No Image
عمان الثقافي

«سوريا رحلة إلى الزمن الضائع» لبشير البكر الكتابة بوصفها استعادة للوطن عبر الذاكرة

24 يونيو 2026
24 يونيو 2026

ليندا نصار -

لا يمكن للمبدع الإمساك بالزمن إلّا عبر الذاكرة، خصوصًا حين يتعلّق الأمر باللحظات الماضية. فالزمن بمعناه الفيزيائي، هو المقياس المعروف الذي تنتظم به حياتنا ونبني خططنا على أساسه، أمّا بالنّسبة إلى الأديب، فالزّمن مفتوح على احتمالات الإبداع، إذ يقاس بالتّجربة الشّعورية وبقوّة الإدراك الّذي يتشكّل في الذّات الإنسانيّة.

بهذا المعنى نرى عند إيمانويل كانط أنّ الزمن يكمن في العقل، إنه حدس الإنسان الذي يجعله قادرًا على تنظيم خبرته. وبحسب برغسون، الزّمن تدفّق مستدام لتجربة شعوريّة وحياتيّة لا يمكن حصرها في معيار الدقائق والساعات، بل يتمّ إدراكها كتجربة حياة وهذا ما يسمّى بالدّيمومة.

أمّا شعريًّا، فحين نتحدّث عن الزمن الضائع، يُفهم أنّ ثمة ما هو مفقود ما يجعل الكتابة بديلًا وفعلًا تعويضيًّا. ربّما انطلاقًا من ذلك اختار بشير البكر عنوان كتابه الجديد «سوريا رحلة إلى الزمن الضائع.» (نوفل، هاشيت أنطوان) لاستعادة ما يمكن ترميمه عبر سرد يصلح لأن ينتمي إلى أدب العودة. أنت/ هو/ لم ترحل/ ولم تعد من الرحلة/ ما جرى حقًا/ أنك كنت في صالة الانتظار/ تقرأ في كتاب/ آخر. (ص 69)

بشير البكر، الشاعر والصحفي الذي غاب عن وطنه سوريا لخمسة وأربعين عامًا وكان واثقًا من أنّه سيعود، تحقّق حلمه ورجع حاملًا معه الذاكرة التي ملأت الغياب حنينًا. وقد كان لا بدّ من الرجل الذي غادر سوريا لأسباب أمنية، من احتضان الذات المنكسرة من خلال عبور الذاكرة إلى كتابة هذه السيرة الّتي ضمّت تغيّرات جذريّة ميّزت بين النظام السياسي القديم والنّظام السّياسيّ الحاليّ. عاد البكر إلى بلده قلقًا كمن فقد جزءًا من هويته السورية وكان يعلم أنّه لن يتعرف إلّا إلى أفراد عائلته المقرّبين والذين ما زالوا على قيد الحياة، وكان ذلك أمرًا طبيعيًّا مع بزوغ جيل جديد من الشّباب الذين كبروا في غيابه.

حين غادرت البلاد/ قال لي الشعر/ لا تخف/ سيكون هناك وقت وفير/ لنا نحن الذين لم نتكلم بعد.

(ص 9)

«يا سوريا تختفي الكلمات/ في الصباح/ أولا تأتين/ كي نشرب القهوة/ على الرصيف.» (ص 169)

لم ينكر بشير البكر أنّ سوريا تحتاج إلى استعادة توازنها، والتقاط أنفاسها بعد أعوام طويلة من الاضطرابات والحروب والطّغيان، مع ذلك ظل في نفسه شيء من الراحة والأوكسيجين الذي لا يشعر به إلا من نعم بالحرية بعد عقود من الغربة والسّجن النّفسيّ. ويتمثل السجن النفسي في المنفى، كنوع من تقييد الوجدان حيث يعيش الكاتب الاغتراب والاقتلاع من الجذور، ما يسمح باستعادة ماضي الذات، والحنين إلى مسقط الرّأس والانتماء. فالسجن هو عبور من جغرافية المكان إلى فضاء الإبداع الذي يحوّله إلى وسيلة للحفاظ على الذات، في إطار العزلة الإبداعية. من هنا، يحمل المنفى بعدين تكمن فيهما المفارقة: المنفى: السجن النفسي ومصدر الألم؛ والمنفى: الفضاء الإبداعي وجمالية الكتابة.

الزمن الضّائع بين التّجربة والفلسفة

من جهة أخرى يتخذ الكتاب طابعًا فلسفيًّا بين اللحظة المنفلتة واللحظة التي يحاول القبض عليها لئلّا تنتهي، فيدور في الشوارع يطلب إطالة الزمن عبر تأخّر الغروب. لا يريد لنفسه أن يمرض، فالدفء العاطفي، والدفء الفيزيائي مهمّان في هذه اللحظات وهو يحتاج إلى أن يقضي أكثر الوقت مع أقربائه ومحبيه. نراه يتنقل بين مربعات الزمن، محاولًا تحقيق ما لم يتحقق حين كان في سوريا في الماضي، وكأنّ الأعوام الخمسة والأربعين خارج الزمن زمن الحياة، حيث كان محاطًا بأهله وأصدقائه وأبناء وطنه. يستعيد الحلم الذي تأخّر عنه، وكأنّه لم ينتبه إلى كل ما مرّ، وكأنّ العمر لا يقاس بالأيام، بل بالفرح الذي تقدمه إليه هذه الأيام.

يجد الكاتب نفسه قابعًا بين ثنائية سوريا الذاكرة الأصل وسوريا الواقع. بهذا الأسلوب، تبدو فكرة الاغتراب الزّمانيّ حيث تحوّلات الأمكنة، فتأتي السردية لتشكل البنية العميقة للنص. كذلك ليست كتابة هذه السيرة، بما تحمله من أبعاد فلسفية، مجرد وصف، بل هي استعادة كأنّ الكاتب يقوم بها لتعديل ما فاته، لكي ينفذ إلى تصحيح الحياة الماضية. وأمّا الأعمار، فالتعديل غير وارد فيها إلّا إذا كانت الرحلة خارج الزمن. حين تعود إلى هناك/ ستبحث طويلًا عن خطاك لكنك لن تجد أثرًا. (ص 205)

تأتي المفارقة بين نمط الحرية الذي بدأ يتحسسه منذ دخوله إلى المطار، لتتشكل عنده حالة نفسية من الارتياح؛ إذ لا يخفي البكر حزنه على الرغم من أنّ شعر بحسرة العائد لقد «عاد إلى بلد لم يخرج من غرفة العناية الفائقة بعد». ويبدو ذلك فيما يحمله النص من طابع إنساني متمثّل بالحزن على الراحلين وعلى البلاد، حيث غلبت مشاعر الفقد ما دفعه إلى تحسّس كل دقيقة فلا يدعها تفلت من أمام ناظريه.

بعد وقت طويل/ حين تنتهي الحرب/ سنمضي محدودبين/ بربطات عنق سوداء/ لا يتذكرنا أحد/ كأن الحياة/ مرت قربنا/ ولم نرها (ص 69)

الكتابة بوصفها فعل بقاء

من هنا، يطرح بشير البكر تأملاته وعوالمه المتخيلة المحتفظ بها في ذاكرته فأتت الكتابة كفعل ما بعد اللّقاء، وبعد أن كان وجهًا لوجه أمام سوريا الجديدة، والشعر لم يبارحه هناك، إذ جاء كفعل يمارس فيه فعل البقاء، ولإثبات وجوده في بلد استعاده في المنفى بالإبداع الأدبيّ قبل أن يزوره بعد غربة طويلة ليسير في الشوارع عن ظهر قلب في ذلك البلد الذي لم يخرج من ذاكرته. بهذه الطريقة تشكّلت علاقته بسوريا الجديدة وكأنه راح يسهم في تشكيل تاريخها الحاليّ، يستعيض به عن القديم الذي لطالما احتفظ به في ذات تطمح بعالم أقل ألمًا وقسوة وأكثر حياة، ليدوّن كل هذه التفاصيل لأنه يخاف عليها من الضياع.

«أعرف عنها أكثر مما هو موجود في كتب الجغرافيا والتاريخ؛ أستطيع أن أغمض عينيّ، وأسير من دون عصا الأعمى، في الليل والنهار، أسبق صوت المؤذن إلى الفجر، أهبط من قاسيون قبل أن تغفو النجوم، ويستيقظ الطير. أتبع حواسي، وما اختزنته من تفاصيل وإشارات، تدل القلب إلى جهات الحب ودروبه.» (ص69)

توحي إلينا الكتابة بقوة الأثر الذي تصنعه اللغة الاعترافية، بما فيها من تراكيب واضحة ودلالات تعيينية، تتصف بها فتتشكل سردية غنية بالتفاصيل المؤلمة أحيانًا، مع أنه يبدو العمل شاقًّا، أن تدوّن خمسة وأربعين عامًا برؤية أدبية جديدة، وزاوية نظر مختلفة. تقف، تتأمل، تكتب، لتبدع.

يضعنا الكاتب أمام اعترافات غير مكتملة، بين الذات الماضية وتحولاتها، ليعود ارتباطه بالزمن كفعل ممارسة لوجود لا يكتمل من دون الذاكرة التي تربط الأنا بالعالم. نفكّر هنا بروسّو الذي كشف ذاته بالاعترافات الجريئة، قدّم نموذجًا مختلفًا من كتابة الذات والمكاشفة.

هكذا، سعى البكر إلى تقديم نفسه كإنسان قبل أن يكون شاعرًا سار في كتابه وفق خطة زمنية، وفي منظور سردي لسرد الوقائع حيث وردت تمثّلات الذات بكل صدق، فترك أبعادًا تأويلية لا يتقنها إلّا القارئ. بهذه الطريقة تشكلت الذاكرة الفردية، عبر السرد الاسترجاعي، باعتماد آلية انتقاء الأحداث لتبدو تحولات الأنا في علاقتها بالعالم: الشاعر والمكان، مضيفًا إليها تأملات الذات المرتبطة بالسياق الاجتماعي ولقاء الكتّاب والمثقفين.

ليندا نصار كاتبة وصحفية لبنانية