عندما تتحول العاطفة إلى اقتصاد.. نموذج جديد لتعظيم قيمة المواقع التراثية
11 مارس 2026
11 مارس 2026
عزان بن خميس الصبحي -
برز مفهوم الاقتصاد الإبداعي مؤخرًا ضمن ملفات التنويع الاقتصادية التي توليها سلطنة عمان أهمية خاصة، والذي ينطق بالصوت العالي بعدم إمكانية أن يبقى التراث (بجانب نطاقاته الواسعة) محصورا في خانة الحفظ أو الزيارة السياحية بوصفها غاية نهائية.
وكيف يمكن للتراث وخاصة العمارة التاريخية أن يتحول إلى أصل اقتصادي ذي أثر متسلسل إذا فهمنا كيف يسبر أغوار رغبات الزائر وماذا يشعر؟ وماذا يتذكّر؟ وكيف يتشكل معنى المكان في وعيه؟ ثم كيف تتحول تلك الخبرة إلى سلوك اقتصادي من حيث الطلب، والإنفاق، والولاء، وتكرار الزيارة، حتى إحداث ما يسمى بالإنتاج الإبداعي كمحتوى، وتصميم، وكتابة قصة، أو منتج ثقافي، أو مشروع صغير.
إن هذه النظرة الحديثة ليست ضربا من الفلسفة وإنما أصبحت منبرا من منابر النقاش العالمي حول الاقتصاد الإبداعي. فالأونكتاد تؤكد في تقاريرها أن الاقتصاد الإبداعي من الأسرع نموا عالميا، وأنه يوّلد وظائف ودخلًا ويدفع بالابتكار، لكن تطويره يتطلب بيانات أفضل وسياسات متعددة التخصصات. ومن هنا يظهر الاحتياج إلى أدوات قياس تذهب أبعد من عدد الزوار والعائد المباشر حتى تقيس القيمة غير المادية التي يصنعها التراث ثم تتحول بطريق مباشر أو غير مباشر إلى أثر تنموي يُسهم في رفع الدخل الإجمالي.
في هذا السياق تأتي ورقة علمية في طور النشر، تقترح نموذجاً مفاهيمياً وقياسياً وحديثا بعنوان سلسلة القيمة العاطفية للتراث EVCH، تقوم الفكرة على مسار واضح تبدأ من خصائص العمارة التراثية ثم تنتقل إلى الاستجابة العاطفية وبعدها إلى تنشيط الذاكرة ثم هوية المكان حتى نصل إلى الإلهام الفكري الذي يعد أساس الإنتاج الإبداعي.
ولعل الخطأ الشائع في إدارة المواقع التراثية هو التعامل مع التجربة بوصفها مجرد حضور أو حدثٍ منفصل، حيث يدخل الزائر، ويلتقط صورة ثم يغادر. بينما تُظهر المقاربات الحديثة في اقتصاد التجربة أن القيمة تُبنى من تراكم الانفعال والمعنى والانغماس، وهي عناصر تُترجم إلى سلوكيات قابلة للقياس، مثل زيادة وقت الزيارة، وارتفاع الإنفاق، وتكرار الزيارة، والتوصية للآخرين، أو المشاركة الرقمية التي ترفع جاذبية الوجهة دون تكلفة تسويق تقليدية أو حديثة.
هذا النموذج، أو ما نسميه نموذج EVCH، يُعيد تعريف القيمة بأنها تبدأ من العمارة بوصفها مثيرًا حسّيًا ومعنويًا، وليس مجرد شكل معماري ثابت على الأرض. فالعمارة التاريخية ذات الأبراج والممرات، والضوء والظل، والنقوش، والمواد القديمة كلها تُعد لغة نفسية تؤثر في الإنسان. ولعلنا هنا نسأل سؤالًا مهمًا: كيف تُنتج العمارة التراثية أثرًا داخليًا لدى الزائر؟
ويُعد كتاب «عيون الجلد The Eyes of the Skin « للمعماري (يوهاني بالاسما) مرجعا مؤثراً لفهم هذه النقطة، فهو يؤكد بأن العمارة تخاطب الحواس كلها، وأن هيمنة البصر وحده تُفقِر التجربة وتقلل قدرة المكان على الإلهام والارتباط الوجودي، ومن جانب عملي أن هذا يعني أن جودة تصميم التجربة في الموقع التراثي مثل مسار الحركة.
والإضاءة، والظلال، والخامات، والصوت، ومناطق التأمل يمكن أن ترفع أو تخفض قابلية الموقع لأن يولّد انفعالاً ومعنى. وهنا تبدأ السلسلة التي نبني عليها سؤالا آخرا ألا وهو لماذا العاطفة تعتبر عنصرا اقتصاديا لا يُستهان به؟
ومن أهم حلقات النموذج الجديد هو مفهوم الدهشة Awe، وهي عاطفة ترتبط بإدراك الاتساع والعظمة والحاجة إلى إعادة مواءمة الفهم داخل العقل. ففي دراسة كلاسيكية في علم النفس، يوضح (كيلتنر وهايدت) أن الدهشة ترتبط بإدراك الضخامة وحاجة الذهن إلى استيعاب ما لا ينسجم فوراً مع بنيته المعرفية. ومن حيث النظرة الاقتصادية تعتبر هذه الدهشة (عندما تُثار في موقع تراثي) تولد فضولاً وانفتاحاً وتأملاً، وهي شروط مثالية لخلق الإلهام وتوسيع التجربة، بما ينعكس على السلوك الاستهلاكي كالانغماس في المكان، والوقت، والإنفاق، وكذلك على السلوك الإبداعي كالتوثيق، والسرد، والإنتاج.
لكن النموذج لا يختزل العاطفة في الدهشة فقط؛ بل يشمل الفخر، والسكينة، والنوستالجيا (وهي حالة عاطفية مركبة تعني الحنين الشديد إلى الماضي، أو الشوق لأشخاص، وأماكن، أو ذكريات زمنية جميلة مضت)، والفضول. وهي عواطف لها أثر مباشر على الانتماء، وبالتالي على الطلب والولاء. وفي السياق العُماني يمكن للفخر والسكينة «على سبيل المثال» أن يتحولا إلى قيمة سمعة Reputation Value تُغذي التسويق الوطني للسياحة الثقافية وتعزز الصورة الذهنية للوجهة أو المزار السياحي.
وإذا أردنا الانتقال إلى الحلقة التالية وهي تنشيط الذاكرة، حيث تشير الأدبيات العلمية حول الارتباط بالمكان أن الذاكرة عنصر محوري في تشكيل العلاقة بالمكان، وأن الارتباط ليس مجرد إعجاب، وإنما عملية نفسية اجتماعية تتداخل فيها الخبرة، والانفعال، والذاكرة، والمعنى. ويعد بحث (لوِيكا Lewicka) من أهم المراجعات العلمية في هذا المجال، حيث يلخص مسار أربعة عقود من الدراسات حول الارتباط بالمكان وكيف يرتبط بالهُوية والمعنى والسلوك.
في المواقع التراثية نلاحظ أن الذاكرة قد تكون شخصية كحكايات الأسرة، وزيارات الطفولة، وصور قديمة، أو جمعية تاريخية كالسرد الوطني، وقصص المكان، ورموزه المشهورة. وهنا تظهر وظيفة الإدارة الذكية للموقع من حيث السرد والتفسير Interpretation بحيث يفوق مجرد لوحات تعريفية، وإنما أدوات لتحفيز الذاكرة عبر ربط العمارة بقصص ومعانٍ يمكن للزائر أن يستوعبها ويحمّلها على خبرته الخاصة.
أما عن هُوية المكان، فهي نقطة التحويل إلى الإبداع، حين تنشط الذاكرة وتتراكم المعاني، وتتشكل هُوية المكان لدى الفرد، فيصبح الموقع جزءاً من تعريف الذات، أو رمزاً لقيمة، أو تاريخا، أو انتماء. هذه النقطة هي الأهم اقتصادياً لأن الهوية تُولِّد استعداداً للفعل، ولدعم الحفظ، والمشاركة، والتوصية، والعودة للمكان، والأهم هو الإنتاج الإبداعي.
من منظور الاقتصاد الثقافي، يمكن النظر إلى التراث كنوع من رأس المال الثقافي الذي يولّد منافع تتجاوز الحدود والزمن، حين يتحول إلى قيمة معرفية وإبداعية. ويُعد (ثروسبي Throsby) من أبرز من ناقشوا العلاقة بين الثقافة والاقتصاد وكيف تتولد قيمة متجددة من الأصول الثقافية. وعندما تتحول هوية المكان إلى دافعية، يصبح التراث مصدراً لفكرة منتج جديد، أو قصة، أو تصميما مستوحى، أو محتوى رقميا، أو مبادرة مجتمعية، أو حتى مشروع ريادي صغير في قطاع الصناعات الإبداعية.
بعد كل هذه المدخلات لماذا هذه الفكرة مهمة لصانع القرار في عُمان؟ هنا تتضح قيمة النموذج الجديد أكثر حين نضعه في سياق توجهات سلطنة عُمان. فوزارة التراث والسياحة تضع ضمن رؤيتها أن تكون عُمان من الدول الرائدة في تراثها الوطني ووجهة سياحية مستدامة بتجارب فريدة ومتنوعة، مع التركيز على رفع تنافسية الوجهات والتجارب. هذه الرؤية تحمل في داخلها رسالة واضحة، وهي المنافسة على الوجود التراثي بجانب جودة التجربة. وهنا يأتي نموذج EVCH كأداة تسند هذه الرؤية بقياس علمي لما يجعل التجربة فريدة بالفعل، من حيث تسلسل العاطفة، والذاكرة، والهوية، ثم الإلهام.
كما أن إعلان مسقط الذي وقّعته اليونسكو ومنظمة السياحة العالمية يؤكد أن الثقافة تلهم السياح، وتخلق فرص عمل، وتعزز فخر المجتمعات المضيفة، لكنه يحذر من أن السياحة غير المُدارة قد تضر بما تعتمد عليه. هذه الرسالة تضعنا أمام معادلة اقتصادية دقيقة في أن التوازن بين التعظيم والحماية. ونموذج EVCH يخدم هذا التوازن لأنه يدعو لزيادة الأعداد وتحسين نوعية التجربة وإدارة أثرها بذكاء، بما يحقق قيمة أعلى مع ضغط أقل على الأصل التراثي أو الثقافي.
الميزة المحورية في هذه الورقة أنها تحتفي بالخطاب العام حول التراث والإبداع، وتقترح منهجية تطبيقية يمكن أن تتحول إلى برنامج وطني:
1. مرحلة نوعية لفهم كيف يصف الزوار خبرتهم فعلاً، ما الذي حرّكهم؟ وما الذي أثار ذكرياتهم؟ وكيف تشكل لديهم المعنى؟
2. مرحلة كمية لبناء استبانة معيارية، ثم اختبار البناء القياسي عبر تحليل العوامل التوكيدي واختبار المسارات عبر نمذجة المعادلات الهيكلية.
أيضا من جانب اقتصادي، يمكننا أن نقول إن مخرجات الدراسة وتوصياتها تعتبر مؤشرات قابلة للاعتماد، ويمكن تلخيص ما يمكن استخلاصه في صورة أسئلة لإدارة الأداء:
• أي عناصر العمارة التراثية تُحدث أعلى أثرا عاطفيا؟
• هل السرد والتفسير يرفعان تنشيط الذاكرة؟
• ما العوامل التي تزيد هُوية المكان لدى الزائر (خاصة المواطن)؟
• ما الذي يحول الإلهام إلى إنتاج فعلي (محتوى، ومنتج، ومبادرة)؟
هذه الأسئلة تُترجم إلى سياسات تشغيلية كتصميم مسارات تجربة، وتوفير منصات للإبداع في الموقع التراثي نفسه (ورش تدريب، وزوايا جديدة للتوثيق، وتجارب حرفية)، وربط المواقع بحاضنات الاقتصاد الإبداعي والقطاع الخاص.
بدون الدخول في تفاصيل الأرقام، تقترح الدراسة مبدئياً حزمة مؤشرات تُمكّن من قياس الأثر غير المادي وربطه بالنتائج الاقتصادية، مثل:
• مؤشرات الاستجابة العاطفية: الدهشة، والسكينة، والفخر، والفضول.
• مؤشرات تنشيط الذاكرة: استدعاء الذكريات والربط بالسرد التاريخي.
• مؤشرات هوية المكان: كالانتماء، والمعنى، والرغبة في الدعم والحفظ.
• مؤشرات الإلهام والإنتاج الإبداعي: مثل نية إنتاج محتوى، أو تصميم، أو عمل فني، أو فكرة مشروع.
ميزة هذه المؤشرات أنها تمكّن صانع القرار من الانتقال من التطوير العام إلى التطوير الموجه بالأثر، مثل الاستثمار في العناصر التي ترفع حلقات السلسلة الأقوى، بدلا من الإنفاق المتناثر. وإذا طُبّق هذا المنهج على مواقع مثل القلاع والحصون والمتاحف، فإن الأثر المتوقع يتجسد في ثلاثة مسارات مترابطة:
1. رفع جودة السياحة الثقافية: حيث إن تحسين التجربة يرفع مدة الزيارة، والرضا، وتكرار الزيارة، والتوصية.
2. تنشيط الاقتصاد الإبداعي: من مبدأ تحويل الإلهام إلى منتجات وخدمات والمعادلة هي من الحرف إلى التصميم إلى المحتوى الرقمي، وهو ما يتسق مع ما تؤكده الأونكتاد من أن الاقتصاد الإبداعي يحتاج سياسات متكاملة وبيانات تسانده.
3. تحسين كفاءة الإنفاق العام: لأن قياس الأثر يسمح بتوجيه الاستثمار نحو ما يرفع القيمة فعلا، إذا ما كان السرد، أو التجربة، أو التفاعل، أو الخدمات.
التراث لا يتحول إلى رافعة اقتصادية تلقائيا، لكنه يتحول إلى ذلك عندما نفهم سلسلة القيمة التي يولدها داخل الإنسان، ثم نديرها كمؤسسة ونثير العاطفة بذكاء، وننشّط الذاكرة بسرد أصيل، ونبني هوية المكان، ثم نفتح مسارات للإبداع والإنتاج. هذه هي الفكرة الجوهرية في نموذج EVCH، وهي ما يجعل الورقة العلمية (قيد النشر) ذات قيمة استراتيجية لأنها تمنح سلطنة عمان وأي دولة تراثية لغة قياس تربط الهوية بالابتكار، والسياحة الثقافية بالاقتصاد الإبداعي، والحفظ بالتعظيم، ولعل التوصية الجاري العمل عليها هي دراسة القيمة العاطفية والإبداعية للإرث الوثائقي في سلطنة عمان وكيف تصبح الذاكرة الوطنية مولدا اقتصاديا يخدم الدخل الإجمالي لسلطنة عمان وفق منهجيات علمية مجربة ومقيسة من أجل التقدم بثقة نحو تحقيق «رؤية عمان ٢٠٤٠».
عزان بن خميس الصبحي مدير دائرة الجودة بهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية - باحث في الاقتصاد الإبداعي
