No Image
عمان الثقافي

مذكرات أنتوني هوبكنز على طريقة بيكيت

24 ديسمبر 2025
24 ديسمبر 2025

أنتوني لين / ترجمة: محمد قنور -

من بين هيرودس الأول وهتشكوك وهتلر ونيكسون وبيكاسو، اختر أي شخصية تاريخية تغلب عليها العاطفة، وستجد على الأرجح أن الممثل الويلزي القدير أنتوني هوبكنز قد جسّدها. وتضم القائمة أيضا ديكنز ودانتون وفرويد وإسحاق رابين وجون كوينسي آدامز والبابا بندكت السادس عشر والقديس بولس والكاتب سي. أس. لويس، وحتى الرجل الذي اخترع رقائق الذرة، رغم الجدل الدائر حوله. في العام الماضي، وفي سن السادسة والثمانين، ظهر هوبكنز بدور الإمبراطور الروماني فِسْبَسِيَانُوس على شاشة التلفزيون في مسلسل «أولئك الذين على وشك الموت»؛ حيث تمحور أداؤه حول الاستهزاء بعنوان المسلسل. موضوع شبيه بتجسيده لشخصية رجل مصاب بالخرف المتقدم في فيلم «الأب» 2020، الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل عن جدارة، الدور الذي ترك تأثيرا كبيرا على شخصية هوبكنز؛ حيث علامات الشيخوخة واضحة؛ وحيث صارت شيخوخة الإنسان مع هوبكنز في تمثيله أشبه بلهيبٍ مضطرم.

أولئك الذين يرغبون في تتبّع هذا التألق في الإبداع إلى مصدره، بات لديهم الآن خريطة ترشدهم. «لقد قمنا ما بوسعنا يا فتى» (دار ساميت للنشر) هي مذكرات كتبها هوبكنز، بدون أي إشارة؛ فأبدا لك يحكِ عن كتابته لمذكراته إلى أن ظهرت فجأة للعلن وبدون مؤلف مُشارك. صحيح أنه يخبرنا «حياتي كتبها شخص آخر.. لا أنا»، لكن هذا ليس اعترافًا مهنيًا. إنه يشير، إلى لغز وجوده الذي يستحوذ على كينونته، ويتساءل عما إذا كان شيئًا قد أصابه فجأة، كحادث أو فوز باليانصيب، بدلًا من سلسلة أحداث حرّكها بوعي. يكتب هوبكنز: «أنظر إلى حياتي وأتذكر ذلك الصبي الصغير التّعيس، وأفكر: كيف حدث كل هذا؟». قد يجد العديد من القراء، وهم يتأملون ماضيهم، أنفسهم يطرحون السؤال نفسه.

وُلد الصبي الصغير، الذي لا يملُّ هوبكنز الكبير من التذكير ببؤسه، قائلا: «كان أطفال الحي يسخرون منه بلقب (رأس الفيل)»، ليلة رأس السنة عام 1937 في منطقة «مارغام»، إحدى ضواحي بلدة بورت تالبوت في جنوب ويلز. كانت بورت تالبوت ولا تزال منطقة صناعيةً تعتمد على صناعة الصلب، بينما كانت عائلة هوبكنز تعمل في مجال الخبازين. ولا يزال هناك كأس فضي يحمل نقش الجد «آرثر ريتشارد هوبكنز 1924، وهو الجائزة الأولى للكعكة الحلوى المخبوزة» بحوزة حفيد آرثر، أنتوني، إلى جانب جائزتي الأوسكار المطليتين بالذهب اللّتين فاز بهما عن فيلم «الأب» سنة 2020، والأولى عام 1992، عن أدائه دور هانيبال ليكتر في فيلم «صمت الحملان». يحبُّ المشاهد الجمع بين ليكتر الصعب إرضاؤه، الذي لعبهُ هوبكنز لاحقًا، في فيلمي الرعب النفسي الآخرين «هانيبال» 2001 و«التنين الأحمر» 2002، والخباز.. فكلاهما جدير بالثناء.. ومثل الخبز مثل اللحم البشري.

لا يبدأ الفصل الأول من كتاب «لقد قمنا ما بوسعنا يا فتى!» من بداية حياة هوبكنز، بل من المدرسة الداخلية التي أُرسلَ إليها في الحادية عشرة من عمره. ومثل العديد من الممثلين، أظهر واعتمد على موهبة في اللهو والمرح، مُسليًا رفاقه بتقليد شخصيات متنوعة، مثل الممثل «بيلا لوغوسي» والشخصية الكارتونية الخيالية «إلمر فاد». ويختتم الفصل بما يسميه هوبكنز حدثًا «سريع الانفعال»: عُرض فيلم «هاملت» للمخرج والممثل لورانس أوليفييه (1907-1989) عام 1948 في قاعة المدرسة. ولم يفهم هوبكنز الصغير الكثير من لغة الفيلم، ومع ذلك يقول: «لقد اقتحمت قوة ما كياني عند مشاهدته». إن مزيج الوحشية والحيرة في هذه العبارة دالٌّ للغاية، ويُهيئ الأجواء لما سيأتي لاحقًا؛ فالكتاب برمته يُمثل صراعًا، ليس للتعبير عن الذات بقدر ما هو بحث عن قيمة ذاتية للتعبير عنها.

كان هاملت في مأزق مماثل، ومن المناسب بل والمثير للسخرية، أن تكون مذكرات هوبكنز مليئة بذكريات مع والده؛ الذي ظل يطارده كشبح. «ما الذي أصابك بحق الجحيم؟ يجب أن تخضع لفحص لقواك العقلية. ألا تستطيع فعل أي شيء مفيد؟ أنت عديم الفائدة تمامًا». كان هذا هو الحكم الذي أصدره والد أنتوني، «ديك» الخباز، الذي كان شخصا سكيرًا وكثير الشكوى. ووفقًا لابنه، «كان لديه كميات هائلة من الطاقة التي لم تُستغل كما يجب». إن أوضح ذكرى في هذه الصفحات محفورة بحب وخوف:

«عندما كنت صبيا صغيرًا، كان يأخذني معه في جولاته لتوزيع الخبز بسيارة توصيل كُتب عليها في الجانب الأيسر (A. R. HOPKINS AND SON, LTD.). كنت أشعر أحيانًا بالخوف وأنا جالس هناك، أسمع صوت محرك السيارة ومبدل التروس وصوت هديد مسّاحات الزجاج الأمامي، لأني لم أستطع التخلص من فكرة أن وجه والدي له جانب أيسر فقط. كنت أحلم بأنه ليس حقيقيًا طوال طفولتي، بل مجرد صورة جانبية متحركة». بعد سنوات سريعة، نرى صورا للوالد «ديك» وهو يتبادل أطراف الحديث بودٍّ مع لورنس أوليفييه خلف الكواليس في مسرحٍ يُشارك فيه أنتوني. عندما يقول أوليفييه إنه وُلد عام 1907، يُجيبه هوبكنز الأب دون تردد: «في نفس عمري. كلانا يتقدم في العمر الآن، أليس كذلك؟». بعد ذلك، نجده يُصافح الممثل جون واين في مطعم في «بيفرلي هيلز». وفي صورة أخيرة، نرى ديك على فراش الموت، حيث يطلب من ابنه أن يُلقي عليه مسرحية «هاملت». يُلبّى الطلب، وبالفعل، لا يستطيع أنتوني التوقف؛ تتدفق الكلمات منه. عندما ينتهي أخيرًا، يرفع والده رأسه ويقول: «كيف حفظتَ كل هذه الكلمات؟».

إنّ أضخم ما يُميّز هوبكنز، كما اتضحَ، ليس شكل رأسه، بل سعة ذاكرته الهائلة. فهو مشهورٌ بوصوله، مع بداية أيّ عملٍ مسرحيّ، وهو يحفظ حواره، وأحيانًا حوارات جميع الممثلين الآخرين عن ظهر قلب. إنّ أسلوب هوبكنز، كما يكشف في كتابه الجديد، عمليٌّ للغاية: «كان التعرّف على النصّ أشبه بجمع الحصى من شارعٍ مرصوفٍ، واحدةً تلو الأخرى، ودراستها، ثمّ إعادتها كلّها إلى مكانها الأصلي».

إنّ سرعة البديهة مهارة لا تُقدّر بثمن في المسرح الكلاسيكي، حيث انطلق هوبكنز في مسيرته الفنية بعد عامين من الخدمة العسكرية الإلزامية. وبعد أن نُصح بالتقدم إلى الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية، فاجأ هوبكنز القائمون على اختبار الأداء بإلقاء أحد خطابات «ياغو» من مسرحية «عُطيل» بهدوء تام: وهي حيلة يُعرّفها هوبكنز بأنها «إشراك كل فرد من الجمهور في ثقتك بنفسك، ثم مشاركتهم جملةً بجملة، ومشاركتهم معرفتك المنطقية والعميقة للأشياء المروّعة». ليكتر في انتظار دوره. هل يُفسّر هذا؟ ربما، إنه سبب تنقل هوبكنز بين عوالم المسرح الكلاسيكي البريطاني العريقة وعوالم السينما، على مر السنين، بسهولة لم يُضاهيها حتى أوليفييه. لم يُقم أي ممثل شكسبيري منذ «أليك غينيس» علاقة وثيقة كهذه مع الكاميرا. عندما يلعق ليكتر إصبعه، ليتمكن من قلب صفحة وثيقة ما، ويغمز «كلاريس ستارلينغ»، التي تزوره في مصحة للمجرمين المختلين عقليًا، فإن المشاهد هو المستفيد الحقيقي من تلك الغمزة.

لا يقتصر هوبكنز على إثارة الرعب فحسب. ففي لمسة فنية رائعة، يصف شخصية ليكتر بأنه «منعزل ويقظ في آن واحد»، وقد نجح بطريقة ما في استحضار هذا التناغم نفسه عند تصوير مشاعر متباينة تمامًا، كالخجل أو اليأس. ومن هنا نجد كبير الخدم في فيلم «بقايا النهار» 1993 المقتبس من رواية بنفس العنوان للمؤلف الياباني كازو إيشيغورو، الذي يتردد حتى في إظهار الكتاب الذي يقرأه، والزوج الخجول في فيلم «84 شارع تشارينغ كروس» 1987 والمقتبس من رواية للكاتبة الأمريكية هيلين هانف، الذي يجلس لتناول العشاء مع زوجته. يقول عن الطعام: «لذيذ جدًا. شهي جدًا»، وينظر إلى كأس الماء كما لو كان كأسًا من السم. للحظة، لا نستطيع الجزم ما إذا كان سيقتل زوجته أم سينتقل إلى تناول الحلوى. المسألة المطروحة هنا، وسط هذا السلام المنزلي، ليست فقط ما يحرك الناس، بل بفضل هوبكنز، ما إذا كان دقات الساعة مضبوطة أم أنها قنبلة لم تنفجر بعد.

تؤدي الممثلة الإنجليزية «جودي دينش» دور الزوجة على مائدة العشاء، والمفارقة تكمن في أنها وهوبكنز سيلتقيان مجددًا بعد فترة وجيزة لبطولة مسرحية «أنطونيو وكليوباترا» على خشبة المسرح الوطني في لندن. وتشير دينش، في كتاب صدر لها مؤخرًا عن شكسبير، إلى وفاة البطل مبكرًا، تاركًا ملكة بلا حبيب تتولى زمام الأمور على خشبة المسرح، وتروي كيف همس لها هوبكنز، بينما كانت تنوح عليه في غمرة الحزن، قائلًا: «بينما تؤدين الفصل الخامس، سأذهب لأحتسي كوبًا من الشاي في غرفة الملابس».

تلك القصة أكثر دفئًا وإلهامًا في كتاب «لقد قمنا ما بوسعنا يا فتى»، حيث يبدو الكاتب بغرابة أنه غارق في الحساسية ويغلبه الندم. قال مخرج مسرحي لهوبكنز ذات مرة: «رأسك مليء بالمخربين الويلزيين»، وما زالوا يعملون، ويتآمرون ضد أنتوني، كما يتضح من أسلوب هذه المذكرات. يتكشف جزء كبير منها بإيقاع متقطع، وليست مفاجأة معرفة أن هوبكنز هو من كتب الكتاب، يذرع جيئة وذهابًا ليؤكد وجهة نظره. بعض حساباته مقتضبة لدرجة أنها تقترب من أسلوب بيكيت: «كان عليّ أن أكبت مشاعري. لا دموع. لا حزن. لا شيء. فقط عذاب شديد»، يقول.

بالنسبة لمحبي هوبكنز، فإنّ تلك النبرة الإيقاعية هي ما يميّزه تحديدًا؛ تلك الرنة الحادة والحازمة في كلامه. تسمعها في كل مكان. في فيلم «نهاية هاورد» 1992 المقتبس عن رواية للكاتب إي. إم فورستر بنفس العنوان، يؤدي دور رب أسرة تتجاوز حدّة كلامه المباشرة نطاق أقاربه المباشرين لتشمل الاقتصاد والبلد ككل: «الفقراء فقراء. يشعر المرء بالأسف تجاههم، ولكن هذا هو الواقع». إنّ نطق الحروف الساكنة بوضوح، خاصة في نهاية السطر، متعة لا تُضاهى؛ فعندما تحضر «ستارلينغ» محاكمة قاتل يائس من أجل الحصول على المساعدة، يسألها ليكتر ببساطة: «ماذا يعمل هذا الرجل الذي تسعين إليه؟». هو وستارلينغ يتحدثان وجهًا لوجه، عبر قضبان قفص، لكنّ نطقه واضح وهش، كما لو كان يخاطب شخصًا في الصف الخلفي من مقاعد المسرح. استمع مجددًا إلى هوبكنز، وهو قاتلٌ راضٍ تماماً، يتحدث إلى محامٍ (رايان غوسلينغ) في فيلم «انكسار» 2007: «هيا يا صغيري، أحضر كل شيء إلى المحكمة. إلا أنك لن تنجح». وكقاعدة عامة، لا يستطيع سوى مغني الجوقات نطق الحرف الأخير بقوة رنانة وهذا ما يفعله هوبكنز.

تجدر الإشارة إلى أن فيلم «انكسار» مجرد هراء ولغو لجلب الانتباه والإثارة. ولذلك، فهو يعزز اعتقادي بأنه إذا كنت ترغب في قضاء ليلة ممتعة مع علبة من آيس كريم بنكهة الشوكولاتة والنعناع، فإن أي فيلم إثارة تقريبًا يحمل عنوانًا من كلمة واحدة ويضم هوبكنز ضمن طاقم التمثيل سيلبي رغبتك. وتشمل قائمة أفلامه الأخرى التي يستحضرها في كتابه: «قوة هائلة» عام 1974 إلى جانب ريتشارد هاريس وعمر الشريف، وفيلم «مغلق» الصادر هذا العام، مرورًا بفيلمي «فريجاك» 1992 و«غريزة» 1999. وكان عام 2015 عامًا استثنائيًا، حيث شهد إصدار فيلمي «تعزية» و«طريق أسود»، بينما عُرض عام 2016 فيلمي «سوء تصرف» مع آل باتشينو وفيلم الإثارة «تصادم». والغريب أن هوبكنز حافظ على مكانته الفنية. بصفته محترفًا دائمًا، نادرًا ما يُوحي بأنه مُتراخي أو مُتخاذل أو مُهمل في عمله، حتى عندما تُصنّف أفلامه تحت مُصطلح «لا تمثيل مطلوب» (N.A.R.)، وهو اختصار يُنسب إلى الممثل غريغوري بيك. ويشيد هوبكنز بأربعة مخرجين: ستيفن سبيلبرغ، وكريستوفر نولان، وغاي ريتشي، ومايكل باي.

علينا توخي الحذر عند وصف الممثلين بالبارعين. فالبراعة، في نهاية المطاف، قد تكون مهمةً انفرادية، لا سيما لشخصٍ يتمتع بصلابة هوبكنز. ما يُنقذه من التكبر، على الشاشة، هو السرعة الفائقة التي يُكوّن بها علاقةً مع الشخصيات الأخرى. راقبوه وهو يُقيّمهم ويستكشف أعماقهم الخفية. ليكتر، بالطبع، يُحيّي ستارلينغ بنظرةٍ ثاقبةٍ، دون أن يرمش، كما لو كان يُجري لها فحصًا بالأشعة السينية. لكن لا تنسوا الدمعة، دمعةٌ واحدةٌ فقط، لأنّ فيضانٌ منها يُعدّ مُخزيًا؛ مثل التي تنحدر على خدّ «فريدريك تريفز»، الطبيب الذي جسّده هوبكنز في فيلم «الرجل الفيل» 1980، عند أول رؤيةٍ له لجون ميريك (جون هيرت) المُشوّه بشكلٍ مُريع. مشهدٌ أقل حدةً لكنه لا يقلّ روعةً في فيلم «أراضي الظلال» 1993، حيث يقف سي.

إس. لويس (هوبكنز)، مؤلف كتب «نارنيا»، ويُعرّف نفسه لجوي غريشام (ديبرا وينغر) في ردهة فندق. يميل برأسه، ويبتسم ابتسامةً خفيفةً مهذبة، ثم ينظر إليها؛ بل أكثر من ذلك، يراها، وقد خابت توقعاته. لم يقع في الحب بعد، لكن حياته تغيّرت بشكلٍ ملحوظ، وهذا التغيير يُسعده. الأمر سهلٌ كسهولة المرور عبر خزانة ملابس. وحده ممثلٌ عظيمٌ قادرٌ على تجسيد مثل هذه التحولات بسرعة وبراعة. 

حسنا، إحدى طرق فهم شخصية هوبكنز هي مقارنته بريتشارد بيرتون. فكلاهما، ويا للعجب، من أبناء بورت تالبوت، وهو ما قد يفسر نبرة صوتيهما القوية. كان بيرتون يكبره باثنتي عشرة سنة. 

في 1976، كان يؤدي دور طبيب نفسي في مسرحية «إيكوس» على مسارح «برودواي»، وذهب هوبكنز، الذي كان قد حصل على الدور في وقت سابق من العرض، إلى غرفة ملابسه ليلقي عليه التحية.

 قال بيرتون: «أتذكرك. نعم، أنت من مخبزة البلدة». كان الرجلان مولعان بشكسبير بقدر ما كانا متعطشين لاقتحام هوليوود. بالنسبة لنا نحن عشاق الأفلام المقتبسة من روايات أليستير ماكلين، يحتل فيلم «حيث تجرؤ النسور» 1968، من بطولة بيرتون وإيستوود، مكانةً مرموقةً بين الأفلام، متفوقًا بكثير على فيلم «عندما تدق الأجراس الثمانية» 1971، الذي يظهر فيه هوبكنز مرتديًا زيًا بحريًا وبدلة غطس في دور «فيليب كالفيرت»، وهو بديل باهت لجيمس بوند. 

ثمة تشابه آخر بين بيرتون وهوبكنز، وهو ليس بالأمر الممتع. أدمن كلاهما الكحول. فإذا كانت مذكرات بيرتون، التي نُشرت عام 2012، غارقة في الكحول، فإن كتاب «لقد قمنا ما بوسعنا يا فتى» لا يقل غرقًا في إدمان الشرب. كان كلا الممثلين ابنيْن لعائلة مدمنة على الكحول (افتتح ديك هوبكنز حانة بعد تقاعده من مهنة الخباز)، وكان إدمان الكحول متأصلًا في دمائهما. عندما يكتب هوبكنز: «اشتريت لنفسي كأسًا من الويسكي، الذي أصبح وجبتي المفضلة»، يُصدم المرء عندما يدرك أنه يتحدث عن أوائل العشرينات من عمره. حتى وهو جالس وحيدًا مع مشروب، كانت تفوح منه رائحة المشاكل؛ «الهدوء والانطواء يُظهران شيئًا عدائيًا في الآخرين»، كما لاحظ بذكاء. كان زواجه الأول من بين ثلاث زيجات، والذي تم عام 1967، كارثيًا، ولعب السُكر دورًا في ذلك. يبدأ وصفه لتلك الفترة بعبارة صادمة تنتمي إلى قرنٍ مضى: «وجدتُ امرأةً لأتزوجها. وانتهى الأمر برحيلها غاضبة بعد عامين. وهربتُ أيضا من تلك الحياة كما لو كانت حظيرةً تحترق». كانت ابنته (أبيجايل هوبكنز) في تلك الحظيرة، التي لا يزال على خلافٍ معها.

ما يفرقه عن بيرتون هو أن هوبكنز، بمعجزة، استجمع صفاء ذهنه ليتخلى عن هلاكه. ربما كان ذلك بسبب خبر قيادته سيارته من أريزونا إلى لوس أنجلوس وهو في حالة سكر شديد. («وجدناك على الطريق»، قال وكيله). والنتيجة أنه لم يشرب الخمر منذ أواخر عام 1975، وهو، يقترب من التسعين، ولا يزال قادرًا على العمل، بينما توفي بيرتون عن عمر يناهز الثامنة والخمسين، بعد فترة وجيزة من تجسيده شخصية «أوبراين»، رمز الكآبة المطلقة، في فيلم مقتبس عن رواية جورج أورويل «1984». كانت تلك آخر لمحة من جَلد الذات، وهناك بالتأكيد نزعة مماثلة للمازوخية لدى هوبكنز؛ ليس استمتاعًا بالمعاناة بقدر ما هو اعتراف حزين بأن الشقاء الدنيوي حق لنا. لا شك أن بيرتون وهوبكنز، سيبتسمان لكلمات عمة هوبكنز الثرية، «باتي»، التي أجابت عندما عَلمت أن الطفل أنتوني غير سعيد في المدرسة: «حسنًا، السعادة ليست كل شيء».

استمر أنتوني هوبكنز في حياته الدراسية حتى الفصل الخامس، منتظرًا ما يسميه «الرحيل الأخير»، مستمتعًا بها لدرجة قد تُثير استياء عمته «باتي». يكتب: «بحسب المنطق السليم، كان ينبغي أن أموت منذ عقود». مذكراته، بصراحة متقطعة، إذ تُغفل جوانب كثيرة من إنجازاته، لكن زخمها المتقلب يضفي عليها سحرًا خاصًا، كما لو أن هوبكنز كان بالكاد يُسيطر على ذكرياته، حيث يضم أيضا مجموعة مميزة من الصور الشخصية، ليجمع مذكرات صادقة ومؤثرة لرجلٍ معقد ورمزي ألهم الجماهير بأدائه المذهل لأكثر من ستين عامًا. يختتم الكتاب بمختارات من الشعر الذي يُعجبه: قصائد للشعراء أودن ويتس ولونغفيلو وغيرهم. كما نقرأ عن أنتوني، وهو تلميذ، عندما أُمر بقراءة قصيدة «الريح الغربية» للشاعر جون ماسفيلد (1878-1967) بصوت عالٍ في الفصل، وأثنى المعلم على جهوده. إنها خاتمة جميلة، لكن هل يعلم هوبكنز أنه قد روى نفس الحكاية بالتفصيل قبل ثلاثمائة صفحة؟ ألم يلاحظ أحد في دار النشر هذا التكرار؟ أظن أنهم كانوا يخشون مناقشته مع المؤلف، فقد يثور غضبًا عليهم. 

أنتوني لين كاتب في مجلة نيويوركر. عمل كناقد سينمائي من عام ١٩٩٣ إلى عام ٢٠٢٤. قبل انضمامه إلى المجلة، عمل في صحيفة الإندبندنت بلندن؛ حيث عُيّن نائبًا لرئيس التحرير الأدبي عام ١٩٨٩، وبعد عام، أصبح ناقدًا سينمائيًا في صحيفة الإندبندنت أون صنداي.

عن ذي نيو يوركر