المعاملات المالية بين حركة الاجتماع البشري والاجتهاد الفقهي
11 مارس 2026
11 مارس 2026
بدر العبريّ -
تتزايد اليوم مفاهيم العولمة الاقتصادية وتشابك النظم المالية حيث تتقارب الأدوات والمؤسسات وتنتقل النماذج الاقتصادية بين الدول بسرعة غير مسبوقة، عدا أن هذا المسار لا يلغي حاجة المجتمعات إلى البحث عن صيغ ونماذج تنبع من واقعها الاجتماعي والثقافي وتستجيب لخصوصياتها التاريخية والتشريعية، وفي هذا السياق يبرز النقاش حول المصارف الإسلامية بوصفها تجربة نشأت في بيئة اجتماعية وثقافية محددة وتطورت ضمن حركة الاجتماع البشري المتغيرة، غير أن فهم هذه التجربة لا يكتمل دون وعي تاريخي وفقهي يدرك أن المعاملات المالية والاقتصادية ليست منظومات مغلقة أو ثابتة، بل هي اجتهادات بشرية تتشكل وفق ظروف المجتمع وتتحرك مع تطوره، ومن هنا فإن إدراك البعد التاريخي والفقهي للمصارف الإسلامية يفتح المجال للنظر إليها ضمن إطار أوسع من الاجتهاد الاقتصادي القابل للتطوير، بما يمكّن المجتمعات من التفاعل مع الاقتصاد العالمي مع الحفاظ على قدرتها على الابتكار من واقعها الخاص.
أصبحت المصارف الإسلامية اليوم جزءا من المكونات الاقتصاديّة في المجتمع، فهي تلبي احتياجات طائفة في أيّ مجتمع يؤمن بها، ويراها أقرب إلى جانبه التّشريعيّ العمليّ، على أن يرتبط هذا بالوعيّ التّأريخيّ والفقهيّ من جهة، وبالانفتاح الاقتصاديّ العالميّ من جهة أخرى.
ومن المعلوم بديهة أنّ العلاقة المعاملاتيّة بين البشر قديمة تطوّرت بتطوّر الاجتماع البشريّ، وبدأ منذ القدم على فكرة المقايضة، وكانت مفتوحة على جميع أصناف المطعومات والمنقولات، ثمّ خفّفت إلى ما يسهل نقله، ويستطاع عدّه كرؤوس الحيوانات، حتّى اهتدى الإنسان إلى صكّ النّقود في القرن السّابع قبل الميلاد، وعلى هذا ترتبت جميع أنواع المعاملات من مرابحة ومشاركة ومقايضة واستصناع وكراء وقروض وحوالات وغيرها، واهتدى الاجتماع البشريّ إلى وضع تشريعات ونظم وأعراف تنظّم علاقاتهم الماليّة والاقتصاديّة، ولعلّ أقدم وثيقة اهتدى إليها الاجتماع البشريّ مكتوبة حتّى اليوم شريعة حمورابيّ (1754 ق.م)، شملت العديد من الجوانب التّجاريّة والزّراعيّة، وعموم الجوانب المعاملاتيّة.
في تأريخ شرائع الأديان عندنا أمران رئيسان: واقع الاجتماع البشريّ، والنّصّ المقدّس، والواقع سابق عن النّصّ، والنّصّ جاء وفق حركة الواقع، وهذا ما حدث في الإسلام، فقد نزل القرآن في بدايات القرن السّابع الميلاديّ، أي بعد 610م، هذا الواقع ذاته له أعرافه وحركته المالية والاقتصاديّة، ولمّا نتأمل النّصّ الأول أي القرآن لا نجد فيه ذلك التّفصيل المعاملاتيّ، شأنه كشأن النّصوص المقدّسة السّابقة كالتّوراة والإنجيل مثلا، وما فيه أقرب إلى أخلاقيّات المعاملات والقواعد الكبرى، كالدّعوة إلى توزيع الثّروة، ومحاربة الفقر والمسكنة، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة والماليّة، والحثّ على البيوع، واجتناب الرّبا والظّلم والسّرقة والكنز وأكل المال بالباطل كالمال العام، ومال الأيتام، مع تأسيس استقلال المرأة اقتصاديّا، والدّعوة إلى التّوثيق كالشّهادة والكتابة والرّهن، وما يتعلّق بقضايا أموال القصّر والوصايا والميراث والكفّارات والنّذور.
نجد في النّصوص المقدّسة سعة دائرة المتحرّك، بمعنى أنّ الاجتماع البشريّ اجتماع متحرّك، وهذا ما قرّره الفقهاء من خلال علليّة الحكم ذاته، ثمّ نظريّة المقاصد والمصالح، يرى مثلا كمال الحيدريّ في كتابه العقل الفقهيّ بين الإطلاق والتّاريخيّ «أنّ لكلّ حكم ظرفا معيّنا، ودورا خاصّا، وبتغيّر الظّرف، وانتهاء الدّور؛ يلغى ذلك الحكم، ومعنى ذلك أنّ الحكم مرتبط بظرف زمانيّ معيّن، ومرتبط بالوضع البشريّ في تلك الأزمان، ومع تطوّر البشر، وانتقالهم إلى مرحلة جديدة؛ يلغى ذلك الحكم»، نرى ذلك مثلا في توقيف عمر بن الخطّاب (ت: 23هـ) لسهم المؤلفة قلوبهم لارتفاع العلّة، لتتأسّس لاحقا قاعدة دوران النّصّ مع العلّة وجودا وعدما، ثمّ ارتباط النّصّ بالمصلحة، فأينما تكون المصلحة فثمّ شرع الله.
بما أنّ الاجتماع البشريّ متحرّك بذاته؛ عليه لا يمكن أن تكون حركة الاجتماع البشريّ في القرن السّابع الميلاديّ؛ هي ذات حركة الاجتماع البشريّ في القرن الحادي والعشرين الميلاديّ، ولا يمكن رهن المتأخر بالأول، فلكلّ ظروفه وزمنه، كما يرى الشّاطبيّ (ت: 790هـ) «أنّ الشّريعة الإسلاميّة شريعة أميّة؛ لأنّ الله بعث بها رسولا أميّا إلى قوم أميّين كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة/ 2] .... فيلزم أن تكون الشّريعة في معهودهم ومستواهم»، فالمعاملات وفق الاجتماع البشريّ لا تدخل في المطلق؛ وإنّما تتعلّق بالنسبيّ أي المتحرّك، والعقل يستلهم من النّصّ المقدّس الأخلاقيّات والقيم الكبرى المتعلّقة بالمطلق، لكنّه في الوقت ذاته يفكّر بسننيّة الواقع الّذي يعيش فيه، لا أن يفكّر بواقع مضى بحركته وسننيّته، وفي هذا يقول محمّد باقر الصّدر (ت: 1980م) في كتابه: نظرة عامّة في العبادات أنّه «حينما يتحوّل النّسبيّ إلى مطلق إلى إله من هذا القبيل؛ يصبح سببا في تطويق حركة الإنسان، وتجميد قدراته على التّطوّر والإبداع، وإقعاد الإنسان عن ممارسة دوره الطّبيعيّ المفتوح في المسيرة».
يذكر أحمد محمّد لطفي في بحثه: «نشأة المصارف الإسلاميّة: التّطورات والصّعوبات» بعض المعاملات التّجاريّة والماليّة الّتي كانت وفق واقعها، منها «ودائع الزّبير بن العوام (ت: 36هـ) حيث روى أنّ الزّبير كان يأتيه الرّجل بالمال ليستودعه إياه فيقول الزّبير: لا هو سلف، فإنّي أخشى عليه الضّياع، وكان نتيجة لذلك أن أحصيت الأموال المودعة عند الزّبير فبلغت ألف ألف ومائتا ألف درهم»، ومنها «تحاويل عبد الله بن عبّاس (ت: 68هـ) وعبد الله بن الزّبير (ت: 73هـ) .... فقد روى عن ابن عبّاس أنّه كان يأخذ الدّراهم بمكّة على أن يكتب بها إلى الكوفة، وكان عبد الله بن الزّبير يأخذ الدّراهم بمكّة من أصحابها ثمّ يكتب إلى أخيه مصعب بن الزّبير (ت: 72هـ) بالعراق فيأخذونها منه، وهي صيغة متطورة يقصد منها الحفظ وعدم المخاطرة بالأموال»، ومنها «صكوك مروان بن الحكم (ت: 65هـ)، هذه الصّكوك كانت تدفع للجنود والعمّال في مقابل رواتبهم المستحقة لهم، وذلك على اعتبار أنّها أجرة مؤجلة إلى موسم الغلال».
والمتأمل مثلا في كتاب «رسائل الإمام جابر بن زيد الأزديّ» (ت: 93هـ)، هذا الكتاب مهم يوثق شيئا من حركة الاجتماع البشريّ في النّصف الثّاني من القرن الأول الهجريّ – بداية النّصف الثّاني من القرن السّابع وبداية الثّامن الميلاديّ -؛ المتأمل فيه يجد من المسائل المتحرّكة مثلا مسائل الولاية على أموال القصّر أو الأيتام في البيوع «لا يعجبه الشّراء من رجل يتلاعب بمال وليّه، ويخلطه مع ماله»، والمقايضة «يجوز أخذ نخل بنخل، وأرض بأرض، ودار بدار، وطعام بطعام، وخادم بخادم، بدون طلب فضل أو ريبة»، وفيه: «لا بأس من شراء الإبل بالغنم»، واستخدام الدّراهم بدلا عن الجنس «من باع برّا بدراهم إلى أجل، فيصح أن يسلّم الدّراهم، أو برّا بقيمة الدّراهم»، والسّلف «من تسلّف خمسين كرّا (مكيال لأهل العراق)، ولمّا بلغ الأجل أخذ خمسا وعشرين كرا، وأخذ الباقي طعاما، كان ابن عبّاس يرى أن يأخذ طعامه كلّه أو دراهمه، وأرى للرّجل يتجوّز عن ما يشاء من ماله، ويأخذ ما يشاء»، والبيع قبل القبض «لا يعجبني البيع قبل القبض حتّى يكتال أو يستوفى»، والمضاربة «المضارب لا يصح أن يشترط في المضاربة، كأن يقول: اشتر كذا وكذا، ولا تشتر كذا وكذا، ورخص له ابن عبّاس: أن يقول: لا تبرح بمالي، ولا تخاطر به بحرا»، والكراء «من اكترى نهرا (فلجا) بمائة درهم أو زيادة، فأعطى طائفة، وعجز عن أخرى، فله قدر ما عمل دون ظلم لأحد».
مع الانفتاح على المفاهيم والأدوات الإغريقيّة والفارسيّة، وظهور مفاهيم القواعد الفقهيّة والأصوليّة، والانتقال إلى دوائر معاملاتيّة أوسع ممّا كان عليه واقع الاجتماع البشريّ حين نزول النّصّ في مكّة والمدينة والحجاز عموما نتيجة التّمدّد الإسلاميّ في العراق وبلاد فارس والتّرك من جهة، وبلاد الشّام والمغرب الأقصى من جهة، ثمّ الانتقال إلى عصر التّأليف والتّدوين، بدأت مفاهيم معاملاتيّة جديدة وفق مصاديق منها ما كانت موجودة وقت نزول النّصّ، ومنها النّوازل الّتي استجدّت لاحقا، مثل مسائل السّلم، والاستصناع، والتّقسيط، والمرابحة، وكراء المنفعة، وقضايا المساقاة والمزارعة والودائع والهبات والوكالة والحوالة والكفالة والشّفعة وغيرها، ونتيجة وجود مساحة من الحريّة الفقهيّة؛ تكوّنت مدارس فقهيّة، وآراء مختلفة حول العديد من المسائل، تركت لنا مئات المؤلفات والمخطوطات والمسائل في هذا الجانب، وهي تؤرخ –كما أسلفت– حركة تطوّر الاجتماع البشريّ في هذا الاتّجاه، هذه الحركة هي حركة تأريخيّة بشريّة نسبيّة، وليست لاهوتيّة مطلقة ومغلقة لا يمكن التّعامل معها وقراءتها من جديد، وتطويرها وفق واقعنا اليوم وأدواته، وليس وفق واقع تلك المرحلة وأدواتها.
بعد عصر النّهضة اهتدى العالم الغربيّ إلى فكرة البنوك التّجاريّة والمصرفيّة، ويشير أحمد محمّد لطفي في بحثه السّالف الإشارة إليه إلى «أنّ أول بنك جدير باستحقاق هذا الوصف هو البنك الذي أسّس في البندقيّة في إيطاليا عام 1157م، ورغم تعدّد المصارف الّتي أنشأت بعد ذلك، إلّا أنّ البداية الحقيقيّة والمعتبرة لنشأة المصارف الحديثة لا تتعدّى في نظر البعض الرّبع الأخير من القرن السّادس عشر الميلاديّ، وذلك ابتداء من قيام بنك في البندقيّة عام 1587م والذي سمى باسم Banko della pizzadi Rialto والّذي أنشأ على شاكلته بنك أمستردام الهولنديّ عام 1609م، ويعتبر هذا المصرف هو النّموذج الّذي سارت عليه معظم البنوك الأوروبيّة الّتي تمّ تأسيسها بعد ذلك.
في عالمنا الإسلاميّ عموما دخلت فكرة البنوك مع الدّولة العثمانيّة باسم البنك العثمانيّ Ottoman Bank في 1856م، ثمّ بدأت تتمدّد في مصر وبلاد الشّام، وكانت الرّؤية الفقهيّة أكثر انفتاحا وتصالحا معها، ولم تظهر تلك الجدليّات الحرفيّة إلّا مع انتشار فكرة الأسلمة والّتي تنامت مع الصّحوة الإسلاميّة، فظهرت عندنا أسلمة السّياسة، وأسلمة الاقتصاد، وأسلمة المجتمع، ممّا أحدث انغلاقا في العقل الجمعيّ لعدم قدرته في التّفريق بين ما هو مطلق وثابت، وما بين ما هو متحرّك لتحرّك الاجتماع البشريّ، هذا الانغلاق أوجد حدّيّة ثنائيّة حول البنوك بشكل عام، وخلق ثنائيّة نتيجة جعل المصارف المتعلّقة بالاجتهاد الإنسانيّ في دائرة المغلق أي الإسلام، فظهر لدينا مصطلح المصارف الإسلاميّة، مع أنّها مصارف اجتهاديّة لا علاقة لها بدين معيّن، فليس لدينا مصارف بوذيّة أو يهوديّة أو مسيحيّة، وكذلك في الإسلام، هناك اجتهادات متحرّكة لا تعني أنّها هي الإسلام، والخطأ فيها لا يعني خطأ في الإسلام، ولا يعني أنّ البنوك التّجاريّة الأخرى أنّها خارج دائرة الإسلام، هذه الثّنائيّة أثّرت سلبا اليوم في رؤية العقل الجمعيّ للبنوك ذاتها، كما أوجدت رؤية متطرّفة في بعض المجتمعات وصلت إلى تكفير وتفسيق من يعمل في البنوك التّقليديّة، كما اضطّر الفقيه ذاته إلى التّحايل لتبرير المعاملات باسم المرابحة أو المضاربة مثلا، مع أنّ هذه المصارف تحمل ذات الآليّة، وتؤدّي إلى نفس النّتيجة.
يرجع بعضهم ومنهم أحمد محمّد لطفي أنّ أول مصرف إسلاميّ بدأ في مصر عام 1963م «في مركز ميت غمر بمحافظة الدّقهليّة، حيث أنشئ هناك أول بنك إسلاميّ تحت مسمّى بنك الادّخار المحلّيّ»، بيد أنّ هذا البنك غايته «الرّغبة في مشاركة المسلمين في تكوين رأس المال الذي يستخدم في تمويل المشروعات، وكان توزيع العائد على المساهمين يقوم على أساس المشاركة في الرّبح والخسارة» فهو أقرب إلى الشّركات والجمعيّات التّعاونيّة ولا يمكن اعتباره أول مصرف إسلاميّ، فهو مصرف تجاريّ تشاركيّ، ومع بروز الأسلمة وتناميّ التّيارات الإسلاميّة الحركيّة في عهد محمّد أنور السّادات (ت: 1981م) أنشأ بنك ناصر الاجتماعيّ، والّذي حصر ذاته في التّجارة والخدمات الاجتماعيّة كالقروض الحسنة وتوزيع الزّكاة والصّدقات؛ وفكرة هذا البنك كما يذكر أحمد لطفيّ أنّه «تقدّمت جمهوريّة مصر العربيّة ودولة باكستان للمؤتمر الثّاني لوزراء خارجيّة الدّول الإسلاميّة الذي عقد في كراتشي في ... ديسمبر 1970م باقتراح إنشاء بنك إسلاميّ دولي، وكلّف المؤتمر جمهوريّة مصر العربيّة بمسؤولية القيام بدراسة شاملة لهذا المشروع على ضوء اقتراحها، وبالفعل قدّمت الدّراسة المصريّة لإقامة نظام العمل في البنوك الإسلاميّة لوزراء خارجيّة الدّول الإسلاميّة الثّالث المنعقد في جدّة في الفترة من 29 فبراير حتّى 4 مارس 1972م، وناقش المؤتمر كذلك دراستين قدّمتا من باكستان ومن الأمانة العامّة لمنظمة المؤتمر الإسلاميّ عن تصور عمل البنوك الإسلامية، وفي 3 شعبان عام 1391هـ الموافق 3 سبتمبر عام 1971م صدر في مصر القانون رقم 66 لسنة 1971م بإنشاء بنك ناصر الاجتماعيّ، تلاه بعد ذلك إنشاء البنك الإسلاميّ للتّنمية في جدّة عام 1975م».
مع تمدّد تيّار الأسلمة في الخليج وباكستان وعموم الوطن العربيّ، ومن ثم تركيا وإيران وبنجلاديش وماليزيا وغيرها؛ بدأت تتمدّد فكرة المصارف الإسلاميّة، ليظهر مثلا بنك دبي الإسلاميّ 1977م، وبيت التّمويل الكويتيّ 1977م، والبنك الإسلاميّ الأردنيّ للتمّويل والاستثمار 1978م، ومصرف قطر الإسلاميّ 1982م، ومصرف فيصل الإسلاميّ البحرينيّ 1982م، وبنك بنجلاديش الإسلاميّ 1983م، ومصرف الرّاجحيّ السّعوديّ 1987م، وبنك التّمويل المصريّ السّعوديّ 1989م، والبنك اليمنيّ الإسلاميّ للاستثمار والتّنمية 1996م، ومصرف أبو ظبي الإسلاميّ 1997م. أمّا في عُمان تأخرت فكرة البنوك الإسلاميّة عن مثيلاتها في الخليج، ونتيجة ضغط التّيار الدّينيّ بدأت كنافذة في بنك مسقط، والّتي سمّيت لاحقا نافذة ميثاق، وبعد أحداث 2011م سمح بإنشاء مصارف إسلاميّة، وفي 18 ديسمبر 2012م أصدر البنك المركزيّ العمانيّ الإطار التّنظيمي للمصارف الإسلاميّة «للقيام بالأنشطة المصرفيّة الإسلاميّة في سلطنة عُمان من خلال إنشاء مصارف إسلاميّة مكرَسة كاملة، أو نوافذ مصرفيّة إسلاميّة تعمل داخل المصارف التّقليديّة»، فظهر بنك نزوى 2012م، ثمّ بنك العزّ الإسلاميّ 2013م، ثمّ تبعتها بعض المصارف، كما استقلّ بنك ميثاق عن بنك مسقط.
ما أردت الحديث حوله سلفا من الوعي التّأريخيّ أنّ ظهور فكرة البنوك الإسلاميّة لها علاقة بالاجتماع البشريّ في صورته المتحرّكة والنّسبيّة، ولا يعني أنّه منظومة دينيّة إلهيّة مغلقة، ولا يعني أيضا أنّ البنوك التّقليديّة بنوك خارج إطار الأديان أو الإسلام، فهي كذلك منظومات اقتصاديّة متحرّكة، فينبغي أن يستوعب العقل الجمعيّ هذا المتحرّك، حتّى لا يقودنا إلى ثنائيّة متطرّفة، تعوق حركة التّنمية والاقتصاد في المجتمع، فواقع التّنميّة اليوم متداخل ومتشعب ومعقّد أيضا.
الوعي الفقهيّ
إدراك الوعي التّأريخيّ يقودنا إلى إدراك الوعي الفقهيّ حول المصارف الإسلاميّة، فهي لا تخرج عن دائرة الاجتهاد والرأي، أي المتحرّك والنّسبيّ، وقديما يفرّقون بين مسائل الدّين ومسائل الرّأي، فمسائل الدّين دائرتها ضيّقة ومغلقة، أمّا الأصل في المعاملات البشريّة الاجتهاد والرّأي، لهذا مسائل الرّأي هي مسائل الاختلاف فيها لا يترتب عليه تكفير ولا تفسيق، كما أنّها قابلة للتّطوّر، والانفتاح على الاجتهاد الإنسانيّ الأوسع، وعدم الانغلاق على الأدوات المعرفيّة، والاجتهادات التّراثيّة السّابقة، يقول مثلا محمّد عبده (ت: 1905م) في الأعمال الكاملة: «إنّ النّاس تحدث لهم باختلاف الزّمان أمور ووقائع لم ينصّ عليها في هذه الكتب، فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟ هذا لا يستطاع»، ويقرّر هذا سعيد شبّار في كتابه الاجتهاد والتّجديد في الفكر الإسلاميّ المعاصر «النّصوص الشّرعيّة في مجال الحياة العامّة أقل عددا، وأوسع مرونة، وهي نصوص مقاصد أقرب منها إلى نصوص الأشكال، فلا تجد في باب الأمارة ما تجده في الصّلاة من أحكام كثيرة منضبطة، ولا تجد في الاقتصاد ما تجده في الطّهارة أو النّكاح»، أي مفتوحة حب حركة وتطوّر الاجتماع البشريّ.
وحول البنوك التّجاريّة أو التّقليديّة ظهرت جدليّات فقهيّة حول الفائدة أهي داخلة في الرّبا أم هو جانب استثماري طبيعيّ، وهل يختلف إذا كانت مشروطة أو لا، وهل النّقود تقوم مقام ثمنيّة الذّهب والفضّة، وهل الرّبا معلّل بالظّلم، أم هي علّة قاصرة، وما يتعلّق بالودائع والادّخار وفوائدها، والأسهم والضّمانات والكفالات والبطاقات الائتمانيّة وغيرها، هذا الخلاف ذاته داخل المصارف الإسلاميّة، فهناك جدل فقهيّ كبير نحوها بالكليّة، أو في بعض معاملاتها، كالمرابحة للآمر بالشّراء أهي شراء وقبض أم تحايل على القرض المجرّ نفعا، وقضايا التّورق، وقضايا الصّكوك والغرامات إلى قضايا استقلاليّة المصارف الإسلاميّة أم هي ضمن منظومة عالميّة أوسع لا تستطيع الانفكاك عنها.
هذا الجدل حالة طبيعيّة إذا نظرنا إليه من زاوية واسعة، أي قضايا الرّأي، ولم نجعلها في دائرة قضايا الدّين المغلقة. العقل الجمعي حينها ينشأ على سعة الاختلاف والاجتهاد، ولا يرهن بأحاديّة مغلقة تجعله يعيش ازدواجيّة الواقع، ثمّ حتّى لا يدخل في ثنائيّة الإسلام والكفر، والإيمان والفسق في مسائل متحرّكة، هذا بذاته يجعل المنظومة الاجتماعيّة منظومة متحرّكة وقابلة للتّفاعل في الحراك الإنسانيّ الأوسع، وأن يكون للدّول القطريّة العربيّة خصوصا قدرتها على التّفاعل مع المتحرّك التّأريخيّ، وأوله ما يتعلّق بالتّفاعل والإحكام والرّيادة في الجوانب الاقتصاديّة والماليّة، ممّا يخلق مجتمعا قادرا على التّفاعل والإبداع، وليس منغلقا على صور تأريخيّة ماضويّة.
نخلص أنّ هذين الأمرين أي الوعي التّأريخيّ والفقهيّ يقودان اجتماعنا البشريّ اليوم في دولنا القطريّة إلى الانفتاح الاقتصاديّ العالميّ، وأن نكون عنصر تأثير، ولا نتوقف عند التّأثر والتّقليد، أي أن نكون عالة على الوقائع السّابقة من جهة، والمنظومات الحاليّة من جهة أخرى، وخصوصيّتنا لا يعني الانغلاق، لننظر إلى تعدّد البنوك والمصارف أنّها حالة صحيّة في مجتمعاتنا، حيث تترك في دائرة التّفاعل الطّبيعيّ، ولا تدخل في دائرة النّصوص المغلقة، وترهن بالكليّة لاجتهادات تأريخيّة سابقة، ممّا يعوق حركة الاقتصاد الوطنيّ، ويؤخّر نتاجه وريادته والإبداع فيه.
بدر العبريّ باحث وكاتب عُمانيّ
