مسؤولية الناقد.. عن الفن والصدق وتأمل الذات
29 أبريل 2026
29 أبريل 2026
آمي سوزا رايلي / ترجمة - أحمد شافعي
في عيد ميلادي، قرأت مقالة لكاتبة أعربت فيها عن خيبة أملها في كاتبة أخرى لأن كتابها لم يتناول الإبادة الجماعية الجارية في غزة تناولا صريحا. برغم أن أحداث الكتاب المعنيّ تجري في حيٍّ محدَّد من أحياء نيويورك، وفي عام 2014، وبرغم أنه لا يتناول أزمة فلسطين تحديدا، وإنما يتناول إلى حد كبير العنف بشتى أساليبه وبارتباطه التاريخي الوثيق بالكولونيالية. وتزعم كاتبة المقال أيضا أن مؤلفة الكتاب تعترف بدورها في الكولونيالية وبأعمال العنف القائمة على التفوق الأبيض، لكنه اعتراف مسبوق في كتب أخرى، وينطوي في رأيها على قصر نظر. ورأت كاتبة المقال أن في الكتاب تفريطا وإفراطا في آن واحد.
اعترفت كاتبة المقال برغبتها في الكتابة بنفسها عن غزة، وبأنها كانت ترجو أن تجد في الكتاب ما يحفزها على ذلك، فجاء مقالها أبعد عن التحليل وأقرب إلى التطبيق العام لرغبتها، وكأن مقالها مكتوب إلى العمل لا عنه. وعهدي بنفسي إن قرأت مقالا كهذا ألا أكترث كثيرا بموقفه العائم، لكن هذا المقال بالذات وقف في حلقي.
لأن الكتاب الذي تناوله المقال هو كتابي.
قرأت أغلب المقال وأنا واقفة في الصف منتظرة مصعد متحف متروبوليتان للفنون لأصعد إلى الطابق الخامس الذي كان يوشك يغلق أبوابه أمام الجمهور لنحو خمس سنين تالية. وكانت تلك الرحلة النهارية هدية لي من زوجي (اسمه مات) بمناسبة عيد ميلادي. فهو يعرف أن الفن يذكِّرني بالجوانب الطيبة في الإنسانية، ويعرف أنني أحب أن يحيط بي الفن ومن يتكلمون عن الفن، وأن المتحف بالنسبة لي تجربة حسية اجتماعية. (وهو أيضا في الغالب موضع يمتلئ بأعمال فنية تجمعت عبر استعمال العنف الكولونيالي).
انحشرنا في المصعد مع ما لا يقل عن عشرين شخصا آخر. ولما انفتح الباب في الأعلى هبَّ علينا هواء ساخن جاف. التقطت بعض الصور للأفق، وأنا لا أكاد أنظر إلى شاشتي، بعد أن شتَّتت المقالة تركيزي. درت أنا و(مات) مع محيط السطح في صمت، ثم رجعنا إلى الداخل. نزلنا على الدرج، وخرجنا عند قاعة رودان، وانعطفنا يسارا إلى قاعة الانطباعيين. كانت الغرف القليلة الأولى مزدحمة، لكن مع تقدمنا، مبتعدين عن مونيه وفان جوخ، أخذ الجو يزداد هدوءا.
أطلت الوقوف أمام لوحة (جبل سانت فيكتوار وجسر وادي نهر آرك) لسيزان. أطلت الوقوف إلى أن أصبحت ثابتة بالنسبة لمن يغمغمون من حولي. تقدَّم شخص أمامي ليلتقط صورة، ثم سارع يتحرك. وتجمَّعت ورائي مجموعة صغيرة، يلعبون لعبة، أو يقومون بجولة، فكانت أصواتهم خليطا من المعلومات والتفسيرات.
في صغري كنت أتلقى دروسا في الفن تقام في خلفية محل براويز، أسفل أستوديو رقص، وحتى في ذلك الحين كنت أعرف أن أبويّ لا يملكان من المال ما يكفي لدروس إضافية، وأن تلك الدروس تضحية، فلا بد أنهما كانا يظنان فعلا أنني موهوبة. وكانت الفنانة التي تعلمني صبورة، علمتني أول ما علمتني كيف أستعمل الفحم، ثم ألوان الباستيل. وعلمتني الفراغ السلبي والمنظور، والضوء والظل، وكان الطلبة عندها يختارون ما يرسمونه من علبة بطاقات فيها صور مأخوذة من مجلات وتقويمات حائط.
حينما كنت في الثانية عشرة، درست لوحة (حديقة الفنان في فيتوي) لمونيه وأنا أرتدي قميصا طبعت عليه (لوحة الفنان في جيفرني [لمونيه]. ثم نسخت لوحات لكاسات ثم رينوار، وكانت لمساتي الطباشيرية تبحث عن تحقيق النعومة على الورق. أحببت تلك اللوحات، وأولئك الرسامين. إلى أن حدث وأنا في الكلية أن جاء شاب كنت معجبة به، وهو عازف بيانو حليق الرأس يرتدي نظارات أوكلي الشمسية، فسخر من مستنسخات مونيه المعلقة في غرفتي وقال إنني أفتقر إلى الذوق وإن هذه النسخ لا تعدو فنا ملائما لتقويم الحائط.
في مقالة أخرى منشورة في عيد ميلادي، يقول الناقد السينمائي الأمريكي ريتشارد برودي إن «المقال النقدي إذا كتبه ناقد مسئول فهو بطبيعته مقال استبطاني، فيه تأمل للذات، فهو يبحث فيها عن وجود عامل غير ملحوظ أو غير مدروس يؤثر على تجربة الناقد مع العمل الذي يتناوله أو يشوه هذه التجربة». لا يزال قول زميلي الجامعي حيًّا في رأسي. (ذلك الشاب الذي اقتحم بي في وقت متأخر للغاية من إحدى الليالي قاعة فنون جامعية ليعزف لي على البيانو، فظللت مأخوذة بذلك طوال نهار كامل إلى أن التقيت بشابتين أخريين قالتا لي إنهما حصلتا على مثل ذلك الموعد الغرامي نفسه). فكرت في كلامه وأنا واقفة أمام لوحة سيزان. وأفكر فيه الآن وأنا مستمرة في محاولة فهم ما قالته كاتبة المقال عن كتابي، وبينما لا أزال أفكر في العلاقة بين المقالة الشخصية والنقد، ومسؤولية الكاتب تجاه الفن الذي يكتب عنه والقارئ الذي يكتب له.
شأن تعليق الشاب ذي النظارة الأوكلي عن مونيه، جاء كلام الكاتبة عن كتابي منطلقا من عدم تأمل للذات. فالرأي الذي رماه الشاب عن العلاقة بين الانتشار والقيمة، وافتراضه أن ما يعاد استنساخه وتسليعه ورسملته وتوجيهه للجمهور العام أقل قيمة أو جدارة بالدرس من الفن الأقل ذيوعا أو سهولة إلا على الفنانين ومديري القاعات والمؤرخين. وبالمثل، كانت أقوال كاتبة المقال إسقاطات لرغباتها الشخصية على كتابي.
وأفكر الآن في بيل هوكس التي تعلمنا «الاشتباك في عملية نقدية تنظيرية تمنحنا القوة والتمكين»، ولا أعتقد أن الكتابة بهدف التمكين تعني أن الكاتب ملتزم باللطف، لكن أعمال هوكس تجعلني أفكر في أن الأمر يتعلق بالعناية. فكل من يكتب ليطرح مزاعم حول الفن، بغض النظر عن حسبانه نفسه ناقدا من عدمه، يؤثر على تلقي الجمهور للفن الذي يكتب عنه، فيمنح القراء القدرة أو يمكنهم من إقامة روابطهم الخاصة. لكن قبل أن يتسنى حدوث ذلك كله، لا بد أن ينظر الكاتب في نفسه ليحدد مدى تأثير تصوراته هو على أفكاره. فضلا عن أنه حينما يخلط الكاتب بين الذاتي والنقدي، فإن تأمله الذاتي يزداد أهمية حتى بالمقارنة مع ما يكتبه من النقد.
لقد كانت المعلمة التي درست لي الرسم في طفولتي تطلب مني أن أبتعد عن الحامل لأعيد النظر إلى عملي قبل أن أمضي عنه لأغسل يدي وأحزم أدواتي. ولا أتذكر بدقة ما قالته، وإن يكن بوسعي أن أتذكر بوضوح انحناءها لتنظر إلى العمل من مثل زاويتي. قالت شيئا من قبيل «هل ما ترسمينه تمثيل دقيق لما هو موجود؟». لم تكن تسأل إن كان عملي مطابقا للنموذج الذي أرسمه، بل إن كان ما أرسمه معبرا بصدق عما أريد أن أعرضه. لم تكن تحاول أن تدفعني إلى طريقتها في الرسم (وهي الواقعية، والإكثار من رسم الخيول ورعاة البقر)، لكنها كانت تعلمني. والمعلم والناقد والكاتب، في ظني، مسؤولون مثل هذه المسؤولية.
كان سيزان من رسامي ما بعد الانطباعية وتظهر أعماله الأولى مفهرسة مع الرومنتيكيين، لكن أعماله المتأخرة ساعدت في المضي بنا إلى التكعيبية. ففي لوحة (جبل سانت فيكتوار وجسر وادي نهر آرك) تبرز قمم الأشجار الطوال في المقدمة. وفي الزاوية اليسرى السفلية ثمة حشد من الأشجار النحيلة إذ تسطع الشمس على لحائها ذي اللون الفاتح. وفي المنتصف شجرة واحدة تقطع اللوحة إلى نصفين تقريبا. ومن وراء شجرة المنتصف، أُخليتْ الأرض (في عمل يهدف إلى التقدم أم يعبر عن العنف؟)، وتمضي مربعات من الأخضر والبني رجوعا إلى الجبال الغارقة في لون الخزامى.
في كثير من أعمال سيزان لعبٌ بالمنظور، ويبدو شطر هذه اللوحة نسخة مكبرة من تقسيم الخلفية. وقد حدث مرة في درس آخر من دروس الرسم أن رسمت هذه اللوحة معتمدة على صورة في كتاب. وها أنا الآن أراها للمرة الأولى رأي العين، وأرى أن سور منزل ريفي مختبئ في المقدمة بلونه الأصفر قد غاب عني تماما وأنا أحاول استنساخها. فمن القرب، ودونما مرشحات، تغير التلقي تماما.
وفيما كنت واقفة أمام سيزان، أدركت أن كاتبة المقالة محقة. فأنا لم أكتب مستهدفة بالتحديد أن أعرب عن دعمي لفلسطين، أو لأدين إسرائيل أو الولايات المتحدة بسبب دعمها لإسرائيل. ولا كتبت (وهي أيضا بالمناسبة لم تكتب) عن السودان أو عن أوكرانيا. وأدركت أن ما زادني انزعاجا هو زعم آخر أبسط وارد في موضع متأخر في مقالتها، حيث ترمي بكلام عن نوعية مائدة الطعام التي أمتلكها. فتكتب أن «... ذلك يبدو وكأنه محاولة للاحتفاظ بالكعكة وأكلها في آن واحد على مائدة طعام في منزلها الكولونيالي أشبه بموائد طائفة الهزازين (Shakers)». ولست أشير في كتابي كله إلى مائدة طعام، ولو كنت ذاكرة مائدة لذكرت الخرقاء المهزوزة التي نمتلكها فعلا، والتي عثرت أمي عليها من خلال سوق فيسبوك ولا تزال عليها آثار أعمال منزلية ومشاريع فنية قديمة.
هذه تفصيلة بسيطة، لكن سوء تمثيلها يسقط عليّ ثروة لا أمتلكها، وعليه، فمن خلال كلماتها، أصبح شخصا لست إياه. ولقد كان بعض أقوالها الأولى صحيحا، لكنها لم تتحرَّ الصدق، لا بشأن مائدتي، ولا بشأن كتابي الذي يحتوي إدانتي للقوى الإمبريالية الممارسة للعنف في كل صفحة منه تقريبا، من خلال البحث والقصة التي حاولت أن أحكيها عن جيراني، وهما رجلان أبيضان كانا يهدّدان عائلتي ويتعقبانها ويرهبانها في محاولة لإخراجنا من بيتنا. بيتنا المقام طبعا على أرض مسروقة.
ربما كان يمكن أن أقف أمام تلك اللوحة راثية لحالي لما بقي من يومي، لكن تعالَى رنين هاتفي. وكان الاتصال من ابننا، فرددت. بدا صوته بعيدا. قال إنه يشعر بأنه مريض وإنه بحاجة إلى أن نذهب إليه لنصطحبه. وفجأة، لم يبد أي شيء آخر ذا شأن. تركت المتحف بأسرع ما استطعت. نزلنا الدرج جريا، ومضينا نناور الباعة والكلاب والناس، مسرعين إلى ابننا الذي كان مع صديقته وأبويها في مطعم بوسط المدينة. وصلنا إليه بسرعة، وساعدناه في لملمة أشيائه، وشكرنا الفتاة وأسرتها ومضينا إلى محطة القطار، ثم أخيرا إلى البيت. وبعد أيام قليلة تحسنت حالته. في كل مسودة لهذه المقالة كان هذا الجزء أصعب أجزائها كتابة. فهو في آن واحد الجزء الأهم في اليوم، وهو أيضا الأبعد عن السؤال الذي أحاول الإجابة عليه.
أكان يجدر بي أن أحذفه، بهذه التفاصيل المتعلقة بالأمومة، وبتسارع خفقان قلبي؟ لكنني لما حذفته بدا ذلك خطأ. ظللت لشهور أكتبه ثم أمحوه. ثم أرجعه. وأخيرا تركته. وكانت هذه العملية، وهذا القرار، هما السبب في أنني أخيرا فهمت. فمسؤولية الناقد، وكاتب المقال، وأي كاتب يكتب عن الفن، لا تختلف عن مسؤولية الفنان، أو المعلم، أو الأم، كلهم مسؤولون عن الصدق في تأمل أنفسهم، لأن الصدق وإن لم ينسجم تمام الانسجام مع سرديتنا التي نرغب فيها، فإنه برغم ذلك يجد إليها منفذا.
آمي سوزا رايلي فنانة بصرية أمريكية وكاتبة تكتب في أنواع أدبية عديدة.
نشر المقال في موقع (ليت هب)
في 24 يوليو 2025 نشرت الكاتبة إميلي فان داين مقالا بعنوان (عن غزة، وآسيا ويفيل، والعثور على «تصريح بالسرد» في زمن الإبادة الجماعية) تناولت في مقالها هذا أعمالا لجيمي هود وزادي سميث وإدوارد سعيد، وكذلك آمي سوزا رايلي في كتابها (Human/Animal: a bestiary in essays)
