتح كامرتك» حتى يستوطن المشهد مخيلته بتأثير تقنيات التصوير السينمائي التي وظفّها الشاعر في هذا النص من خلال اللقطات التصويرية التي اعتنت بتسليط الضوء على زاوية تصوير ضيقة (غصن هذه الشجرة اليانعة) وإبرازها للمتلقي حتى تكون نقطة مركزية في السيناريو السينمائي لتسكن بدورها قلب القارئ مستعينا في ذلك كلّه بحركة الكاميرا التي تتبع حركة الكائن الصغير وهو يقطع الدرب رويدا رويدا ، مبرزة دوره البطولي، فضلا عن توظيف تقنية الإضاءة، عبر تفاعل الظل مع إصفرار لون الأوراق بعد أن اتحد بها واحتلّها؛ كاشفا بذلك عن دور التصوير السينمائي في تحويل ما هو خفي متناه في الصغر إلى تجربة معنى كبيرة، تتسع مع تجدد لحظات الرصد والتأمل؛ لتشكّل تجل لتجربة وجودية كبرى كتجربة صراع الكائن مع الزمن الذي قد تؤمئ إليه الورقة التي يحتلها الاصفرار، الذي يحيل بدوره إلي دلالات تتصل بخريف العمر ومجاهدة الكائن من أجل للحياة، رغم ثقل الزمن الذي يعيشه؛ مجسدا بذلك كله مفارقات الوجود وقضاياه العميقة في مشاهد تصورية نابضة بالحيوية والحركة.
تحرّرت اللغة الشعرية بفضل توظيف تقنيات التصوير السينمائي في النص السابق من ضيق اللغة ودوائر غموض المعنى وتعميته، وتحرر معها القارئ من دروب الضياع والتيه؛ إذ يسعى المتلقي، حسب محمد صابر عبيد في كتابه» بلاغة التجربة الشعرية، فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان2020» إلى متابعة عدسة الكاميرا الشعرية وهي تلاحق الحدث الشعري وتصوّره في مراحل تكوينه كلها، فتكتسب اللغة الشعرية قدرة مضافة على تصوير الحدث الشعري في حراكه الدائم والمستمر داخل القصيدة، فتتجاوز دورها الإبلاغي المعروف في تراثنا الشعري والقائم على السماع والإصغاء والتأمل إلى الدور الفرجوي المشاهد، حين يُحرّض النصُ القارئ على تشكيل الصورة الشعرية بصرياً والتعامل مع النص بوصفه شاشة عرض المصوّرات شعرية أكثر منه رسالة لغوية تعبيرية لتوصيل الفكرة»
ويبقى أن نشير في خاتمة هذه القراءة إلى أن توظيف ما هو «غير لساني» في هذه المجموعة الشعرية» عبر استثمار تقنيات التصوير الضوئي والسينمائي وكل ما يتصل بها من إضاءة وإيقاع وألوان، بل حتى أدوات ومعدات، كفيل بأن يحرّر التجربة الشعرية من ضيق اللغة بمعطياتها اللسانية المحدودة التي طالما جأر الشعراء بالشكوى من إخفاقها في تمثيل تجاربهم، لتتفاعل وتتآزر مع معطيات التصوير غير اللسانية في رفد تجربة الشاعر بتمثيلات بصرية من شأنها أن توسع إمكانات تشكيله الشعري وتضخ دماءه بتصويرات مشهدية، وإيقاعات سمعية وحركية تُسْهِم قوة التمثيل الفني في تجسيدها ليعيشها المتلقي تجربة حيّة؛ فتتحرّر معها لغة الخطاب الشعري من ضيق العبارة لتعانق سعة الصورة.
