سجينة الياسمين
28 يناير 2026
28 يناير 2026
شريفة بنت سالم الرحبية -
تفتح الوالدة زينب نافذتها الزجاجية كل فجر، تدفعها ببطء، وتزيح بعصاها الستارة الشفافة، كأنها تزيح طبقة رقيقة من التعب. في الخارج تقف شجرة الياسمين عند طرف الحديقة، بيضاء في عتمة الصباح، ساكنة كعروس لم يغادرها الضوء. وما إن يهبّ النسيم حتى تتقدم الرائحة من بعيد؛ رائحة تعرفها زينب كما تعرف ملامح بيتها.
يمسّها ضوء الفجر على وجنتيها، تشعر به كيدٍ صغيرة توقظها في موعد واحد كل يوم. تنهض من سريرها، تمسك بالقبضة المعدنية قرب الحائط، تستقيم قدر ما يسمح ظهرها، تلف حجابها، وتخرج مستندة إلى عكازتها. خطواتها مثقلة، لكنها لا تقبل أن يسبقها أحد إلى شجرتها، كأن بينهما عهدا قديما لا يُؤجَّل.
عند الجذع تنتشر الأكمام البيضاء على الخضرة، وكأن الأرض قد استعدت لاستقبالها. تجلس زينب على كرسي أبيض في الظل، وتبدأ الجمع بيد تعرف الطريق وحدها. تضع الأكمام في جيب عميق خاطته بنفسها في ثوبها القديم. وبين حين وآخر يظهر عند عنقها خيط فضيّ؛ قلادة قديمة سوّدها الزمن، لكنها ما زالت تتدلّى كعلامة لا تريد أن تُمحى.
كانت تُغنّي وهي تعمل، بصوتٍ لا يرفع نفسه كثيرا، لكنه يصرّ على البقاء:
«يا ياسمين... يا زهرة الحنين..»
ثم تتوقف لحظة لتلتقط أنفاسها، وتعود إلى الخيط.
تقترب فاطمة من الخلف، تقبّل رأسها في صمت، ثم تجلس قربها. كانت فاطمة الوحيدة التي تسمح لها زينب أن تقترب من هذا الطقس. تمد لها خيطًا وإبرة، فتُخرج فاطمة العدة كاملة؛ تعرف أنها ليست مجرد مساعدة عابرة، ترتدي لباسها الأبيض بصورة يومية، تمر صباحاً ومساءً على الجميع، لكن علاقتها بزينب مختلفة.
تُدخل زينب الأكمام واحدة واحدة في الخيط. ترفعها قرب عينيها لتتأكد من تماسكها، ثم تُشدّ العقدة الصغيرة بإبهام مرتعش. كانت تصنع قلائد طويلة، وأساور قصيرة، ثم تضعها في صندوق خشبي قرب النافذة... صندوق لا يُفتح إلا في موسم الياسمين.
في ذلك الصباح، كانت رقية وخديجة تمرّان قرب الكرسي. لمحَتا القلادة الجديدة وهي تمتد على ركبة زينب. تبادلتا نظرة سريعة، ثم مدّت رقية يدها قبل أن تقول شيئا، خطفت القلادة، وضمتها في قبضتها، وقربتها من أنفها. أغمضت عينيها لحظة، تستنشق تلك الأكمام برشفة مطولة، ثم علقتها في عنقها وهي تبتسم.
رفعت زينب رأسها ببطء. لم تصرخ في البداية. اكتفت بنظرة قصيرة، ثم قالت بنبرة حاسمة:
ـ ضعيها. هذه لياسمين.
ضحكت رقية ضحكة لا تكتمل، وردّت وهي تشد القلادة:
– ياسمين ذهبت ولن تعود... وذهب أبوها معها ولن يعود. يكفيك. عيشي حياتك مثلنا.
اهتزت اليد التي تمسك بالعكاز، قامت زينب دفعة واحدة كأن الكرسي أهانها، سقط الكرسي على جانبه، لم تتجه إلى رقية أولا، بل إلى النافذة، إلى الصندوق، سحبته بكل ما بقي في ذراعيها من قوة، ورمته على الأرض. انفتح الغطاء، وتبعثرت القلائد اليابسة. تناثرت الأكمام كأحرفٍ من رسالة قديمة لم تكتمل، ثم أخذها الهواء الخفيف يجرّها على البلاط، بلا لون ولا رائحة... كأنها تسقط للمرة الثانية.
انحنت زينب لتجمع شيئا، فلم تستطع. ظلّت واقفة تحاول أن تبتلع دمعة لا تنزل. مدت فاطمة يدها نحو الصندوق لتعيده، فتراجعَت حين رأت نظرة زينب: ليست نظرة غضب فقط، بل نظرة خسارة.
كانت «ياسمين» اسمًا قبل أن تكون شجرة. حفيدة جاءت إلى الدنيا كفرحة مفاجئة، ثم تحوّلت سريعا إلى صورة معلّقة في قلب زينب. كانت الطفلة تتعلق برقبتها، وتنام على ذراعها، وتضحك حين تسمع الغناء نفسه، وحين غابت، بقي الاسم وحده يرنّ في قلبها مثل صدى بعيد.
والأصعب من الغياب، أن الغياب جاء معه الابن.
لم تتخيل زينب يومًا أن يضيق بها بيتها وهي فيه، كانت تظن أن تعبها صار جدارًا يحميها، وأن ما زرعته في ولدها سيعود ظلًا في آخر العمر. لكنها وجدت نفسها تبحث عن ظل ولم تجد إلا شجرة عارية في داخلها.
قال لها يومًا، بعد أن صار له بيت آخر وأعباء أخرى، وهو يحاول أن يبدو لطيفًا:
– لدي أعمال كثيرة، ومصروف أسرتي كثير... ودار المسنين الأنسب. فيها نساء كبار السن، وتكونين معهم بأمان. سيرعاك الجميع... ستضحكين وتفرحين.
لم تجبه طويلًا. نظرت إليه فقط. رأت في عينيه عجلة لا تعرفها. مرّ شريط طفولته سريعًا في رأسها: بكاؤه، ضحكته، ركضه في فناء البيت... ثم توقّف كل شيء عند هذه الجملة التي تريد أن تنهي تاريخًا كاملًا بكلمتين.
قالت بصوت خافت، كأنها لا تريد أن يسمعها البيت كله:
– وأي فرح يا ولدي... والقلب لا يضحك، مكاني معك.
لكن القرار كان قد اتُّخذ، ولم يعد الكلام يصلح إلا لجرحٍ إضافي.
في دار المسنين، حاولت زينب أن تحفظ ما بقي لها بطريقتها. طلبت من فاطمة أن تجلب لها خيطا وإبرة، ثم بدأت تخيط قلائد الياسمين كما كانت تفعل في البيت. كانت تُعدّها لحفيدتها... لا لأنها متأكدة أنها ستأتي، بل لأن انتظارها يحتاج إلى شكل، إلى شيء ملموس تمسكه اليد وألا تترك القلب وحيدًا.
تمر السنوات، والزائرون يمرّون أمامها بوجوه متشابهة. تفتش في كل وجه عن ملامح تعرفها، عن اسم يلمع فجأة، عن ضحكة مألوفة، لا ترى شيئا. فقط خطوات تقترب ثم تبتعد.
وحين يعود الصباح إلى النافذة، تعود زينب إلى الطقس نفسه: تنظر طويلًا، كأن الرائحة تستطيع أن تُعيد من رحلوا.
وتظل... تراقب شجرة الياسمين.
