No Image
عُمان الاقتصادي

ما هي خيارات القطاع الخاص عندما يتقلب مزاج الاقتصاد؟

10 فبراير 2026
10 فبراير 2026

لعل أبرز سمات الاقتصاد العالمي خلال السنوات الـ 30 الأخيرة أنه أصبح كثير التقلب وسط العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية والصحية، فلا يكاد يتعافى من أزمة حتى يواجه أزمة أخرى قد تكون أشد ضراوة من سابقتها، فلم يكد العالم يتجاوز الأزمة المالية الآسيوية في عامي 1997 و1998 حتى استقبلتنا أزمة فقاعة الانترنت بين عامي 2000 و2001 والتي أثرت على شركات التكنولوجيا بشكل واضح، ثم الأزمة المالية العالمية في عام 2008 التي أدت إلى ركود عالمي استمر عدة سنوات وأدى إلى انهيار عدد من البنوك الكبرى، وتم تصنيف هذه الأزمة – آنذاك - على أنها أخطر أزمة منذ "الكساد العظيم" في عام 1929، وبحلول عام 2010 بدأت أزمة الديون السيادية الأوروبية نتيجة للمديونية العالية، ثم واجهنا بدءا من عام 2014 أزمة أسعار النفط مع ازدياد المعروض النفطي وتباطؤ الاقتصاد العالمي وألقت هذه الأزمة بظلالها على دول مجلس التعاون الخليجي، ولم يكد العالم يتعافى من هذه الأزمة حتى واجه جائحة كوفيد-19 في عام 2020 واستمرت تداعياتها عدة سنوات وتم تصنيفها على أنها أسوأ انكماش اقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية ولم يتمكن العالم من تجاوزها إلا بعد عدة سنوات مع قيام معظم دول العالم بالعديد من الإجراءات التي تضمنت تحفيزا ماليا ونقديا وتشريعيا.

ووسط هذه الأزمات تبرز العديد من التساؤلات التي تتمحور حول: كيف يتكيف القطاع الخاص مع اقتصاد غير متوقع؟ وما هي استراتيجيته عندما يتقلب "مزاج" الاقتصاد العالمي؟، وكيف يستعد القطاع الخاص لسيناريوهات التغير الدائم في الاقتصاد والسياسة وازدياد الأزمات الصحية؟ وما هي خياراته لمواجهة كل هذه المتغيرات؟.

إذا عدنا إلى الوراء؛ سنجد أن مصطلح "القطاع الخاص" بدأ يأخذ أهميته في ثلاثينيات القرن الماضي ثم أخذ في الاتساع بعد الحرب العالمية الثانية حيث بدأ التمييز بشكل واضح بين أنشطة القطاع العام التي تديرها الدولة، وأنشطة القطاع الخاص التي يملكها ويديرها الأفراد والشركات الخاصة بعيدا من ملكية الدولة، وفي السنوات اللاحقة بدأ الاهتمام بمصطلح "الخصخصة" الذي عُنِي بتحويل ملكية الشركات الحكومية إلى القطاع الخاص باعتباره أكثر قدرة على إدارة الأنشطة الاقتصادية وتحقيق الأرباح في الوقت الذي ركزت فيه الحكومات على تعزيز البنية التشريعية الداعمة للقطاع الخاص، وحقق هذا النهج نجاحا في العديد من الدول غير أنه لم ينجح في دول أخرى؛ إذ ظلت الحكومات تدعم القطاع الخاص؛ حينا لأنه لا يستطيع منافسة المنتجات المستوردة أو ليست لديه القدرة على التصدير إلى الخارج، وحينا آخر بسبب الأزمات التي تعصف بالاقتصادات المحلية والعالمية ليصبح القطاع الخاص في هذه الدول غير قادر على تجاوز الأزمات و"الوقوف على قدميه" دون مساعدة الدولة وبالتالي لم يتمكن من أن يكون مساهما حقيقيا في النمو الاقتصادي وفرص التشغيل.

وهذا يقودنا إلى واحدة من أهم القضايا المتعلقة بدور القطاع الخاص في الاقتصادات الوطنية: هل سيظل يتلقى الدعم من الحكومة إلى ما لا نهاية؟ فالأزمات مستمرة والقطاع الخاص يطلب من الحكومة بشكل دائم التسهيلاتِ والتمكينَ والدعمَ، وهذا يعني أن القطاع الخاص لن يتمكن من مواجهة التحديات بنفسه وسيكون عبئا على الاقتصاد بدلا من أن يكون داعما له ومساهما في تنميته.

ومن هنا تبرز أهمية القضية التي نسعى إلى مناقشتها في هذا المقال وهي: "كيف يتكيف القطاع الخاص مع اقتصاد غير متوقع"، والإجابة – في نظرنا – تكمن في مدى قدرة القطاع الخاص على بناء نفسه قبل كل شيء بحيث يستطيع الصمود في وجه الأزمات والتكيف معها ثم التعافي من نتائجها، وبما أن القطاع الخاص يعني استثمارَ الشركات والأفراد في مختلف القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك القطاعات الصناعية والتجارية والسياحية والمالية وأنشطة البيع بالتجزئة والمصارف والتنمية العقارية والخدمات بمختلف أنواعها والمجالات الاستثمارية وغيرها من القطاعات الأخرى، فإن "سقوط" القطاع الخاص وعدم قدرته على الصمود يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد، وبدلا من أن يكون القطاع الخاص داعما للتنمية ومساهما في المرونة الاقتصادية يصبح عبئا على الاقتصاد.

هناك العديد من المكاسب التي يحققها الاقتصاد في ظل وجود قطاع خاص قوي ومساند للدولة؛ لعل في مقدمتها قدرة القطاع الخاص على التأقلم مع ما يحيط بالاقتصاد من أزمات واستجابته السريعة لمتغيرات السوق، وقد لاحظنا خلال جائحة كوفيد-19 كيف استطاعت الشركات، التي اعتمدت على التجارة الالكترونية للوصول إلى المستهلكين، التغلبَ على الأزمة بل وتحقيق الأرباح، ولاحظنا كيف عملت شركات التقنية والاتصالات وشركات التوصيل والترفيه المنزلي والشركات العاملة في قطاع المنتجات الصحية وغيرها من الشركات الأخرى؛ على تحويل الأزمة إلى مكسب لصالحها وقامت بتوفير ما يحتاج إليه المجتمع في ظل فرض إجراءات التباعد الاجتماعي، وهذا يعني أن الشركات التي تستطيع الاستجابة السريعة لمتغيرات السوق واحتياجات المجتمع تكون أكثر قدرة على التصدي لهذه الأزمات.

ويعتبر فريق العمل ركيزة أساسية لبناء قطاع خاص قوي وقادر على تجاوز الأزمات، ولهذا فإن الشركات التي تحرص على استقطاب الكفاءات وبناء الخبرات العاملة في الشركة وتدريبها وتأهيلها تكون أكثر قدرة من غيرها على التجاوب السريع مع التحولات الاقتصادية، كما ينبغي أيضا تشجيع الابتكار وتحفيز المبتكرين لما لذلك من مكاسب عديدة في مجال رفع الكفاءة التشغيلية وفتح آفاق جديدة للشركة تمكنها من تجاوز الأزمات التي تعصف بالقطاعات الاقتصادية.

وهناك جانب آخر مهم على الشركات أن تحرص عليه وهو تنويع القاعدة الإنتاجية والأنشطة الاستثمارية وتوسيع قاعدة الزبائن والمستهلكين وأسواق التصدير والأسواق الاستثمارية بحيث يتم توزيع المخاطر على أكثر من قطاع وفي أكثر من سوق وهو ما يعني تقليل تأثير الأزمات على الشركة وتعزيز قدرتها التنافسية.

وإذا انتقلنا إلى الإدارة المالية فإن اهتمام الشركات بالحوكمة وإدارة المخاطر من شأنه تقوية الشركة من الداخل وتعزيز ثقة المستثمرين فيها والتغلب على أي اختلالات مالية قد تحدث بقصد أو دون قصد، ولو عدنا إلى الأزمات السابقة كالأزمة المالية العالمية وأزمة الديون السيادية الأوروبية لوجدنا أن هناك عاملا مشتركا أدى إلى انهيار البنوك والشركات الكبرى وهو ضعف الحوكمة فيها وتراخي الرقابة عليها، فعلى سبيل المثال انعكست القروض التي منتحها المصارف للشركات والأفراد، وبشكل مبالغ فيه، سلبا على المصارف ذاتها وأدت إلى انهيارها، في حين أن تأثير هذه الأزمات على البنوك والشركات، التي كانت تتمتع بقدر عال من الحوكمة والتنظيم الإداري، كان محدودا واستطاعت عبور الأزمة بسلام.

وفي مجال الإدارة المالية على القطاع الخاص التركيز على الاستدامة المالية عبر العديد من العناصر التي من شأنها تقوية الشركة وتمكينها من عبور الأزمات، ولا يمكن تحقيق الاستدامة المالية إلا من خلال الإدارة المالية المنضبطة؛ بمعنى ضبط التدفقات النقدية وتقليل الديون عالية التكلفة والتحكم بالتكاليف وبناء احتياطي نقدي يمكن استخدامه للطوارئ أو اللجوء إليه لاقتناص الفرص، وفي هذا الإطار أيضا يبرز دور التمويل في تحقيق الاستدامة المالية وتمكين الشركات من تنفيذ خططها المتعلقة بتنويع القاعدة الإنتاجية، شريطة قيام الشركة بدراسة خيارات التمويل المتاحة واختيار نموذج لا يضغط على تدفقاتها النقدية سواء من خلال أسواق المال أو إصدار السندات والصكوك أو التمويل من قبل البنوك والشركات المتخصصة.

إن الاهتمام العالمي بتقوية القطاع الخاص وتعظيم دوره في الاقتصادات المحلية والعالمية حقق العديد من النتائج الإيجابية، غير أن المرحلة الحالية تتطلب مزيدا من التركيز على دور القطاع الخاص في التعامل مع الأزمات، ونعتقد أن الأزمات التي عبرت العالم خلال الـ 100 سنة الماضية أتاحت مزيدا من الفهم للواقع الاقتصادي ومحركاته وعلى القطاع الخاص أن يستفيد من الدروس السابقة، وقبل كل شيء عليه أن يجيد التعامل مع اقتصاد سريع التقلب، كثير الأزمات، ومزاج سياسي متقلب هو الآخر وغير مستقر.