عمان الثقافي

قصة قصيرة لا تمت في ليلة مظلمة

24 ديسمبر 2025
24 ديسمبر 2025

سعيد الحاتمي -

لا أخاف من الليل حين يكون أبي موجودا..

يمشي الحشد في الظلمة الحادة وأنا خلفهم، لا أحد على الإطلاق يعرف أين يضع قدمه ولكنهم مع ذلك يتقدمون، أعينهم على المحفة وأرجلهم تتصادم في الزقاق الضيق. ترفسني ركبة أحد المشيعين على ظهري فأكاد أن أقع. يمسكني من كتفي قبل أن أسقط.

- ما الذي جاء بك. عد إلى أمك

- أمي طلبت مني أن أرافق أبي

- أمشي في الخلف حتى لا يدهسك أحدهم

يعيدني إلى الخلف دون أن يسألني عن أبي.

يتنافس المشيعون على حمل النعش وهم يرددون عبارات مختلفة بشكل عشوائي. فما أن يشعر أحدهم أن الهدوء قد عم حتى يعلوا صوته: وحدوه، فيهلل الجميع. يضع أحدهم الطرف الخشبي الممتد من أحد الحوامل على كتفه ويسير مسرعا ليواكب سرعة المجموعة التي تصطف على الجانبين. يقترب منه آخر فيرفع صوته: «اذكر الله» فيفسح له المجال ليحل مكانه، ويمشي مسافة بسيطة قبل أن يأتي شخص آخر.

المقبرة تقع في الجهة المقابلة للحارة وعلى حشد المشيعين عبور الوادي في كل مرة وصعود طريق ضيق ومتعرج للوصول إليها. لقد حرص الأسلاف على اختيار مكان مرتفع لا تصل فيه المياه إلى مقبرتهم. فحين تنحدر الأودية الهادرة لا يمكن للموتى أن يهربوا.

نصل إلى عمق الوادي فتزداد حلكة الظلام، ولا يبددها سوى غلالات الضوء الباهتة من المصابيح اليدوية التي يحتفظ بها الناس لمثل هذه الأوقات.

أمشي متعثرا في الخلف بينما أبي في الأمام، لذلك لا أشعر بأي رهبة ما دام أبي موجودا.

حين وصلوا إلى المقبرة وضعوا النعش على الأرض، بينما لا تزال مجموعة من أهل القرية يحفرون القبر في الأرض الصلبة. تفرق الجميع على شكل مجموعات. بحثت عن أبي وجلست إلى جانبه. الرجال الذين يحملون المصابيح أطفأوها ليحافظوا على بطارياتها، وبقت إضاءة خفيفة تتسلل من خلف الغبار الذي أحدثته مجموعة الحفر. عم المكان صمت حارق وبدأت أصوات كائنات الليل تتدحرج من القمم وتستقر في أذني. بدأت أخاف ثم تذكرت أن أبي بجانبي فاطمأننت.

عندما انتهوا من تجهيز القبر تنادوا لحمل الميت ودفنه. كان الجميع يتزاحم للاقتراب والمساهمة لذلك بقيت بعيدا. بعد أن ارقدوه في قاع القبر صفوا ألواح الصخور على اللحد، أغلقوا الفتحات بينها بالطين المعجون ثم أهالوا فوقه التراب. بعد أن دفنوا الحفرة أقاموا فوقها كومة من الرمل أحاطوها بالصخور ليحددوا ملامح القبر الذي سيصبح فردا في المكان. رشوا عليه الماء، ثم جلسوا جميعا وبدأوا يرسلون دعواتهم علها تجلب شيئا من الطمأنينة لصاحب القبر. حين انتهوا خرجوا مسرعين وأصبح بإمكاني الاقتراب. كانت الحصباء المفروشة على القبر لا تزال مبتلة. جلست بجانب القبر وبدأت أشعر لحظتها أن الخوف يهبط دفعة واحدة على صدري.

تذكر رجل من الذين تولوا حفر القبر مجرفته التي نسيها فعاد ليجدني وأنا خائف ومنكمش بجانب قبر أبي.

سعيد الحاتمي قاص عُماني صدرت له مجموعة قصصية بعنوان «عصفور أعزل يضع منقاره في وجه العالم».