بعد عقد الصدمات العالم يختبر حدود مرونته الاقتصادية
«عمان» - تصدح قاعات المؤتمرات والنقاشات في عالم الأعمال اليوم بمفهوم «المرونة الاقتصادية» ، لا بوصفه مصطلحًا إنشائيًا ولكن كعامل أساسي وهام لفهم قدرة الاقتصادات على البقاء والنمو في سنوات باتت تتسم باضطراب غير مسبوق، فالعقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لم يكن مجرد امتداد لدورات اقتصادية تقليدية بل مرحلة تراكمت فيها الصدمات الصحية والجيوسياسية والمالية والمناخية، وأعادت اختبار متانة النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.
ووفقًا لتقرير «الآفاق الاقتصادية العالمية الصادر عن مجموعة البنك الدولي في يناير الماضي، فإن الخبر الجيد يتمثل في أن الاقتصاد العالمي أظهر منذ جائحة كوفيد-19 قدرة لافتة على امتصاص الصدمات رغم تعاقب الأزمات، فعلى مدى الإثني عشر شهرًا الماضية، شهد العالم زيادات حادة في الرسوم الجمركية وارتفاعا تاريخيا في مستويات عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الاقتصادية، ومع ذلك فمن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2025 نحو 2.7 في المائة وهو المعدل ذاته الذي تنبأ به التقرير قبل عام.
ولم يقتصر هذا الصمود العالمي على النمو فقط بل امتد إلى مؤشرات أخرى، حيث يشير التقرير ذاته إلى تراجع معدلات التضخم وانخفاض أسعار الفائدة وعودة قدر من التفاؤل إلى الأسواق المالية، وبحسب أحد المقاييس يسجل التعافي العالمي من ركود الجائحة باعتباره الأقوى منذ ستة عقود، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي للفرد في عام 2025 بنحو 10 في المائة مقارنة بمستواه عشية الجائحة. كما أن الصدمات اللاحقة، بما في ذلك الحروب وارتفاع التضخم والتوترات التجارية، ألحقت أضرارًا أقل مما كان يخشاه معظم الاقتصاديين.
إلا أن هذه الصورة الإيجابية -كما يحذر التقرير نفسه- تخفي خلفها تحولات أعمق وأكثر قتامة عند النظر إلى أداء الاقتصاد العالمي على مدى الخمسة والعشرين عامًا الأولى من هذا القرن، فالنمو العالمي رغم صموده الظاهري انتقل إلى وتيرة أبطأ بشكل واضح منذ الجائحة واستقر عند مستوى غير كاف لتحقيق هدفين أساسيين وهما: الحد من الفقر المدقع وخلق فرص العمل في المناطق الأكثر احتياجًا.
ويخلص التقرير إلى أن الاقتصادات النامية، ومتوسطة الدخل تحديدا قادرة على التحكم في مسارها عندما تعتمد السياسات الصحيحة، فقد أثبتت التجربة أن الخيارات الاقتصادية ليست محكومة بالكامل بالعوامل الخارجية وأن الإصلاحات المؤسسية والانضباط المالي وبناء الاحتياطيات يمكن أن تُحدث فارقًا ملموسًا في قدرة الاقتصادات على الصمود وحماية مستويات المعيشة، إلا أن المرحلة المقبلة تضع هذه الاقتصادات أمام اختبار تاريخي جديد يتمثل في خلق فرص العمل خلال عقد يتسم بظروف عالمية بالكاد تكون مواتية، ففي الوقت الذي يُعاد فيه تشكيل العلاقات التجارية بوتيرة سريعة ويصل دين الاقتصادات النامية إلى أعلى مستوياته منذ نصف قرن تتقلص موازنات المساعدات الخارجية في الاقتصادات المتقدمة، ما يفرض تحديات إضافية على مسارات النمو.
ورغم أن صمود الاقتصاد العالمي في عام 2025 قد يبعث بعض الطمأنينة، يحذر التقرير من خطورة افتراض زوال المخاطر، فالكثير من هذا الصمود لم يكن نتيجة قوة اقتصادية بنيوية، بل ثمرة مناورة مؤقتة، مثل تسريع الاستيراد قبل فرض رسوم أعلى، أو استمرار الإنفاق المالي في حكومات مثقلة بالديون. ويؤكد التقرير أن إعادة توجيه الاقتصاد العالمي نحو مسار أكثر استدامة لا يمكن أن تقوم على مرونة الأعمال وحدها أو التساهل المالي، بل تتطلب سياسات اقتصادية سليمة تعيش في حدود الإمكانات، وتشجع الاستثمار والابتكار على المدى الطويل.
جسر فوق نهر مضطرب
وإذا كان تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية للبنك الدولي قد قدم تشخيصًا كليًا لمسار الاقتصاد العالمي وآليات صموده، فإن تقرير «الشركات والاقتصادات المرنة» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بالشراكة مع ماكينزي وشركائه يقترب من المرونة بدقة بوصفها بنية مؤسسية وعملية، لا مجرد نتيجة ظرفية أو قدرة مؤقتة على تحمّل الصدمات. وفي تمهيده للتقرير يشبه بورغه برينده الرئيس التنفيذي والرئيس للمنتدى الاقتصادي العالمي المرونة بجسر يمتد فوق نهر مضطرب فقد تكون المياه في الأسفل غير متوقعة، لكن قوة الجسر تكمن في تصميمه وصيانته وقدرته على تحمّل قوى التغيير، ويعكس هذا التشبيه التحول في النظرة إلى المرونة من كونها استجابة للأزمات إلى كونها شرطًا مسبقًا للنمو في ظل التحولات الاقتصادية العميقة ومستويات النزاعات المحتدة وتفاقم الكوارث المناخية.
ويحدد التقرير أربعة محاور رئيسية لتعزيز التعاون ودفع أجندة المرونة في الأسواق الناشئة تحديدًا تشمل: البنية الأساسية وسلاسل الإمداد، والتحول الرقمي وتنمية المهارات، وتحسين الوصول إلى التمويل، والحد من الاحتكاكات على صعيد السياسات والتنظيم، وقد أعلن تحالف المرونة أن هذه المحاور ستكون محور تركيزه خلال عام 2026 عبر لقاءات استراتيجية، من بينها الاجتماع السنوي في دافوس كلوسترز، بهدف تحقيق تقدم ملموس يتجاوز النقاشات النظرية.
وربط خبراء المنتدى الاقتصادي مفهوم المرونة بسياق أوسع من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي؛ حيث يتسم المشهد بتصاعد النزعة الحمائية، وتزايد التوترات الجيوسياسية، وتفتت النظام الاقتصادي الدولي، وقد أدت النزاعات التجارية وتغيّر التحالفات إلى تعطيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف الإنتاج، في وقت أفادت فيه منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بتسجيل مستويات قياسية من عدم اليقين في سياسات التجارة مطلع عام 2025. وتتفاقم هذه التحديات بفعل التأثيرات المناخية المتزايدة، التي تقوّض الإنتاجية الزراعية، وتلحق أضرارًا بالبنية الأساسية، وتهدد الاستقرار الاقتصادي، فضلًا عن ارتفاع الدين العام الذي يقيّد قدرة الحكومات على الاستجابة بفعالية. ومجتمعة، تعيد هذه العوامل تشكيل قواعد الاقتصاد العالمي، وتفرض على الدول والشركات البحث عن نماذج جديدة للمرونة والقدرة على التكيّف.
الأسواق الناشئة حجر الزاوية في النمو
ويأتي التركيز على الأسواق الناشئة كونها من بين الأكثر تأثرًا بالتحولات التي يشهدها العالم اليوم، نظرًا لتعرضها المرتفع لمخاطر التجارة والمناخ والتمويل، وقد أشار أحد الرؤساء التنفيذيين خلال اجتماع قادة تحالف المرونة في عام 2025 إلى أن المرونة بالغة الأهمية على نحو خاص في الأسواق الناشئة؛ حيث تكون الاضطرابات التي تطال الزراعة وإمدادات المياه والبنية الأساسية أكثر حدّة. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن هذه الأسواق تظل محركات أساسية للنمو العالمي، مدفوعة بمكاسب الإنتاجية، والأتمتة، وانتشار الابتكار.
ولعل أبرز ما تعاني منه هذه الأسواق هو قيود الاستثمار التي تزيد من هشاشتها، ففي عام 2023 انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الاقتصادات النامية بنسبة 7 في المائة لتصل إلى 867 مليار دولار، وظلت مستقرة طوال عام 2024 في بلدان الجنوب العالمي، وأسهم هذا الجمود في اتساع فجوات التمويل في وقت يُتوقع فيه أن تصل فجوة الاستثمار في البنية الأساسية في الأسواق الناشئة إلى 15 تريليون دولار بحلول عام 2030 بالتزامن مع بلوغ التزامات خدمة الدين الخارجي مستوى قياسيًا بلغ 400 مليار دولار في عام 2024.
وفي مواجهة هذا المشهد يقترح تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي نهجًا ثلاثي الأبعاد لبناء المرونة، يبدأ بنهج شامل على مستوى النظام، يركز على التعاون بين الشركات والحكومات وبنوك التنمية متعددة الأطراف لمعالجة المخاطر النظامية ودعم الاستقرار والنمو، ففي هذا الإطار تضطلع الشركات بدور محوري عبر تعزيز المرونة التشغيلية والابتكار بينما تعمل الحكومات على توفير أطر سياسات واضحة وطويلة الأجل والاستثمار في البنية الأساسية الحيوية، في حين تقوم بنوك التنمية متعددة الأطراف بحشد رأس المال الخاص، وتعزيز القدرات المؤسسية، وتنسيق الجهود العابرة للقطاعات.
وركز تقرير «الشركات والاقتصادات المرنة» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بالشراكة مع ماكينزي على أن بناء المرونة في الأسواق الناشئة لا يمكن أن يكون مسؤولية الشركات وحدها، بل يتطلب دورًا محفّزًا من الحكومات وبنوك التنمية متعددة الأطراف عبر الشراكة مع القطاع الخاص لإطلاق نمو مستدام، وأشار إلى أن هذه البنوك تؤدي دورًا محوريًا في سد فجوة التمويل السنوية المقدّرة بنحو 4 تريليونات دولار اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال حشد رأس المال الخاص والمساعدة في استقرار الاقتصادات خلال فترات الانكماش، خصوصًا في بيئات يظل فيها الاستثمار التجاري محدودًا.
ولإعطاء منظور عملي، حدد التقرير أربعة مجالات يتجسد فيها أثر بنوك التنمية متعددة الأطراف في الأسواق الناشئة، ففي البنية الأساسية وسلاسل الإمداد، تُستخدم أدوات مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص والتحوط من مخاطر سعر الصرف لدعم مشروعات قادرة على الصمود، ويورد التقرير مثال قرض المرونة للطرق الريفية بقيمة 75 مليون دولار، وفي التحول الرقمي وتنمية المهارات، يشير إلى برنامج «التحول الرقمي» التابع للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بقيمة 377 مليون يورو لدعم 750 شركة صغيرة ومتوسطة، وإلى مبادرات البنك الدولي «الهوية من أجل التنمية» و«الحكومة إلى الأفراد» التي تستهدف 550 مليون شخص بالهويات الرقمية وأنظمة المدفوعات.
وفي سد فجوات التمويل، يذكر التقرير أدوات تمويل مبتكرة، مثل سندات الأمازون بقيمة 20 مليار دولار لدى بنك التنمية للبلدان الأمريكية، إضافة إلى الصكوك الخضراء الصادرة عن البنك الإسلامي للتنمية لدعم الطاقة المتجددة والأمن الغذائي، أما في تهيئة السياسات الداعمة للنمو، فيشير التقرير إلى الربط بين الاستثمار والإصلاحات السياساتية لضمان الاستدامة والتوسع، عبر برامج استشارية وأطر حماية رقمية وخطط عمل مناخية.
ختامًا، تشير المعطيات الواردة في تقريري الآفاق الاقتصادية العالمية للبنك الدولي، والشركات والاقتصادات المرنة الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بالشراكة مع ماكينزي إلى أن صمود الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة لا يعكس بالضرورة متانة بنيوية مستدامة بقدر ما يكشف عن قدرة مؤقتة على امتصاص الصدمات، وفي وقت يعاني فيه العالم من تباطؤ النمو واتساع فجوات الدخل وارتفاع مستويات الدين وعدم اليقين تصبح المرونة الاقتصادية شرطًا أساسيًا لإعادة توجيه المسار التنموي، لا مجرد أداة لإدارة الأزمات.
