أمومة بلا لبأ!
هل تستوي أمومة بلا لبأ؟ وكيف يبدو طعم الحليب إذا ما تخلى عن بياضه؟
يُقال، من لا يحسن ذرف دموعه.. يموت كمدا. لست متأكدة إلى أي مدى هذه المقولة حقيقية. فأنا أجيد ذرف الدموع بسخاء. بل لا أملك مؤخرا غير دموعي أتلهّى بها عن عتمتي. ولكنني لم أمت. أعيش كل يوم على أمل أن تشفق عليّ نطفة من زوجي لتتشكل جنينا أسقيه من روحي، ثم طفلا أعيش معه أمومتي الأولى. طفلا واحدا فقط يا رب. ثم لا أريد غيره. ولن أطلبك شيئا آخر بعد هذا. أعدك يا إلهي أنني سوف لن أشكو التعب والإجهاد من الحمل والتربية. كخالتي التي تتذمر من انتفاخ بطنها بالأجنة كل سنة. ولن أضربه بملعقة الطبخ الخشبية كما تفعل أختي بأبنائها الصغار. ولن أطلقهم في الشارع بإهمال كما تفعل جارتي كثيرة الثرثرة والإهمال. أنا يا رب لي قلب أنت أعلم به مني. يزداد هشاشة أمام لغة الأطفال. ويذوب شوقا كلما سمعت طفلا ينادي أمه. أرجوك يا رب امنحني طفلا واحدا فقط لا غير. يقول لي ماما. أناغيه وأصبح له عشقا أبديا لا ينتهي ويكون لي نقطة ضعف لن أقوى بعدها. أعاهدك بأن أعلمه مما أوتيتُ علما. وأبذل له قدرا سخيا من صحتي ومن عمري. وهل العمر إلا طوفان هادر غاصب لا يوقفه شيء، بعد أيام أطفئ الشمعة الثانية والعشرين على زواجي، وأنا أقف على أعتاب الخمسين من عمري. ترى هل ما يزال حقلي خصبا وتربتي قابلة للحرث؟ أم أن الأمومة لا تليق بي وبرئت مني تماما؟ وماذا تحتاج الأمومة غير قلب أخضر كقلوب الكائنات اللطيفة، بل وحتى الكائنات الشرسة، تخذلها أمومتها وتلين في ضعف مطلق أمام مشاعرها تجاه صغارها.
عهدي بقلبي أنه لم يتشوّه قط. عدا المواقف الطفولية التي كنتُ حتى وقت قريب أمارس فيها المشاكسة من حين إلى آخر. في صغري، كان إصبعي العنيد يختار جرس باب بيت جارنا المقرئ الشيخ أبو عمر، ليرن الجرس صارخا ظهيرة كل يوم، ويخرج الشيخ بعيون منتفخة وغاضبة تقدح شررا. متوشحا بإزاره، فزعا مستفيقا من نوم آخذا في عمقه بعيدا. ثم بعد صلاة العصر، ينتقم منا بعد تحلّقنا في رواق ملحق بالمسجد وضعت عليه لوحة الكتّاب، ويتناول عصاه الطويلة التي تتربص بأخطائنا في التلاوة لتنهار فوق سواعدنا اللينة أو في قاع أقدامنا. راسمة خطوطا حمراء منتفخة تزول بعد مط شفاهنا وتكويرها لننفخها بضع ساعات. ونبدو كما قال طه حسين: «أحرارا كالعبيد وعبيدا كالأحرار». ثم بعد أن خطوت نحو الصبا والمراهقة، كنتُ أنافس أخي الذي يكبرني بعامين في تجميع الجنادب والجراد وتشريحها وهي حية. كنا نستمتع بفصل ساقاها الطويلان، ثم انتزاع أجنحتها الكبيرة وفحص عيناها المستديرة في جحوظ. علمني أخي رحمه الله حب الاستكشاف وفحص أدق الأشياء. ثم انتزع منا أخي في حادث مروري قبل بضعة أعوام. ترمّلت على إثره زوجته ونحبت كثيرا. كانت كلما راودها الضعف بعد رحيل زوجها تردد، ليتني مت معك وليتني لم أرث منك ثلاثة أطفال يتامى. كنت أشعر بوخز كبير في قلبي عندما أسمعها تبكي حسرة على وجود أطفال ثلاثة بلا أب. أتساءل ترى هل تختلف الأمومة أو تتأثر مشاعرها بوجود الأب أو غيابه؟ وبكل الأحوال، كبر الثلاثة اليوم وأصبحوا يافعين تمتد سيقانهم ليصبحوا أطول من أمهم التي كانت تبكي متحسرة على وجودهم بلا أب.
لا أعرف لماذا تنهمر على ذاكرتي هذه المواقف اليوم، وقد انسلخ زمان وارتدّ آخر. فأنا أرى آثار الزمن على الجميع عداي. لا أزال كما أنا، أتكور في جسد سمين. أحمل معي اكتناز وزني المفرط والدهن الذي حال دون أن أخبئ طفلا بين أحشائي. قال لي أطباء كثر، إن السمنة أحدثت خلل في توازن هرموني الاستروجين والبروجستيرون، وهذا ما سبب شللا في الإباضة لدي حتى توقفت تماما وتعطلت مبايضي منذ مدة. تلازمني السمنة منذ الطفولة، ولازمني معها التنمر طيلة فترات دراستي، منذ الكتّاب، ثم الابتدائية وحتى تخرجي من الجامعة وفي وظيفتي أيضا. تُطلق النكات عليّ بإسهاب وبلا توقف. لم يشفع لي تفوقي الدراسي والمهني قط. عندما تزوجت، سمعت تعليقات فجة تكررت كثيرا أمام مسامعي وخلفها، من قبيل: «أعان الله زوجها فلن تُبقِ له شيئا ليأكله»، و «إذا ما اصطدمتْ به يوما سيموت مختنقا»، «ماذا أحَبّ بها، سوف تُفقره شراهتها»، «ستأكله يوما ما إذا جاعتْ».. كلها بذاءات عاقة. يتناولون فيها الواقع بأبعاده الظاهرة ولا يعلمون أنني لم أكن شرهة يوما. لم يُغرني الطعام قط. بل على العكس تماما. فأنا أرى في الأكل سببا يرتبط به اسمي ليطلقون النكات علي. لذا أجدني أنفر من الأكل، ولا آكل إلا بقدر ما يُقيم صلبي فقط. لكنني حملتُ وزني كإثم «ليس في قبحه إثم». اليوم، بعد خمسة عشر عاما، ما زلتُ أستعيد ما صنعه بي «آرش» في يوم أمومتي، فلم يكن يشبه يوم عرسي في شيء، كان كل شيء يبدي لي اللطافة. بدءا من الحارس الأمني الذي سمح لي باستخدام المواقف الداخلية للوزارة ليجنب جسدي ثقل المشي تحت شمس الظهيرة، ثم الشاب ذا الابتسامة المشعة الذي يقف خلف مكتب الاستقبال العام للوزارة والذي بدا وكأنه كان في انتظاري ليدلني على دائرة شؤون الأطفال اللقطاء بالوزارة، ثم الموظفة التي تناولت مني رأس الموضوع وبدأت بالنقر على لوحة حاسوبها لإدخال بياناتنا أنا وزوجي كوالدين بالتبني، حتى أخرجني صوتها من غرقي في التفاصيل الصغيرة التي شعرتُ بأنها تعنيني وهي ليست بالضرورة لي، ولكن عين قلبي رصدتها لي مواقف كما أحب أن أقرأها. عين القلب لا تكذب أبدا. قالت لي، هل لديكِ اسم للطفل حتى يتم تسجيله الآن رسميا؟ كنتُ قد أعددت جوابا منذ سنين خلت، وتهيأتُ تماما لهذا اللحظة العظيمة الفارقة. فقلتُ لها وأنا أفرك إبهام يدي اليمنى في بطن كفي اليسار بحماس بالغ وبصوت طفل منتش في ارتباك وغبطة، «آرش». شعرتُ باستنكارها للاسم، فرددت مؤكدة.. آرش؟ ... أرش؟! ثم سألتني.. ماذا يعني آرش؟ سكتّ وكانت ملامح وجهي كلها تتبسّم وكأنني المنتصر الوحيد في معركة بطرف أحادي. عيناي تلمعان بفرح لم أختبره في نفسي سابقا، لم أكن أملك أن أحكم مبسمي المنفرج باتساعه الأقصى لأمنع إفشاء سعادتي. لا يسعني الوقت والظرف لأن أقل لها عن جدتي فرزانه الفارسية، التي زوّجها أبيها بجدي العربي بعد أن اختبر فيه نبل أخلاقه متفوقا على أقرانه في العمل. كان يعمل لدى أبيها في نسج الحرير وبيعه على تجار مدن كاشان تبريز وكرمان وأصفهان. جدتي فرزانة التي ورثتُ عنها قصصا كثيرة من التراث والميثولوجيا الفارسية القديمة، كانت إحداها الأسطورة الزرادشتية الشهيرة «آرش كمانگير» التي تدور حول نزاعا قائما بين الفرس وخصومهم حول الحدود، فاقترحوا أن تُحسم المسألة بسهم يُطلق من قوس آرش، وأن تكون الأرض التي يصل إليها السهم حدا فاصلا بين المملكتين. أطلق آرش سهمه بكل ما تبقى فيه من قوة وحياة، فطار السهم لمسافة خارقة للعادة، لكنه بعد الإطلاق سقط ميتا كأن روحه خرجت مع السهم. وهكذا أنقذ قومه ورسم حدود وطنه بروحه مع اندفاعته الأخيرة كما رسم هذا الطفل حياتي وسعادتي بعد بلوغي الخمسين من عمري الذي أرقته انتظارا. لم أجد حينها من داع لأن أشرح القصة بتفاصيلها للموظفة التي لا يمكن لها أن تشعر بما يعتمل في صدري تلك اللحظة. فتجاهلتُ سؤالها واكتفت هي بأن قرأت ابتساماتي التي أنصفتني تلك اللحظة. كنتُ ممتنة لهذه المساحة التي وهبتنيها بلا حول منها.خرجتُ من مكتبها بعد أن أصبحتُ رسميا أما لها حق استلام طفل نُسب إليها بموجب ورقة. ورقة فقط. سُكب ما سكب فوقها من حبر ليجعلني أم. ما أسهل الأمومة القانونية وما أبعدها عني جينيا! أصبحت أما بقرار قضائي ووثيقة رسمية. توجهت بموجب هذه الوثيقة إلى دار اللقطاء واستملتُ الطفل. طفلي أنا. من ملكته منذ هذه اللحظة.
كأنني أتعلم المشي في الحياة لأول مرة، مذهولة بتفاصيل اللحظة. حملتُ آرش بحذر شديد. ملتفا بقطعة قماش أبيض خفيف. وخشيت أن أفسدها بغير التأمل الغارق في وجهه الصغير، الجبهة التي تشبه صفحة بيضاء، الرموش الناعمة التي تستريح على حافتي جفنيه، وقلت مرددة: آرش، الرامي الذي أطلق سهمه فرسم به حدود البلاد. شعرت وأنا أضم هذا الطفل، أن سهما قد انطلق في داخلي أيضا ليعيد رسم حدودي. قبله كانت حياتي ضيقة في جسد ضخم، وبعده اتسعت فجأة كأفق. كان نائما يتوسط ذراعي ليملئني. وقلت له همسا في أول حديث بيننا.. «آرش».. اخترت لك اسما قصيرا، حادّا، هينا كصوت انشقاق البحر. أردته أن يكون حدا فاصلا بين امرأتين.. تلك التي كانت تعدّ خساراتها كل مساء، وتلك التي صارت اليوم تعد أنفاسك يا صغيري وأنت في غفوتك الرقيقة نائما مطمئنا.
وجدتُ بعدها في فضائي الذي اتّسع أكثر مما يجب، ما يجعلني أستفيق كل ليلة مرارا لأتفقد آرش. طفلي الذي لم يرهقني من أمري عسرا ولم يحملني أوزارا ليست لي. أنا التي حمّلتُ أبي قبل مماته ما لم يطق حين سمعته يوما يقول لأمي باكيا في أسى مرير.. «يشيع حزن ابنتي الكبرى حتى يغشانا جميعا ولا نملك أن نزرع في قلبها السعادة».. آه يا أبي لو أملك أن أستعيدك تارة أخرى لساعة واحدة فقط. أريد أن أخبرك عن سعادتي اليوم. كان أبي سريع التأثر بما يسر وما يسوء.. قلبا لينا رقيقا أورثنيه بعد رحيله المر. أدركتُ اليوم أن موته جاء في غير أوانه حين انسلّ إلى غيابه الرحيب.أصحو فجرا كل يوم لأنبش سرير ابني آرش وأحمله في حذر شديد. أضعه في صدري، لصيقا بنبضي. في تلك الأثناء، يصبح اقتطاع تلك اللحظة من وجداني عسير جدا علي. وأشعر وأنا أتطلع في عينيه، بأنني وهذا الطفل، طفلي أنا.. ينبت بيننا امتنان صامت، أنظر إلى وجهه ويغوص في عمق عيناي، أشعر به كأنه ينظر ولا يرى. وأقرأ ما تيسر في عينيه من لغة. أتفرس عيناه المشعة في سواد، وأفكر... أعلم بأني وهذا الملاك بين ذراعي، خلق لنا أو بنا سببين جوهريين لنمو وامتداد العلاقة: أن أكون به أُمّا، وأن يكون بي ابنًا. معادلة قدرية صنعها لنا الله. عليّ الآن أن أخلق صلة فيما بيننا برابطة رضاعية حتى ينتمي هذا الطفل لي شرعيا واجتماعيا. بدأتُ بحثا فضوليا ينبع من حاجة ملحة، لأتمكن من إرضاع آرش. ترددتُ على أطباء كثر، بعضهم يضحك ساخرا من محاولتي إقناعه بأنني قد قرأت تقريرا لباحثة من الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تؤكد فيه إمكانية إدرار الحليب من ثدي امرأة عقيم عبر تطبيق عملية تُعرف طبيا باسم الإرضاع المُحَفَّز أو الإرضاع المُستحث، يقتنع فيه الجسم تدريجيا بأنه في حالة أمومة. فتنشط الغدد اللبنية وتبدأ بإفراز هرمونات الحويصلات اللبنية. استغرقت هذه العملية مني شهورا حسبتها دهرا. لكنني كنت أستمتع بممارسة تلك اللحظات البيولوجية والإنسانية المدهشة. أن أمشي في طريق يؤهل أمومتي، هو شيء عظيم.آه ما أجمل ما مررت به في علاقتي بابني الحبيب الذي لم يذق طعم اللبأ. فأنا لا أزال حتى اليوم، أغضب من النافذة الوقحة التي تسرب لآرش ضوء الشمس رغما عني وعنه وأجده يجعّد جبينه وجفناه الصغيران من الضوء الفج الذي يستبيحه. فأسدل الستار وأغطيه بلحافه ثم أقبّل وجنته وأضعه وديعة غالية بيد الله وأخرج إلى عملي يرافقني دعاء له بأن يسعد في حياته بلا شقاء كما أسعدني وأزاح عني شقائي.tttt
آية السيابي روائية عُمانية
