No Image
عمان الثقافي

التواضع الوجودي

30 مايو 2026
30 مايو 2026

تحتاج الحضارة المعاصرة إلى استعادة فضيلة «التواضع الوجودي» التي تراجعت تحت ضغط القوة والمعرفة والسرعة. لا يتعلق الأمر بالتواضع الاجتماعي الذي نتحدث عنه في حياتنا اليومية، ولا بالأدب في التعامل مع الآخرين. التواضع الوجودي موقف فلسفي من الوجود ذاته يبدأ من الاعتراف بأن الإنسان مهما بلغ من العلم والسلطة والقدرة التقنية، يظل كائنا محدودا أمام اتساع العالم وغموض المصير وتعقيد النفس واستحالة امتلاك الحقيقة كاملة.لقد صنعت الحداثة إنجازا هائلا حين حررت العقل من الخرافة ووسّعت قدرة الإنسان على الفهم والسيطرة؛ غير أن هذا المنجز أورث الإنسان وَهما خطيرا حين اعتقد أن ما يمكن قياسه يمكن امتلاكه، وأن ما يمكن تفسيره يمكن التحكم فيه، وأن تراكم المعرفة يقود بالضرورة إلى حكمة أعمق. تكشف أزمات العصر عكس ذلك؛ فكلما اتسعت أدوات الإنسان ضاقت روحه أحيانا، وكلما زادت قدرته على الفعل تراجعت قدرته على التبصر في عواقب أفعاله.

التواضع الوجودي، بهذا المعنى، شرط أخلاقي للمعرفة، يذكّر العالم بأن العقل لا يفقد قيمته حين يعترف بحدوده، وأن العلم يحتاج إلى ضمير يعرف أن القدرة على الابتكار لا تمنح تفويضا مطلقا لإعادة تشكيل الإنسان والطبيعة والمجتمع.

تنبع كثير من الكوارث من اليقين الزائد عن الحاجة، يقين الإمبراطوريات بأنها تعرف مصير الشعوب، ويقين الأيديولوجيات بأنها تحمل الخلاص، ويقين التكنولوجيا بأنها تستطيع اختصار التجربة البشرية في بيانات ونماذج وتوقعات. وتكشف هذه الصور كلها عن عقل شديد النشاط وخيال أخلاقي شديد الفقر.

لذلك تبدو الحاجة إلى التواضع الوجودي حاجة سياسية وثقافية وحضارية، فهو يعلّم الإنسان الإصغاء قبل الحكم والتفكير قبل الفعل والرحمة قبل الانتصار للفكرة. كما يعلّم المجتمعات أن النضج يقاس بالقدرة على احتمال الأسئلة الكبرى دون الهروب إلى الخرافة أو العنف أو اليقين المصطنع.

يحتاج العالم اليوم إلى معرفة أكثر تواضعا، وإلى عقل يطلب الحقيقة دون أن يدّعي امتلاكها. فكلما أدرك الإنسان أن العالم أوسع من قبضته، وأن الحياة أعمق من تفسير نهائي، صار أقرب إلى إنسانيته وأكثر قدرة على العيش بحكمة داخل حدودها.