الإنسان بوصفه مشروعا غير مكتمل
29 أبريل 2026
29 أبريل 2026
عاصم الشيدي -
طوال جانب كبير من التاريخ البشري، لم تكن الهوية شيئا يخترعه الإنسان؛ كانت مما يتوارثه البشر. يدخل المرء إلى العالم محاطا بالكثير من الإجابات الجاهزة حول العائلة والمكانة الاجتماعية والقبيلة والدين والمكان والحرفة والواجب. وكانت هذه الإجابات قاسية أحيانا، وقد تحبس الحياة قبل أن تبدأ. ومع ذلك منحت الوجود بنية واضحة. لم يكن الإنسان مضطرا إلى أن يسأل نفسه كل صباح: ماذا ومن ينبغي أن أكون؟
تغير الأمر كثيرا في العصر الحديث. وامتد التغيير، من الدول والاقتصادات والتقنيات، إلى علاقة الإنسان بذاته. صارت الذات فضاء داخليا، ثم صارت مهمة مفتوحة. ما كان يأتي من العالم صار موضع فحص واختيار ومراجعة. وُلد الفرد الحديث حين بدأ الإنسان يعتقد أن معنى حياته لا تصنعه القوى الخارجية وحدها، وأن لذاته دورا في بناء ذلك المعنى. منذ تلك اللحظة، صار الإنسان مشروعا مفتوحا على القلق والمعنى والاحتمال، بعدما كان كائنا يكاد يولد ومعه تعريفه جاهزا.
كان الفيلسوف الألماني هيجل يرى أن التاريخ أعمق من تعاقب الحوادث. فالتغيير، في جوهره، هو تشكّل الحرية داخل الوعي. كان العالم القديم، كما رآه هيجل، عظيما ومنظما ومنسجما، لكنه أبقى الحرية الداخلية خارج الاعتراف الكامل. كان الفرد يتشكل داخل الكل: المدينة، والبيت، والقانون، والنظام. وكان الدور الاجتماعي جزءا من تصور كامل للعالم، لا وظيفة داخل المجتمع وحده.
وكان الخروج على هذا الدور يُفهم بوصفه اضطرابا في نظام الوجود. ويبدو العالم الذي قرأه هيجل بعيدا عن حساسيتنا الراهنة. نحن نفترض اليوم أن الإنسان يختار مهنته، وشريك حياته، وإيمانه، وولاءه السياسي، وطريقة عيشه. نرى في هذه الاختيارات تعبيرا عن الكرامة. غير أن هذا الحدس حديث العهد تاريخيا. وفي كثير من المجتمعات القديمة، لم يطرح سؤال الاختيار الشخصي بالمعنى الذي نعيشه اليوم. كان العرف يتكلم قبل الفرد. وكانت الشريعة والدين والعائلة والتعليم تتساند في تثبيت المسار. يرث الابن مهنة الأب. وتحمل الابنة توقعات البيت والسلالة. أما رغبته الداخلية فلم تكن تملك تلك السلطة التي نمنحها لها اليوم.
تمنحنا اليونان صورة حادة عن هذا النظام. فقد حظيت إسبرطة بإعجاب القدماء بسبب انضباطها ووحدتها المدنية، لكنها قامت على إضعاف الحياة الخاصة إلى أقصى حد. كان المواطن ينتمي إلى المدينة قبل أن ينتمي إلى ذاته. وكان في استطاعة مجتمع كهذا أن ينتج الشجاعة والجلد والتفاني، لكنه ترك مساحة ضيقة للضمير بوصفه دراما داخلية. كان الفرد نبيلا بقدر ما يذوب في الكل.
ثم جاءت لحظة أخرى حين انتقلت الأخلاق من الفعل المرئي إلى نية القلب. صار الحكم الأخلاقي يتجاوز ما يفعله الجسد إلى ما يختبئ في الرغبة والفكرة والاستعداد الداخلي. منح هذا التحول الحياة الداخلية كرامة عظيمة، وضاعف العبء الواقع عليها أيضا. صار الإنسان يُحاكَم في العالم، ويُحاكَم داخل نفسه.
يسجل الأدب هذا التحول بوضوح بديع. ففي الكلاسيكيات الكبرى يتحرك الأبطال غالبا في العالم الخارجي. نراهم في ساحات الحرب والبحار والممالك وأساطير التأسيس. وفتحت أعمال أخرى الدراما على الداخل، كما نرى عند أبي العلاء المعري في رسالة الغفران، وعند دانتي في الكوميديا الإلهية. هنا تتحرك الشخصيات في فضاءات روحية وأخلاقية ونفسية، وتنتقل الدراما من جغرافيا العالم إلى جغرافيا النفس.
ومنذ عصر النهضة وما تلاه من إصلاح ديني في أوروبا، اكتسبت الحرية الداخلية قوة مؤسسية وثقافية أوسع، ثم امتدت آثار هذا التحول إلى مناطق كثيرة من العالم. وجعل عصر الأنوار الحقوق والضمير في قلب التفكير السياسي. ثم جاءت الرومانسية فحوّلت الفردية إلى ضرب من الرسالة الشخصية. صار الفنان والعاشق والمتمرد والعبقري، رموزا لحياة ترفض أن تُحاصر داخل الصيغ الموروثة.
في هذا التاريخ قدر واضح من النبل؛ فمن دون صعود الحرية الذاتية، يغدو من الصعب تخيل اللغة الحديثة للحقوق والضمير والتعبير والكرامة الشخصية. كان الفرد سيظل مدفونا تحت ثقل التقليد. إن حق الاختلاف، وحرية الاعتقاد والكلام والكتابة ورفض الظلم الموروث، كلها تنتمي إلى هذا التاريخ الطويل للحرية الداخلية.
غير أن لهذا الانتصار كلفته الخفية. حررت الفردية الحديثة الذات، ثم تركتها مكشوفة. فحين تتوقف الهوية عن أن تكون معطاة، تصير شيئا يجب إنتاجه. يصبح الفرد مؤلفا وقاضيا ومحررا وناشرا لوجوده الخاص. وتتحول الحرية إلى مطلب ثقيل. وعلى المرء أن يحسن الاختيار، وأن يروي نفسه على نحو مقنع، وأن يبقى أصيلا، وأن يطوّر ذاته بلا انقطاع، وأن يقدم صورة متماسكة عن نفسه لعالم يغيّر شروط الاعتراف كل يوم.
من هنا يأتي القلق الذي يطارد الحياة الحديثة. يُقال للفرد إنه حر، ثم تُلقى عليه مسؤولية جروح صنعتها قوى أوسع منه: الأسواق، والتقنيات، والتراتب الاجتماعي، وتآكل الجماعات القريبة.
يتحول الفشل إلى عيب شخصي، حتى حين تكون أسبابه بنيوية. والذات التي جرى الاحتفاء بها بوصفها صاحبة السيادة تجد نفسها مثقلة بما يفوق طاقتها.
ما بدأ في الفلسفة سؤالا عن الحرية، صار في الثقافة الرقمية سؤالا عن العرض: كيف يرى الآخرون هذه الحرية؟ وكيف يمكن تحويلها إلى صورة؟
كثّفت الثقافة الرقمية هذا الشرط. فالهوية، في الثقافة الرقمية، صارت شيئا يُدار كما تُدار الصورة العامة. حوّلت وسائل التواصل الذات إلى معرض وأرشيف وعلامة وأداء. يمكن لكل ذوق ورحلة وصداقة ورأي وحزن، أن يدخل في سردية مرئية. يبدو الفرد أكثر حرية من أي وقت مضى، لكنه غالبا يتكلم عبر قوالب صممتها المنصات والأسواق. حتى الأصالة صارت أسلوبا قابلا للتسويق.
وهنا تظهر المفارقة الأعمق. فقد نشأت الذات الحديثة بوصفها تحررا من السلطة الخارجية، لكنها صارت مهددة بالوقوع في إنتاج لا ينتهي لذاتها. قد يفر الإنسان من الأدوار الموروثة، ثم يخضع للمقاييس. وقد يهرب من سلطة الجماعة، ثم يتعلق بالظهور. وقد يعلن حقيقته الخاصة، ثم يفقد صلته بالعالم المشترك مع الآخرين.
وتبدو النتائج السياسية لهذا شديدة الخطورة؛ فحين تصبح القناعة الداخلية المقياس الوحيد للحقيقة، تبدأ الحياة العامة في التفتت، ويتحول الخلاف من بحث عن معنى مشترك إلى صراع بين روايات مغلقة. وتغدو الوقائع قابلة للمساومة، فيما تفقد المؤسسات هيبتها تباعا. والفرد الذي كان يسعى إلى تحرير ضميره من الوصاية قد يرفض أي واقع لا يوافق روايته الخاصة. وهكذا يمكن لثقافة قائمة على التعبير الذاتي أن تنزلق، بهدوء إلى ثقافة الانغلاق الذاتي.
لذلك يعود سؤال هيجل بإلحاح: كيف تستطيع المجتمعات الحديثة أن تصون حرية الفرد من دون أن تفكك الروابط التي تجعل الحياة المشتركة ممكنة؟ لن تأتي الإجابة من العودة إلى الطاعة القديمة؛ فالعالم المغلق للأدوار الموروثة لا يستطيع إرضاء وعي اكتشف حريته الداخلية. وفي المقابل، لا يستطيع مجتمع أن يصمد إذا تحولت كل ذات إلى مملكة خاصة.
المهمة أمام الثقافة الحديثة أعقد من ذلك بكثير؛ أن توفق بين الحرية الداخلية والحقيقة المشتركة؛ بين الكرامة الشخصية والمسؤولية العامة؛ بين الفردية وأشكال انتماء لا تسحق الروح. لقد صار الإنسان مشروعا غير مكتمل. والتحدي الآن ألّا يتحول هذا المشروع إلى خيال وحيد، يكتب نفسه ضد العالم، عوضا عن أن يكتب ذاته داخله.
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان
