ذبابة المرق
30 مايو 2026
30 مايو 2026
سعيد الحاتمي
أمام الباب الآلي للبنك توقف قليلًا ليسمح لامرأة تغطي وجهها أن تدخل قبله. سمع صفير حرف السين يخرج من تحت النقاب فتوقعه سين السلام فرد بصوت خافت. أخبره إحساسه أن وجهًا صافيًا يختبئ خلف الغطاء الأسود يبتسم له بامتنان، فتبرعم في قلبه غصن فرح صغير. عندما دخل غمره الهواء المندفع من أعلى المدخل. حدس أنهم يضعون هذه الأجهزة التي تنفخ الهواء بقوة إلى الخارج ليمنعوا الغبار والحشرات الطائرة من الدخول حين يفتح الباب.
تخيل نفسه ذبابة استطاعت المناورة والإفلات من تيار الهواء المندفع واستقرت مطمئنة في الداخل. حط أمام جهاز تنظيم الأدوار، ثم حرك مفاصله كما تفعل الذبابة واختار الخدمة التي يريدها. تناول الورقة الصغيرة التي خرجت ثم طار ليهبط على أحد الكراسي المرصوصة في الوسط. على بعد مترين منه موظف نحيف يغرس مقلتيه في جهاز الحاسب أمامه. وهو ينظر إليه، هاله حجم الأنف التي تكاد أن تلامس الشاشة. شعر أنها أكبر مما يحتاجه أي إنسان ليتنفس أو يشم. انتظر ريثما تعبر المرأة التي التقاها أمام الباب قبل أن يصبح ذبابة، حين تخطته خُيل إليه أنها تسلم عليه مرة أخرى. ثنى قوائمه ورفرف بجناحيه وطار. حام قليلا ثم حط على الأنف الكبيرة. حرك الكرتين المجهريتين في رأس الذبابة وشاهد عددًا كبيرًا من الحفر تغطي الأرنبة البارزة. كان الموظف يبحث في بيانات الرجل الذي يجلس في المقعد أمامه. على ما يبدو أن الرجل كان يحاول أن يجد حلًا لكبح جماح امرأته التي كلما خرج ليبات خارج المنزل مع رفاقه طلبت بطاقته البنكية لتتسوق لبناته الثلاث. وما أن يبدأ يستمتع مع رفاقه حتى تنهال عليه رسائل البنك لتعجل بعودته.
«هذا ثمن الحرية يا صديقي. لا يمكنك أن تكون حرًا دون مقابل» قال الموظف ذو الأنف الكبيرة، لكن الرجل الجالس أمامه كان مهمومًا ولم يرد. كان يفكر.
«لكن هناك حل سهل جدا» تلاشت سحابة داكنة على وجه الرجل. شعر الموظف ببعض الإنجاز وأعاد ظهره إلى الخلف وحرك يده ليحك أنفه. حين شاهدت الذبابة كف الرجل تقترب طارت ناجية من الهرس.
«زحمة في كل مكان»: قال الرجل الذي يجلس على يساره.
اكتشف أنه لم ينتبه إلى وجوده من قبل. كان الرجل يحاول أن يفتح معه بابًا صغيرًا للحديث فلم يجد غير هذه الجملة. وعلى كل فقد كانت كافية لتحرض الرجل الذي لم يعد ذبابة لأن يتحدث.
«البشر يتكاثرون كالـ...» في تلك اللحظة نادت الموظفة الشابة العامل الذي يتنقل بين المكاتب: «ندييييم». بتر جملته التي كان ينوي أن يربطها بطرف جملة جاره ولوى رقبته ناحية الصوت الأنثوي الحاد. شاهد نديم يحمل بعض الأوراق ويتجه إلى آلة التصوير في الخلف. وضع الأوراق على الآلة وأخرج هاتفه، ثم عدل وضعية سماعة صغيرة حشرها في فتحة إحدى أذنيه، وترك أذنًا أخرى مشرعة لما حوله.
في تلك اللحظة طارت ذبابة فوق الجميع وهبطت على الرأس المدهون بالزيت. قفزت واستقرت على الغرة التي تتدلى على جبهة العامل، حيث يمكنها وبشكل أوضح مشاهدة ما الذي يستحوذ على اهتمام الرجل هذه اللحظة.
كانت امرأة في منتصف عمرها تتمشى داخل منزلها في بلاد بعيدة. تمشي وتتحدث. تمسك مكنسة من القش وتكنس أمام الباب. تعبر دجاجة في وسط الكادر فيبتسم العامل الذي ينز منه الحنين. تعود إلى الداخل فتنادي طفلًا ينام على بطنه ويكتب دروسه. يقوم فيحيي الرجل خلف الشاشة ثم يعود إلى دفاتره وكأنهما افترقا قبل قليل فقط. تتحول عدسة الهاتف إلى وجه المرأة وهي تتحرك فيظهر جزء من كتفها الحنطي فيرتعش له الرجل. تتحول مرة أخرى فيشاهد مطبخهم الصغير الذي حفظ كل أدواته. كانت الأوراق فوق آلة التصوير والمرأة على مكتبها تنتظر.
«ندييييم».
وصل صوت المرأة التي تنتظر عبر أذنه المفتوحة، فتذكر الأوراق التي جاء لينسخها، وكتعبير عن نسيانه ضرب بكفه أعلى جبهته، فكاد أن يحطم ذبابة تدس أنفها في شاشة هاتفه. إلا أنها نجت في آخر لحظة.
استدار ليستأنف حديثه مع الرجل على يساره فوجد الكرسي فارغًا. مسح الصالة المكتظة بنظرة عريضة فرآه يحادث بغضب مدير البنك داخل مكتبه الزجاجي.
أعادت الذبابة تموضع مفاصلها وطارت ناحية الصندوق الزجاجي. دارت حول الحواف الزجاجية باحثة عن منفذ لكنها عجزت عن إيجاد مدخل إلى الرجلين اللذين يتجادلان في الداخل. التصقت بالزجاج ولكنها لم تسمع شيئًا. فقط شاهدت الرجل الواقف يطوح يديه بغضب، بينما يدا الرجل الجالس على الكرسي تشيران له ليهدأ ويجلس. لكنه رفض الجلوس واستمر في الحديث، وبعد فترة خرج غاضبا دون أن تعرف الذبابة ما دار في الداخل.
راقبه الرجل الذي تخيل نفسه ذبابة حتى خرج من الباب الرئيسي. حين اختفى قام ليتناول علبة ماء صغيرة من طاولة موضوعة في ركن قريب من الباب، لم ينتبه إلى الورقة الصغيرة التي كان يحتفظ بها وهي تسقط على الأرض أثناء وقوفه. كان نديم يحمل كوبًا فارغًا تناوله من أحد المكاتب فرأى الورقة على الأرض فتناولها وألقاها في سلة صغيرة في غرفة تحضير القهوة.
«جزاهم الله خير بعدهم حاطين لنا قهوة وسح». قال للرجل الواقف بجانبه على طاولة الضيافة.
«هذا من فلوسك أخوي، ما تصدق البنك يعطيك جرعة ماي ببلاش». رد الرجل وهو يحاول أن يفتح قارورة ماء صغيرة.
أخذ يفكر في كلام الرجل الذي قال جملته وذهب حين ظهر رقمه على الشاشة الصغيرة المعلقة على العمود. قارورة الماء في يده، وعيناه على التمر في الآنية الزجاجية اللامعة، بينما عقله يحسب ويفكر.
حين اقتنع بكلام الرجل تذكر الماء الذي لم يشربه حتى الآن فرفع العلبة إلى فمه. من طرف عينه لمح رجلًا آسيويا يدخل البنك وفي يده حقيبة سوداء. كانت صلعته ناصعة وتلمع. لم يعبر على الجهاز الموضوع على المدخل ويستخرج ورقة صغيرة يتوسطها رقم كما يفعل الجميع. وإنما سار مباشرة باتجاه المكتب الزجاجي المغلق في الداخل. حين شاهده من يجلس على المكتب الفخم قادمًا هب من مكانه وقام ليفتح له الباب. حيّاهُ بحرارة وطلب منه بود زائد أن يجلس. حين اطمأن إلى جلوسه عاد وأغلق الباب، لكن الذبابة هذه المرة حفظت الدرس جيدا، ودخلت قبل أن تعود ظلفة الباب إلى وضعيتها المحكمة.
وضع الآسيوي الحقيبة على الطاولة وعاتب الرجل لأنه لم يحضر حفلة هذا الأسبوع والتي كانت مقتصرة على دائرة صغيرة من الأصدقاء وكان هو أولهم. شعر المدير بالامتنان واعتذر له بأن الحفل تعارض مع حفل عقد قران شقيق زوجته. «أووه.. لا يمكنني أن ألومك إذن بما أن لزوجتك علاقة بالموضوع» ضحك الاثنان واستقرت الذبابة على الصلعة التي جفت منها حبيبات العرق. تناول المدير السماعة وطلب من أحد الموظفين أن يحضر. حين أغلق السماعة شاهد الذبابة شاهرة قرني استشعارها على الصلعة أمامه» كيف دخلت هذه اللعينة إلى هنا؟» كان الآسيوي يتحدث عن الحفلة بمرح بينما عينا الرجل مصوبتان على صلعته. قام من كرسيه ليجلس أمام الضيف ويفتح له علبة الحلوى. شعر الضيف أن الرجل ينظر إلى صلعته فرفع يده ومسح على رأسه. طارت الذبابة ولكنْ عينا المدير أخذت تتابعها. حطت على علبة الحلوى وبدأت تحرك أطرافها الأمامية. قام من مكانه وفتح الباب ونادى على نديم. حين رأته يدخل حاملًا المبيد الحشري فرت هاربة إلى الخارج.
عندما عاد إلى مكانه كان المدير يتفحص مجموعة من الأوراق التي أخرجها ضيفه من الحقيبة؛ ولأنه أصبح في الخارج فلم يعد بمقدوره معرفة ما بها. لم يجد مقعدًا ليجلس عليه، تذكر الرجل الذي يشتكي من الزحمة قبل قليل. أدخل يده في جيبه ليتأكد من الرقم الموجود على الورقة الصغيرة. لكنه وجد جيبه فارغًا. أدخلها في الجيب الآخر فوجد بطاقته الشخصية وحيدة تستقر في القاع.
بحث حوله ولم يجد لها أثر. نظر في الوجوه فوجدها مصوّبة نحو الشاشات المتدلية من السقف. قرر أن يذهب إلى موظف قريب ويخبره بالوضع «أنا انتظر منذ ساعة ولكنني على ما يبدو فقدت ورقة ترتيب الأدوار» وقبل أن يتحرك سمع رجلين يتجادلان بصوت مرتفع على أحقية كل منهما في إنهاء معاملته أولا. عدل عن الفكرة وعاد يفكر «سأعود غدا. لا يجب على المرء أن يكون في عجلة من أمره».
للمرة الأخيرة تخيل نفسه ذبابة.
تطير الذبابة إلى الباب. حين تجاوزت العتبة قذف بها تيار الهواء المندفع من الأعلى بقوة، فارتطمت بزجاج سيارة تقف أمام المدخل مباشرة. لم تشعر بالسائل الدبق الذي بدأ يسيل من بطنها ويعلق بالزجاج. أخذت تنظر إلى امرأة تكشف نقابها على مقعد القيادة. في الحفرة الصغيرة على ذقنها كانت تستقر شامة وكأنها ذبابة كبيرة. في الواقع لم تكن جميلة كما تخيلها الرجل الذي أفسح لها المجال لتدخل قبله عندما وصل.
سعيد الحاتمي قاص عماني
