No Image
عمان الثقافي

أخبار من سكن المدينة..سردية نسوية لتاريخ دار الهجرة

24 ديسمبر 2025
24 ديسمبر 2025

إبراهيم فرغلي -

«السياسة الأمينة بأخبار من سكن المدينة» عنوان لافت لكتاب فريد على مستويات عديدة بينها فكرته الرئيسة. فقد اختارت الدكتورة زينب أبو المجد، مؤلفة الكتاب الصادر عن دار المرايا في القاهرة، إعادة سرد التاريخ السياسي والاجتماعي للمدينة المنورة عبر مرويات عدد لا يحصى من سيدات قمن ببناء دولة الرسول (ﷺ) معه، أو حتى من سعين لهدمها بلا أمل. أي أنها تتبنى لونًا من «السرد النسوي»، إن صح التعبير، تأكيدا لما سيسفر عنه ذلك من تتبّع لونٍ من الهندسة الاجتماعية للمدينة تتشكل من خلال روايات هؤلاء النساء.

استندت المؤلفة في الكتاب -بشكل كامل- لمصادر تراثية فقط، من كُتب السَلَف الأولين من العلماء. فالكتاب يستند إلى الكتب التأسيسية الأولى في علوم الحديث والتفسير والسيرة النبوية والتراجم والطبقات والمغازي، بالإضافة إلى التاريخ بطبيعة الحال. ومن خلال هذه الرحلة يروي الكتاب تاريخ مدينة النبي (ﷺ) ومن سكنها معه من رجال ونساء قاموا ببناء دولة المسلمين الأولى.

هدم الحجرة الشريفة

اختارت الدكتورة عبد الرازق لبداية الكتاب حدثًا مفصليًا يعود لعام 881 هجرية الموافق 1476م، وبالتحديد في منتصف الشتاء القارس، «حينما هزت الأنباء الصاعقة المدينة وأهلها: سيتم هدم الحجرة الشريفة، وسينكشف من داخلها قبر النبي (ﷺ) بعد ثمانمائة عام كاملة على غلقها المحكم بالجدران الصلدة التي لم ينفذ منها أحد قط قبل هذا اليوم العصيب».

فقد كانت تلك الحجرة الصغيرة للغاية في الأصل هي الحجرة «التي سكنت فيها ولمدة تقرب من ستين عامًا أم المؤمنين وناقل أحاديث النبي (ﷺ) عائشة. من بعد دفن النبي (ﷺ) معها فيها، دفن بجواره أبوها أبو بكر الصديق له ثم صاحبهما عمر بن الخطاب. وظلت تعيش فى الحجرة تقتسمها مع القبور الشريفة الثلاثة، وتسمح للمسلمين بالدخول لزيارتهم. وبعد وفاة عائشة، رفعت طبقات الجدران الصمّاء حولها. هدم تلك الجدران الآن إنما يعني فض ستر بيت زوج النبي (ﷺ) والنظر إلى حرمة ما فيه، بعد مرور الأزمنة الطوال على محكم إغلاقها».

أما التفاصيل التي تتبنى سردها فمصدرها المؤرخ نور الدين السمهودي، الذي عرفت عنه الكاتبة بالصدفة، ويعد من أول من أرّخوا لبناء وعمارة وأعمال الترميم في المدينة، وكان معاصرا لواقعة هدم الحُجرة التي تضم قبر النبي (ﷺ) إضافة لقبري كل من أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما.

وصلت الأخبار المثيرة للاضطراب الشديد للإمام نور الدين علي السمهودي؛ وهو أحد علماء المدينة المقيمين بها في ذلك الوقت. كان قرار الهدم أمرًا سلطانيًّا أُرسل من القاهرة معززًا بالمهندسين والعمال لتنفيذه. سقط سقف الحجرة وتشققت جدرانها، وصارت على حال لم يعد يصلح معه الإبقاء عليها قائمة، فرأى السلطان الأشرف قايتباي، صاحب دولة المماليك التي كان يقع تحت حكمها الحجاز آنذاك، ضرورة هدم الحجرة بمجملها وإعادة بنائها.

وكمثل العديد غيره من علماء المدينة رفض السمهودي القرار وحاول مقاومة تنفيذه، فهذا أمر جلل مهيب، لم يحدث مثله مسبقا قط، منذ أن بنيت تلك الجدران المصمتة حول القبر الشريف في 91 للهجرة. فقبل قرون طويلة، حينما أمر الخليفة الأموي بدمشق بهدم جميع حجرات زوجات النبي لم يشتمل القرار على حجرة السيدة عائشة. يخبرنا السمهودي أن حجرات أمهات المؤمنين كانت ملاصقة لمسجده، وكانت بيوتا صغيرة للغاية لا تتجاوز أمتارا، وقد بقيت كافة أمهات المؤمنين يعشن فيها حتى توفين جميعا، ثم أصابها القدم وتم هدمها في عام 88 للهجرة بأمر من الخليفة الوليد بن عبد الملك وقد نفذ الأمر ابن عمه عمر بن عبدالعزيز.

وبعد الهدم ولج السمهودي بقدميه إلى أرض الحجرة المنكشفة ونظر بعينيه لما فيها، فكان أحد شهود العيان القلائل على ما يمكث في تربتها، قبل أن تُغلق الحجرة مرة أخرى، في تلك المرة للأبد. والتي، وفقًا لقول الكاتبة؛ «لن يلجها أحد مرة أخرى لمدة ستمائة سنة قادمة، حتى عامنا هذا ويومنا هذا الذي تقرؤون فيه هذا الكتاب».

شاهد عيان

قدم السمهودي وصفا تفصيليا دقيقا لكل ما رآه داخل حجرة السيدة عائشة، وترك ما سجله في كتابه المبهر لتاريخ المدينة المنورة: «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى». ولم يكن في الأصل من أهل المدينة؛ فقد ولد في أقصى صعيد مصر، بقرية سمهود، ولكنه جاء لمدينة النبي (ﷺ) شابًا طلبًا للعلم، ثم صار معلمًّا وتزوج وعاش ومات فيها. وسواء في مصر أو الحجاز، عاش السمهودي طوال حياته في ظل دولة المماليك التي كانت مدن الأراضي المقدسة خاضعة لحكمهم، وشهد اتخاذ السلطان الأشرف قايتباي في ديسمبر من 1476م قرار هدم جميع جدران القبور الشريفة ورفع حوائط جديدة حولها.

بهذا الكتاب في الحقيقة تعيد الكاتبة صوت المرأة العربية في التأريخ، ولا يقتصر الأمر هنا على أن السرديات التي تتبناها تخص صوت النساء من أمهات المؤمنين أو من النساء المعاصرات للحقب التاريخية التي يتناولها الكتاب. بل يتجاوز ذلك لتقديم صورة مسكوت عنها للمرأة العربية، إذ تكشف أدوارا لنساء شهيرات مثل خديجة بنت خويلد مثلا بوصفها المرأة الصلبة القوية التي تدير أعمالها، وتتخذ قرارا بالزواج من النبي محمد (ﷺ) على غير رغبة أهلها، ونساء مثل نسيبة بنت كعب؛ التي حاربت مع المحاربين في غزوة أحد، بل وكان لها دور في الدفاع عن النبي نفسه، وشاركت في أكثر من غزوة ببطولة واستبسال.

نساء باسلات

ففي فصل بعنوان «يغزو الرجال ولا تغزو النساء» تتناول الكاتبة سير عدد من النساء اللائي خضن المعارك وأبدين بسالة لا تقل عن بسالة المقاتلين.

تقول الكاتبة:

«كانت الأختان أم حرام وأم سليم قد بايعتا رسول الله (ﷺ) بشكل مباشر، ولكن في يوم غير يوم بيعة الحرب».

ثم تشير إلى نموذج آخر للبسالة النسائية قائلة: «هناك سيدة أخرى حضرت بيعة الحرب وأعطتها للنبي، ثم التزمت بها، كلمة بكلمة، ما حييت، هي أم عمارة نسيبة بنت كعب، وكانت بالمثل نجارية من أخوال النبي».

وتستطرد لتوضح أنه لمّا ارتحلت أم عمارة المبايعة النبي (ﷺ) في العقبة، كانت واحدة من امرأتين فقط حضرتاها من وسط جمع من الرجال. اشتهر عنها تحمسُها الشديد للقتال لنشر الرسالة، وإصرارها على البقاء وسلاحها بيدها في أحلك المعارك وأكثرها قسوة. لم تفت نسيبة غزوة ولا حملة، متى استطاعت الخروج إليها.

ثم تقدم تفصيلا لدورها الممتد طويلا فتقول: «رأيناها في مبتدأ الأمر تبرز بسيفها ورمحها وقوسها بجوار النبي وحنين بعامي 7 و 8 هـ، وانتهيا بنصر مبين وغنم عظيم للمسلمين. ثم رأيناها فى منتهاه، يوم أحد، والجيش تضربه الهزيمة في عام 3 هـ . ثم رأيناها في أوسط الأمر بغزوتي خيبر، ثم بعد وفاة النبي، تخرج مع جيش المسلمين في حروب الردّة في شرق جزيرة العرب».

توضح الدكتورة زينب أبو المجد أنه لم يكن من الغريب أن تناقش الصحابية نسيبة مع النبي الله مسألة حرجة، وهي تفضيل ظاهر للرجال على النساء. ومثلها أيضا السيدة أم سلمة، إحدى أرامل غزوة أحد، التي ستصبح زوجة نبي بعد أن مات زوجها من جراء جروحه في تلك الغزوة. فقد أثارت مع نبي الله مسألة أخرى أكثر حساسية، وهي غنائم المعارك. وتبين الكاتبة أنه في كلتا المسألتين، اقتضى الأمر نزول آيات قرآنية لإجلاء الكدر والشكوى، وإزالة اللبس عن عقول المؤمنات.

سيرة نساء سيرة مدينة

كما تضيء الكاتبة، في إطار سردها لتغير بناء المدينة وتوسعها وما طرأ على المسجد النبوي من تطورات موازية، سيرة بعض النساء اللائي عرفن ببراعتهن في قرض الشعر، حتى لو كان الدور الذي قمن به معارضا أو مناوئا لإرادة النبي وأصحابه، مثل الشاعرة عصماء بنت مروان التي لم تقبل بمجيء المهاجرين للمدينة. ودأبت على هجاء النبي محمد والإسلام شعرا، وساجلها حسان بن ثابت، ثم قُتلت، وفقا للرواية الشائعة، على يد أحد أبناء عمومتها.

كما تلقي الضوء على النساء المهمشات أو اللائي كانت أصواتهن أكثر خفوتا من غيرهن بمن في ذلك بعض زوجات النبي، مثل السيدة سودة بنت زمعة، ثاني الزوجات وصاحبة الغرفة الثانية، وتفصل أسباب خفوت صوتها وقلة الأحاديث التي روتها عن النبي (ﷺ)، ثم تنتقل، وفقا لترتيب خاص، لتتبع بقية أمهات المؤمينن.

تغيرات ديموغرافية

تورد الكاتبة الوقائع التي أدت إلى إزاحة اليهود عن المدينة؛ بين تفاصيل أخرى تتناول البيوت والأحياء وأهلها أو سكانها، بما يجعلها تكشف بنوع من التفصيل تشكيل وتوسع مدينة النبي في عهد النبوة.

فمن ضمن تخطيط النبي (ﷺ) للمدينة أنه اختار عدة ساحات واسعة ليجمع فيها الناس لصلاة العيد، وتكون أعدادهم عندها غفيرة من نساء ورجال. حدد السمهودي مواضع تلك الساحات لنا بدقة، وعَدَّ بينها ما كان عند دار الصحابية الشفاء بنت عبدالله العدوية، قريبة عمر بن الخطاب، وهي التي قامت بتعليم ابنته أم المؤمنين حفصة القراءة والكتابة.

كان النبي (ﷺ) يأمر جميع نساء المدينة بدون استثناء بالخروج لصلاة العيد وسط الجموع عيدي الفطر والأضحى، حتى يُشاركن في الخير والدعوة الصالحة لكل المسلمين. حثهن على ذلك حتى وإن كُن فقيرات واقتضى الأمر أن يستعرن الملابس الملائمة من بعضهن البعض للانضمام لجمع المحتفلين.

أما بالنسبة للأسواق وتوسعها والتغيرات التي مرت بها فتشير المؤلفة إلى واقعة صراع كبير، نشب بعد أسابيع قليلة من عودة المسلمين من غزوة بدر منتصرين، «إذ تعرضت امرأة مسلمة لاعتداء مهين من تاجر يهودي بتلك السوق، ولكن لم يردنا اسم تلك السيدة. كانت بدوية جاءت ببعض الإبل والغنم والمتاع لتبيعها بسوق بني قينقاع، ثم ذهبت لصائغ يهودي وجلست عنده، ولكنه سخر منها وعمد لكشف جزء من ملابسها. انقض رجل من المسلمين الموجودين بالسوق على الصائغ وقتله، ثم قتل اليهود بدورهم هذا الرجل المسلم، ومن فوره اشتعل الصراع بين مسلمي المدينة وكل بني قينقاع. حاصر جيش المسلمين بني قينقاع حوالي خمس عشرة ليلة، وكاد أن يُقتل رجالهم جميعًا، وكانوا حوالي 700 رجل. تشفع لهم بإصرار شديد حليف لهم قبل الإسلام، الخزرجي زعيم قومه عبدالله بن أبي بن سلول، وطلب من النبي (ﷺ) مرارًا وبإلحاح ألا يقتلوا. وهب النبي لابن سلول بني قينقاع، لم يُعدم أحد منهم، ولكن تم إجلاء كل عائلاتهم من المدينة».

وهكذا صارت المناطق التي يقطنها بنو قينقاع وسوقهم من الأماكن التي يسكنها مسلمون. وبالمثل سيتكرر الأمر عندما تتم محاصرة حصون بني النضير، بجنوب المدينة بمنطقة العوالي، وإجلاؤهم بعد أربعة أعوام من الهجرة، ومرة أخرى عند محاصرة حصون بني قريظة، أيضًا بجنوب المدينة، بعد خمسة أعوام من الهجرة. سوف يُعيد ترحيل القبائل اليهودية الثلاث عن المدينة تقسيم خططها. سوف تتسع فيها بشكل حثيث مناطق للأمة الجديدة التي تسكنها . المسلمين، حتى تصير في ظرف أعوام قليلة جميع ديارها وحوائطها وآطامها وأسواقها. وأعيد تخطيط المدينة مجددا من بعد ذلك.

وتتضمن صفحات الكتاب الكثير من الأحداث التي طالت بعض أمهات المؤمنين، وأحاديث الإفك، وكذلك الوقائع الكبرى من مثل الفتوحات والغزوات، إضافة إلى الفتن التي أعقبت وفاة النبي (ﷺ).

كتاب خاص في تناوله لسيرة مدينة لها دور مركزي في تأسيس دولة الإسلام، وفي الزوايا التي يتم بها إضاءة جوانب من أصوات النساء التي تمت إزاحتها أو التغافل عنها في مرويات السير. ورؤية جديدة للتناول التاريخي والتأريخ.

إبراهيم فرغلي كاتب وروائي