No Image
عمان الثقافي

مقـــــتل عبيــــــــد

29 أبريل 2026
29 أبريل 2026

أمل المغيزوية -

حين وُجِد عبيد مقتولا في منزله بطعنة سكين، انتشر الخبر في القرية الصغيرة كالنار في الهشيم، وتناقلت الألسن سؤالا كبيرا وجوهريا: مَن قتل عبيد؟!

لم يركز الناس حينها في السؤال الآخر المرتبط بكل جريمة لماذا قُتِل عبيد؟ لأن عبيد كان يملك من المثالب المتعددة ما يستدعي أن يتم التخلص منه منذ وقت طويل.

صفحات حياته ملوثة بالكثير من الضحايا والدعوات التي تعلو من صميم القلب حاملة عبارات مثل: حسبي الله ونعم الوكيل، الله يمهل ولا يهمل، ربي أرنا فيه عجائب قدرتك...

عبيد صاحب القامة القصيرة والأموال الكثيرة عاث في الأرض فسادًا، عذّب زوجاته وأطفاله، وسيطر عليه البخل والطمع حين حرمهم من الدنيا بكل ما فيها، وجعل يده مغلولة إلى عنقه.

كان أهل قريته يتعجبون حين يشاهدون بيته الصغير الآيل للسقوط، وأطفاله الذين عجنتهم الحياة بكل قسوة، عيونهم التي تحدق في الطعام، ولعابهم الذي يسيل حين يشاهدون الصحون التي تطوف بين بيوت الجيران.

يتذكر أهل القرية عصاه التي يحملها ليزداد هيبة في عيون أطفاله، بينما يرتسم على وجهه كل غضب وجبروت الدنيا.

لم يره أحد مبتسما في حياته، الصراخ الذي ينبعث من بيته بشكل شبه يومي، ولّد في نفوس أهل قريته النفور منه، فحرصوا على اعتزاله، ولم يشاركوه ولم يشاركهم أفراحهم وأتراحهم.

يجلس معظم وقته أمام عتبة البيت يحدق في الذاهبين والعائدين، ورث الكثير من البيوت والمزارع والدكاكين، باعها كلها ليحتفظ بها في هيئة أوراق مالية.

وبعد أن ازدادت الأموال التي يمتلكها طرد ابنه الأكبر من البيت بعد مشادة كلامية وصل صدها إلى آخر القرية.

وبعدها بشهر طلّق زوجته الأولى وطردها من البيت في ليلة شديدة البرودة، بينما كانت دعواتها المتكررة تشق عنان السماء، تلك الدعوات التي دفعت جيرانها لفتح النوافذ ومتابعة سيرها المضطرب والاستماع لصوتها المتهدج.

انعزل جيرانه عنه منذ أمد طويل فرارا من المشاكل التي قد تطالهم، لا سيما بعد أن أدخل جاره خليفة إلى الادعاء العام إثر مشادة كلامية نشبت بسبب الأطفال، واتهمه بالتلفظ عليه بألفاظ نابية تمس كرامته ورجولته.

ما زالت غنية تذكر ذلك اليوم حين وجدته يتربص بقطة شمت رائحة السمك الذي أخرجته زوجته ووضعته تحت الحنفية، حمل قطعة خشب ضخمة، وغافل القطة التي خرجت وهي تحمل قطعة سمك في فمها، ضربها على رأسها مباشرة، تحلف غنية بأن القطة لم تصدر أي صوت، بينما طارت قطعة السمك لتتلوث بالتراب المحيط بها، وجحظت عيناها وهمدت حركتها للأبد.

تبكي غنية وتقول لجاراتها: «نعم إنّه الضربة وصل صداها لقلبي، وما أظن بنسى صورتها لحد ما أموت».

وتؤكد جارتها سليمة كلامها حين تردد: «نعم إنّه الرحمة منزوعة من قلب هالرجّال».

بعد أن انتشر خبر مقتل عبيد في الحارة، وقف طالب ليصف لرجال الحارة حجم الجرح الغائر في صدر عبيد إثر طعنة غادرة، كما أكد في كلامه على جحوظ عينيه، وتصلّب جسمه، وبقعة الدم الكبيرة التي شكّلت بركة كبيرة سالت حتى منتصف الغرفة.

بينما قال صالح بصريح العبارة بأن ثقلًا وهمًا كبيرًا انزاح عن صدورهم وصدر القرية بعد رحيل عبيد، ورغم سيارات الشرطة الكثيرة وسيارة مسرح الجريمة التي ظلت أيامًا عند بيته، غير أن رحيله شكّل انفراجَ هم وزوالَ ضيق جثم على صدر القرية لمدة ليست بالقصيرة.

حُمِل عبيد في جنازة متواضعة حضرها عدد محدود من أهل الخير، بينما نُقل ابنه الأكبر في سيارة الشرطة بعد أن اعترف بقتله لأبيه.

لم يشعر أهل القرية بأي حزن، بل لعل موجة الارتياح التي تحدّث عنها صالح استطالت لتمتد إلى جميع أفئدة أهالي القرية، بل إن بعضهم تمادى في مشاعره وأحس بأن ابن عبيد هو بطل أكثر من كونه قاتلا لا سيما بعد أن ردّد مبارك بأن الجنازة كانت ثقيلة بشكل كبير، وكأنه كان يحمل أطنانًا من الحجارة، كما أن الحفّار اضطر لتوسيع القبر عدة مرات حتى يصبح مناسبًا لجسد عبيد الثقيل.

ظلت القرية تمضغ سيرة عبيد لعدة أشهر متتالية، وبعدها صارت سيرته باهتة لا يذكرونها إلا لمامًا لا سيما حين يمرون بجانب بيته المتهالك، ويلفهم صمت طويل، وينتابهم شعور ثقيل بعدم الراحة، حينها يسرعون الخطى بعيدًا.

أمل المغيزوي قاصة عمانية