No Image
عمان الثقافي

لماذا يقرأ الجميع الفانتازيا؟

25 فبراير 2026
25 فبراير 2026

فرانسيس سبافورد -

لا تحتاج الفانتازيا إلى دفاع. إنها واحدة من أعظم الأشكال الثقافية في هذه اللحظة، متغلغلة في كل مكان، شاملة، حاضرة في كل زاوية. وربما كانت الشكل الكتابي المهيمن الآن، بما ينسجم مع نكتة بائع الكتب القائلة إن النشر المعاصر ينقسم إلى: (أ) «رومانـتازي»، و(ب) كل ما عدا ذلك.

لكنها قد تحتاج إلى شيء من الشرح، لأولئك الذين لا يدركون لذتها؛ الذين ما يزالون يرونها ضربا من تحقيق الأمنيات، أو شكلا «دونيا» تملك الرواية الأدبية الحق في أن تتعالى عليه، أو أن تبدي حياله تسامحا مرتبكا. وبوصفي كاتبا في الرواية الأدبية استعرتُ سمات الفانتازيا واحتفيتُ بها سنوات طويلة، وقد كتبتُ الآن فانتازيا صريحة بالكامل، فأنا أبعد من أن أشعر بالحرج. لقد قرأتُ الفانتازيا وأحببتها طوال حياتي، وبالنسبة إليّ يقف أفضل صنّاعها مطمئنين إلى جوار عظماء أي نوع أدبي. ومع ذلك ما زلت أصادف إحساسا خفيفا بأن ثمة ما ينبغي تفسيره حين تكتب فانتازيا. كأن عليّ أن أقدّم أسبابا لرغبتي في أن أفعل ذلك الشيء مع التنانين، مهما كانت الفانتازيا طاغية ثقافيا وموجودة في كل مكان.

لا شيء مما سأقوله الآن سيبدو لمحبي النوع ـ even قليلا.. ضروريا. يمكننا ببساطة أن نُسلِّم ببهجتها، وأن نفترض أنها، مثل أي شكل من أشكال الكتابة، تضم مادة متينة وجيدة، وأعمالا عبقرية، كما تضم أيضا منتجات مصنوعة كالبوليسترين المبثوق ـ ثم نمضي إلى التفاصيل. فانتازيا البوابات أم الفانتازيا الملحمية؟ الفانتازيا الحضرية أم فانتازيا «الإتيكيت» والأعراف؟ «الرومانـتازي» أم «الغريم دارك» القاتم؟ فانتازيا دافئة مريحة أم فانتازيا ممزوجة بنبرة الرعب؟ ثم: إلى أي سلالة تنتمي أذواقك؟ هل أنت من العشيرة التي تتفرّع بلا نهاية من «كلان تولكين»، أم أن الفانتازيا النسوية المنحدرة من أورسولا ك. لو غوين هي شجرة النسب التي تعني لك شيئًا؟

هل تدخل إليها من باب الابتكار المحرِّر من الاستعمار لدى إن. كيه. جيميسن، أم من ودّها تجاه مجتمع الميم لدى كاثرين أديسون، أم من التاريخ المعاد مزجه عند غاي غافرييل كاي، أم من سريالية جيف فاندرمير، أم من النكتة السياسية لدى تشاينا مييفيل، أم من القوطية «المُكَوَّرة/المُؤنَّثة» لدى تامسن موير؟ لأي من تلك الخيارات، ثمة محادثة تنتظر أن تبدأ، وركن يمكن أن ننزوي إليه معا، ونحن نثرثر بحماس ونقاطع بعضنا بعضا فرحا.لكن لأيّ شخص آخر، فها هنا مرافعة للفانتازيا مُعاد ترتيبها من الصفر. الفانتازيا، أولا، صادقة مع خبرة النفس البشرية. وبشكل أدقّ: إنها صادقة مع ما فيها من وحشي ومتمرّد، ذلك الذي لا يملك عالمُ النهار المعقولُ المتوافق عليه، المتحكم بنفسه، لغة سهلة للتعبير عنه، مع أنه شيء يشعر به الجميع. الأطفال والمراهقون يشعرون به بحدّة خاصة، لأسباب تتصل بالصراع بين الاعتماد الذي يطبع حياتهم وبين اتساع الصورة التي يرون بها أنفسهم، وبالقوى الظليلة التي يلمحونها نصف لمحة في داخلهم. وكذلك لأن شرور العالم تبدو لهم هائلة وجديدة الاكتشاف، فتغدو التنانين والوحوش أمرا طبيعيا. لكنها صادقة أيضا، وعلى أسس مختلفة، مع الجميع، في كل عمر، في بعض الأوقات.

وباستخدام مصطلح الفيلسوف تشارلز تايلور، نحن جميعا نعيش داخل قيود «الذات المُحَصَّنة» وطمأنيناتها. نرى العالم منزوع السحر على نحو يمكن الاعتماد عليه؛ ونفترض وجود خط آمن يفصل بين ذاتنا الداخلية وكل ما عداها.. خط لا تستطيع أن تتجاوزه الغيلان، أو الشياطين، أو الجنيات، أو الرؤى، أو الأرواح، أو القوى الخبيثة والخيّرة.هذا يُبقينا في مأمن، لكنه يقطع فينا ـ أو يُقلِّص إلى المقاس ـ ذلك العنيد والفوّار والمتخيل. يجعلنا نشتاق، على نحو غير مُهذّب، إلى السحر الذي يستبعده؛ ويجعلنا نريد أن يُسمح للسحريّ، أحيانا، أن ينتفخ ويتمدّد.أو لعلّ المسألة مسألة حاجة لا مجرّد رغبة. فالعالم المنزوع السحر على نحو صارم ـ حيث لا وجود لشيء سوى عمليات فيزيائية يمكن وصفها من غير استعارة، وحيث إن الوعي نفسه ليس إلا مشكلة مادية تنتظر أن تُحل ـ يمكن أن يكون مكانا مُجدِبا. إنه يُبقي القلب والعقل على حصص غير كافية. وهذه هي النقطة التي يلمّح إليها فيليب بولمان في «حقل الورود»، وهو الجزء الأخير الصادر حديثا من ثلاثية «كتاب الغبار»، حين يجعل ليرا تفكر في حاجة الإنسان إلى أشياء لا نستطيع إثباتها، لكننا سنختنق من دونها. الخيال، قبل كل شيء. «ربما الخيال نوع من ريح تهبّ عبر كل العوالم ـ إنها تُرينا أشياءَ حقيقية.» وبالنسبة إلى بولمان، بطبيعة الحال، فإن عدوّ الخيال هو الدوغما الدينية حتى أكثر من «العلموية» الضيّقة ـ لكن ثمّة طرائق كثيرة لتعيين ما الذي يُميت الروح في العالم الحديث، تماما كما أن ثمة طرائق أخرى لتسمية تلك الريح غير المتوقعة التي تهبّ عبر كل العوالم، وتُرينا أشياءَ حقيقية.ومع ذلك، فإن كثيرا مما أخرجناه من العالم حين نزعنا عنه السحر، لا نريد عودته حقا. أو على الأقل: لا نريده بجدية. هناك حكاية منشأ مقنعة للفانتازيا بوصفها نوعا أدبيا ـ يمكن أن تجدها محللة بذكاء ودقة لافتين في كتاب آدم روبرتس الحديث Fantasy: A Short History—ومفادها أنها تعمل كنوع من «العودة المنظمة للمكبوت». طيف يعود جزئيا. فبملوكها ورحلاتها ومختاريها ومعاركها وقوى الأرض والهواء، تُعيد إلى الداخل كل ما نفتقده في عالم العلم والعقد والعمل والانتظام، لكن من غير أن نريد الرجوع إلى نهاياته كاملة.

يرى روبرتس أن نقطة التحوّل كانت الحرب العالمية الأولى؛ إذ منحت جيلا من الشبان مثل تولكين و(سي. إس.) لويس خبرة بالحداثة بوصفها توحشا آليا محضا، وخمرت فيهم رغبة في أدبٍ تعود فيه الحكايات القديمة للأسطورة ـ بمساحتها التي تسمح بالفعل الإنساني الفردي ـ لكن بعد أن يُعاد خلطها في صيغة حديثة. نحن نحب أن نحلم بعضلات هائلة مثل كونان، حين تجعلنا حياة المكاتب جميعا واهنين؛ ونحب أن نتخيّل أنفسنا «المختار» الفريد والاستثنائي، بينما نحن في الحقيقة مجرّد بكسل داخل حشد. لكن بعد أن نلتقط هذه الأحلام، نريد أن نضعها بأمان مرة أخرى، بدل أن نواجه عالما يشكّل مصائرَنا فيه ملوك لا يُسألون، وهمج بلا أيّ اندفاع إلى ضبط النفس.

ومن هنا ـ وفق هذا المنطق ـ تأتي طريقة تغليفنا للغرائبي: ثلاثيات لها خاتمة، وكتب تُغلق.لكن ثمة حكاية أخرى عن الفانتازيا ينبغي أن تُروى. في هذه الحكاية، ليست الفانتازيا مجرد كتاب للعجب يدوّن اندفاعاتنا، ولا مجرد حنين منظم إلى عالم أكثر رومانسية. إنها توجد هنا لأنها ـ على نحو مفارق ـ نوع من الواقعية الضرورية؛ تنشأ استجابة لسمات في العالم المعاصر لم نكن قادرين على الانتباه إليها على نحو لائق، ولم نكن قادرين على سردها بأي طريقة أخرى. وأجادل بأن الفانتازيا، إلى جانب تعبيرها عن ضيقنا من عالم منزوع السحر، هي أيضا أفضل وسيلة لدينا لالتقاط الكيفية التي يظل بها العالم مسحورا، رغم كل ما نبذله من جهد مرهق لتدريع ذواتنا.أقرأ الفانتازيا وأكتبها لأنها أدب يرى «اللا-أرضي» المتكرر في الخبرة الإنسانية. أدب يعرف أننا كائنات استعاريّة على نحو ميؤوس منه، نعثر على المعنى حين نربط بين أنماط من التشابه كأنها تعاويذ. أدب يعرف أن هناك صراعات تكون الرهانات فيها فعلا ساحقة، وأن الخير والشر ـ في ما يشبه صورهما النقية ـ ينعطفان حقا على اختيارات البشر. وتفهم الفانتازيا أن الإقدام على مخاطر الحب هو مغامرة تتجاوز الأمان، إلى تضاريس غريبة عنك، في رحلات محفوفة بالخطر ومدهشة.

فرانسيس سبافورد قارئ للأدب العلمي - التخييلي، وكاتب لا-روائي يكتب عبر عدة أجناس وهجائن بين الأجناس.

عن الجارديان البريطانية