السياسة الصناعية في عصر اللايقين
15 يوليو 2026
15 يوليو 2026
يوان يوان آنغ
عادت السياسة الصناعية إلى الواجهة، وبقوة غير مسبوقة. فبعد عقودٍ من الترويج لنهج النيوليبرالية، أعاد صناع السياسات والمفكرون في الغرب اكتشاف دور الدولة في التنمية الاقتصادية. وحتى البنك الدولي انضم إلى هذا التوجه، معترفًا بأن نصائحه السابقة لم تعد تملك سوى «القيمة العملية لقرص مرن»، وأن على كل دولة أن تجعل السياسة الصناعية جزءًا من أدواتها الوطنية. غير أن الانتقال من طرفٍ إلى آخر لا يعني بالضرورة إعادة التفكير من جديد. فكثيرٌ من الحماس الدائر حول السياسة الصناعية يتجاهل حقيقةً جديدة، وهي أن الاضطرابات المتزامنة التي يشهدها العالم اليوم — كالذكاء الاصطناعي، وانحسار العولمة، والصدمات المناخية، والتوترات الجيوسياسية — تجعل من الصعب على صناع القرار معرفة أي القطاعات أو التقنيات تستحق الرهان عليها.
في القرن العشرين، كان الطريق الذي سلكته الدول المتأخرة في التصنيع واضحًا، وإن تطلب انضباطًا شديدًا في التنفيذ: بناء البنية الأساسية، واستقطاب المصانع، والتصنيع من أجل التصدير، ثم الارتقاء تدريجيًا في سلاسل القيمة. أما اليوم، فلم يعد هذا المسار واضح المعالم. فبحكم تعريفها، لا يمكن التنبؤ بالابتكارات المزعزعة للتوازن. وبحلول الوقت الذي يدرك فيه صناع السياسات أهمية بعض التقنيات حقًا – مثل أشباه الموصلات – يكون القطار قد غادر المحطة بالفعل.
ويزداد اختيار «الرابحين» تعقيدًا في الاقتصادات الغربية المتقدمة، لأن السياسات فيها لم تعد تستند إلى اعتبارات التنافسية الاقتصادية وحدها، بل أصبحت ترتبط أيضًا باعتبارات الأمن القومي. وما إن تهيمن هذه الاعتبارات، حتى يصبح من الممكن تصنيف كل شيء تقريبًا بوصفه «حيويًا» أو «استراتيجيًا»؛ من أشباه الموصلات والمركبات الكهربائية، إلى الأسمدة، والكمامات، وحليب الأطفال، ومسكنات الألم، بل وحتى الأخشاب.
لذلك، لم يعد الجدل يدور حول ما إذا كان ينبغي للحكومات أن تتدخل، فمعظمها يتدخل بالفعل. وإنما يتمثل السؤال الحقيقي في: ماذا تستطيع الحكومات أن تفعل عندما لا تعرف مسبقًا ما الذي سينجح؟
ويتمثل أحد الأجوبة التي يطرحها البنك الدولي وغيره في ضرورة التكيّف والتجريب. لكن من الذي يمكن أن يعترض على ذلك؟ فالسؤال الذي يبقى بلا إجابة هو: كيف يمكن للحكومات، عمليًا، أن تُمكّن عملية التكيّف؟
قبل عشرة أعوام، وفي كتابي «كيف أفلتت الصين من فخ الفقر»، طرحت مفهوم «الارتجال الموجَّه». فالحكومات التي تعتمد هذا النهج لا تُملي النتائج مسبقًا، ولا تختار الرابحين سلفًا. بل تؤدي دورًا أشبه بمخرج مسرحية ارتجالية، أو بمبرمج لعبة حاسوبية تتولد أحداثها ذاتيًا. وتتمثل مهمتها في تهيئة الظروف التي تسمح بالإبداع التلقائي الصاعد من القاعدة إلى القمة، وصياغة طيف واسع من الاحتمالات من خلال رسم الحدود، وتحديد معايير النجاح ومكافأته، ثم توسيع نطاق المبادرات التي تثبت نجاحها.
وتنطلق هذه الفكرة من أن اللايقين – أي جميع الاحتمالات المجهولة، سواء كانت إيجابية أم سلبية – يختلف عن المخاطر، التي تعني النتائج السلبية التي يمكن حساب احتمالات وقوعها والسيطرة عليها. ففي ظل اللايقين، لا يكون اختيار النتائج مسبقًا عديم الجدوى فحسب، بل قد يأتي بنتائج عكسية، لأنه قد يدفع الحكومات إلى إغفال فرص لا تنسجم مع توقعاتها الأولية. وبدلًا من السعي إلى السيطرة، ينبغي للحكومات أن تمارس التأثير.
وتتمثل إحدى وسائل تحقيق ذلك فيما أُسميه «التواصل السياسي التكيفي». فعندما تواجه الحكومات تحديًا جديدًا، يمكنها في البداية إصدار إشارات رمادية (غامضة)، لا تؤيد النشاط ولا تحظره. ثم، عندما تثبت التجارب الأولية نجاحها، يمكنها إعلان دعمها لها بصورة صريحة، مع رسم خطوط حمراء تحول دون المخاطر غير المقبولة.
وقد أصبح بالإمكان قياس هذه الآلية بصورة منهجية. ففي دراسة حديثة، استخدمتُ مع زملائي نماذج لغوية كبيرة لتصنيف التوجيهات السياسية الصادرة عن الحكومة المركزية الصينية، وتتبع كيفية تطور إشاراتها عبر الزمن وفي مختلف مجالات السياسات. وما توصلنا إليه يقوض الصورة النمطية التي تصور الصين على أنها «دارث فيدر» السياسة الصناعية؛ أي دولة حاضرة في كل مكان، تخطط لعقود، وتختار الرابحين مسبقًا، وتغدق عليهم الدعم، وتسعى إلى الهيمنة على العالم.
ولنأخذ التجارة الإلكترونية مثالًا، وهي إحدى أهم محركات النمو الشامل. فالصين تمتلك اليوم أكبر قطاع للتجارة الإلكترونية في العالم، إذ تستحوذ على نحو 50% من المبيعات العالمية، وتوفر ما يُقدَّر بين 50 و70 مليون فرصة عمل. كما تُسرّع منصات التجارة الإلكترونية مبيعات عدد لا يُحصى من تجار التجزئة ومصنعي السلع الاستهلاكية، مثل الولاعات والمصابيح والجوارب؛ وهي منتجات قد لا تحمل أهمية جيوسياسية، لكنها تظل ضرورية للحياة الحديثة، ليس أقلها في الولايات المتحدة.
لكن، هل كانت التجارة الإلكترونية من بين القطاعات التي استهدفتها الحكومة في برنامج «صنع في الصين 2025»؟ في الواقع، صدر أول توجيه مركزي يتعلق بالتجارة الإلكترونية عام 2000، عندما أشار مجلس الدولة إلى «خدمات معلومات الإنترنت»، التي عُرّفت آنذاك بصورة ضيقة على أنها تقديم المعلومات عبر الإنترنت وتصميم صفحات الويب مقابل رسوم. ولم يكن المخططون المركزيون يتوقعون ظهور التجارة الإلكترونية بالشكل الذي نعرفه اليوم.
وفي الوقت نفسه، لم تتبنَّ الحكومة نهج عدم التدخل. فمع نمو القطاع، بدأت الدولة تراقب تطوره، ثم عدّلت استراتيجيتها وفقًا لذلك. ففي عام 2015، وافق مجلس الدولة على طلب حكومة مقاطعة تشجيانغ إنشاء مناطق تجريبية للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود، داعيًا إلى «دعم الابتكار الجريء» و «التكيف مع متطلبات العصر». وبعبارة أوضح، كان ذلك بمثابة ضوء أخضر لتوسيع صناعة أثبتت جدواها، بعدما نجحت السلطات المحلية في إقناع الحكومة المركزية بتقديم الدعم لها.
والدرس الذي يمكن أن تستخلصه الدول الأخرى ليس أن تقلد الصين، بل أن تدرك أن التحدي الحقيقي للسياسة الصناعية في ظل اللايقين لا يكمن في اختيار الرابحين، وإنما في اكتشافهم. وبعد اكتشافهم، يصبح من الضروري تصميم أشكال من الدعم تتجاوز الأدوات التقليدية، مثل الرسوم الجمركية والإعانات. فقد جاء بعض أكثر أشكال الدعم الحكومي فاعلية في قطاع التجارة الإلكترونية من سياسات شجعت الصناعات التقليدية على الاندماج في المنصات الرقمية.
وليست الصين المثال الوحيد على ذلك. فمن كان ليتوقع أن تصبح نيجيريا ثاني أكبر منتج للأفلام في العالم من حيث حجم الإنتاج؟ أو أن تتحول صناعة الأزياء، مدفوعة بالتجارة الإلكترونية، إلى واحدة من أسرع الصناعات الإبداعية نموًا في إفريقيا؟
وعلى نطاق أوسع، فإن كثيرًا من القطاعات الرقمية والإبداعية النشطة التي تنشأ من القاعدة إلى القمة في أفريقيا تتحدى التصور التقليدي للسياسة الصناعية، القائم على المصانع الممولة أجنبيًا والمجمعات الصناعية.
يوان يوان آنغ أستاذة الاقتصاد السياسي في جامعة جونز هوبكنز
