No Image
عُمان الاقتصادي

ما النموذج الاقتصادي الذي تريده عُمان؟

11 مارس 2026
11 مارس 2026

عاصم الشيدي -

لا تواجه الاقتصادات المعاصرة تحديا في صياغة السياسات بقدر ما تواجه تحديا في وضوح الفكرة التي تقود تلك السياسات. فالمستثمرون والأسواق والمؤسسات الدولية لا يقرؤون الأرقام وحدها؛ إنهم يحاولون فهم المنطق الكامن خلفها: ما الفلسفة الاقتصادية التي تحكم قرارات الدولة؟ وما حدود دور السوق؟ وأين يقف القطاع الخاص في هذه المعادلة؟

قد تبدو هذه الأسئلة نظرية، لكنها في الحقيقة شديدة العملية؛ فكل قرار استثماري كبير يبدأ بمحاولة الإجابة عنها. لا يتحرك رأس المال وفق الحوافز وحدها، بل وفق القدرة على توقع اتجاه الاقتصاد الذي يدخل إليه. وحين تكون الفكرة التي تحكم الاقتصاد واضحة يصبح الاستثمار أكثر جرأة، أما حين تكون غامضة فإنه يصبح أكثر حذرا.

في الحالة العُمانية يبرز هذا السؤال اليوم بوضوح متزايد: ما النموذج الاقتصادي الذي تسعى البلاد إلى بنائه؟

المشكلة في الاقتصاد العُماني ليست في نقص المشاريع أو غياب الرؤية العامة؛ فـ«رؤية عُمان 2040» وضعت أهدافا واضحة للتنويع الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحويل البلاد إلى مركز إقليمي في قطاعات مثل اللوجستيات والطاقة المتجددة والسياحة والصناعات التحويلية. لكن ما يزال هناك سؤال أعمق يسبق كل هذه السياسات: ما الفلسفة الاقتصادية التي ستعمل في إطارها؟ أي ما النموذج الاقتصادي الذي سيحدد العلاقة بين الدولة والسوق ورأس المال؟

خلال العقود الماضية تشكل الاقتصاد العُماني من خلال مزيج عملي من الأدوار. فقد لعبت الدولة دورا محوريا في بناء البنية الأساسية، وتطوير الموانئ والطرق والمطارات، وإقامة الصناعات الكبرى في مجالات الطاقة والبتروكيماويات. كما أنشأت مؤسسات استثمارية سيادية أصبح لها حضور واسع في قطاعات عديدة من الموانئ والخدمات اللوجستية إلى الطاقة والمعادن.

كان هذا الدور طبيعيا في اقتصاد ناشئ اعتمد تاريخيا على النفط واحتاج إلى دولة قوية تقود عملية التحديث وتؤسس البنية الاقتصادية الأولى. وفي الوقت نفسه نما قطاع خاص محلي، لكنه نشأ إلى حد بعيد في ظل هذا الدور الحكومي معتمدا بدرجات متفاوتة على المشاريع العامة والعقود الحكومية. ومع مرور الوقت بدأت عُمان، كما فعلت بقية دول الخليج في الانفتاح أكثر على الاستثمارات الأجنبية، وإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة مثل المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

بهذا المعنى يمكن القول: إن الاقتصاد العُماني هو اقتصاد مختلط بحكم الواقع، لكنه مختلط من حيث الممارسة أكثر مما هو محدد من حيث الفلسفة الاقتصادية المعلنة.

وهنا تظهر المفارقة التي يواجهها كثير من المستثمرين؛ فقبل أن يسأل المستثمر عن الحوافز الضريبية أو التشريعات الاستثمارية يطرح سؤالًا أبسط وأكثر عمقا: كيف يفكر هذا الاقتصاد في ذاته؟ هل الدولة لاعب اقتصادي رئيسي يقود الاستثمار، أم منظم للسوق، أم شريك استثماري إلى جانب القطاع الخاص؟ وما مدى اتساع دور السوق في المستقبل؟

وهذه الأسئلة ليست نظرية؛ فهي التي تحدد طريقة قراءة أي مشروع استثماري كبير. فعندما يدخل المستثمر اقتصادا تقوده الدولة يتوقع نمطا معينا من الشراكات والسياسات الصناعية. وعندما يدخل اقتصاد سوق تقليدي يتوقع قواعد مختلفة. أما عندما لا يكون النموذج واضحا فإن قرارات الاستثمار تميل إلى الحذر؛ لهذا السبب فإن النقاش حول النموذج الاقتصادي يصبح جزءا من عملية بناء الثقة الاقتصادية، لا مجرد نقاش فكري.

في هذا السياق تكتسب النقاشات المرتبطة بـ«رؤية عُمان 2040» أهمية خاصة؛ فالرؤية لا تهدف فقط إلى تنويع مصادر الدخل، إنما إلى إعادة تشكيل بنية الاقتصاد العُماني على المدى الطويل. وقد بدأت بالفعل مشاريع كبيرة تعكس هذا التحول، مثل الاستثمارات الضخمة في مشاريع الهيدروجين الأخضر في محافظة الوسطى والدقم، والتوسع في الموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بموقع عُمان على طرق التجارة البحرية إضافة إلى دور الصندوق العُماني للاستثمار في توجيه الاستثمارات الاستراتيجية داخل الاقتصاد.

لكن نجاح هذه المشاريع لا يعتمد فقط على حجم الاستثمار فيها، إنما على وضوح الإطار الاقتصادي الذي ستعمل داخله. فالمستثمر الذي يدخل مشروعا يمتد لعشرين أو ثلاثين عاما يحتاج إلى فهم طبيعة الاقتصاد الذي سيعمل فيه: هل تقوده الدولة، أم السوق؟ أم يقوم على شراكة مستقرة بين الاثنين؟ تقدم التجارب الدولية درسا مهما في هذا المجال؛ فالدول التي نجحت في التحول الاقتصادي لم تعتمد نموذجا أيديولوجيا خالصا بقدر ما صاغت نموذجا واضح المعالم يناسب ظروفها.

سنغافورة مثال معروف؛ فهي من أكثر اقتصادات العالم انفتاحا على التجارة والاستثمار، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بدور قوي للدولة عبر شركات سيادية تدير أصولًا ضخمة، وتستثمر في قطاعات استراتيجية. هذا التوازن كان جزءا من تصميم اقتصادي واضح سمح بجذب الاستثمارات العالمية مع الحفاظ على قدرة الدولة على توجيه الاقتصاد.

كوريا الجنوبية تقدم نموذجا مختلفا،

فقد لعبت الدولة دورا مهما في توجيه التصنيع خلال عقود النمو السريع، لكنها في الوقت نفسه سمحت بنشوء شركات خاصة عملاقة قادت عملية التصدير والتوسع الصناعي.

أما النرويج، التي تشبه عُمان في امتلاكها موارد نفطية مهمة، فقد طورت نموذجا يجمع بين اقتصاد السوق وإدارة سيادية صارمة للثروة النفطية عبر صندوقها السيادي، مع دور تنظيمي قوي للدولة.

القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس شكل النموذج نفسه إنما وضوحه. فالمستثمر الذي يدخل هذه الاقتصادات يعرف مسبقا طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق وحدود دور كل منهما.

من هذا المنظور يمكن القول إن السؤال المطروح أمام الاقتصاد العُماني ليس هل يجب أن يكون رأسماليا أم اشتراكيا؟ لكن ما الشكل الذي يجب أن يتخذه الاقتصاد المختلط في عُمان؟ هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحا في هذه المرحلة لعدة أسباب.

أولها، التحول التدريجي في دور النفط داخل الاقتصاد. فعلى الرغم من استمرار أهميته، فإن السياسات الاقتصادية تتجه بوضوح نحو تقليل الاعتماد عليه كمصدر رئيسي للدخل. وهذا يعني أن القطاعات الجديدة ـ من الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر إلى الخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية ـ ستصبح محركات رئيسية للنمو.

السبب الثاني، هو طبيعة الاستثمارات الجديدة التي تتطلب رؤوس أموال ضخمة وآفاقا زمنية طويلة. فمشاريع الهيدروجين الأخضر مشاريع بنية اقتصادية تمتد آثارها لعقود. وهذه المشاريع تحتاج إلى بيئة اقتصادية يمكن التنبؤ باتجاهاتها.

أما السبب الثالث، فيتعلق بدور القطاع الخاص المحلي. فتنويع الاقتصاد لا يمكن أن يتحقق من خلال الاستثمارات الحكومية وحدها. التجارب العالمية تظهر أن الاقتصادات المتنوعة تحتاج إلى قطاع خاص قادر على الابتكار والتوسع والاستثمار طويل الأجل، لا مجرد قطاع يعتمد على الإنفاق الحكومي.

وهنا تظهر مفارقة أخرى تواجه كثيرا من الاقتصادات الريعية في مرحلة التحول: فالدولة تريد تمكين القطاع الخاص، لكنها تظل في الوقت نفسه المستثمر الأكبر والأكثر حضورا في الاقتصاد. وهذا التوازن الدقيق لا يمكن أن يستقر إلا إذا كان النموذج الاقتصادي واضحا.

ووضوح النموذج لا يعني بالضرورة تقليص دور الدولة، ففي كثير من الاقتصادات الناجحة تلعب الدولة دورا مهما عبر الشركات السيادية أو السياسات الصناعية أو الاستثمار في البنية الأساسية. لكن الفرق يكمن في أن هذا الدور يكون محددا ومفهوما.

فإذا كانت الدولة ترى نفسها مستثمرا رئيسيا في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والبنية الأساسية والموانئ، ينبغي أن تكون هذه القطاعات واضحة. وإذا كانت ترى أن القطاع الخاص يجب أن يقود قطاعات أخرى، فينبغي أن تكون قواعد السوق في تلك القطاعات مستقرة ويمكن التنبؤ بها.

الأمر ذاته ينطبق على المستثمرين الأجانب. فالمستثمر الدولي لا يبحث بالضرورة عن اقتصاد بلا دولة، هو يبحث عن اقتصاد يمكن فهم قواعده.

من هنا يمكن تصور نموذج اقتصادي عُماني يقوم على ثلاث ركائز رئيسية.

الركيزة الأولى، هي دولة استثمارية قوية في القطاعات الاستراتيجية التي تتطلب رؤوس أموال ضخمة أو تمتلك أهمية سيادية، مثل الطاقة والبنية الأساسية والموانئ.

الركيزة الثانية، هي قطاع خاص محلي أكثر استقلالية وقدرة على المبادرة، لا يعتمد فقط على العقود الحكومية، بل يتوسع في القطاعات الإنتاجية والخدمية ويقود جزءا أكبر من عملية النمو.

أما الركيزة الثالثة، فهي انفتاح مدروس على الاستثمار الدولي يربط الاقتصاد العُماني بالأسواق العالمية ويسهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا.

وهذا النموذج ليس بعيدا عن ما يمكن تسميته «اقتصاد السوق المنظم»، حيث تعمل السوق بحرية نسبية لكن ضمن إطار مؤسسي واضح تحدده الدولة. والمهم في هذا النموذج الوضوح وليس الاسم.

فعندما يفهم المستثمر أن الدولة ستظل لاعبا رئيسيا في قطاعات معينة، لكنه يدرك أيضا أن هناك مساحات واسعة يقودها القطاع الخاص والسوق، تصبح قرارات الاستثمار أكثر وضوحا.

والأمر ذاته ينطبق على المواطنين والشركات المحلية. فوضوح النموذج الاقتصادي يساعدهم على فهم الاتجاه الذي يسير فيه الاقتصاد، وبالتالي اتخاذ قراراتهم المهنية والاستثمارية على أساس رؤية طويلة الأجل.

يتنافس العالم على جذب رأس المال والمواهب والاستثمارات طويلة الأمد، وفي هذه البيئة التنافسية لا يكفي أن تكون القوانين واضحة فلا بد أن تكون الفكرة الاقتصادية التي تحكم الدولة نفسها شديدة الوضوح. ولهذا فإن السؤال عن النموذج الاقتصادي لعُمان ليس نقاشا فلسفيا إنه جزء من معركة المنافسة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.

فكلما كانت الفلسفة الاقتصادية أوضح، أصبح الطريق إلى الاستثمار والتنويع الاقتصادي أكثر استقرارا، وعندها فقط يتحول الاقتصاد من مجموعة مشاريع متفرقة إلى منظومة متماسكة تعرف إلى أين تتجه.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة « عمان »