روضة الصائم

وحشة لا يغسلها وضوء .. رواية " مدن الحليب والثلج " لجليلة السيد

05 مارس 2026
بين دفتين
05 مارس 2026

" أمرُّ بين المسافرين شبحًا لا يرى، هم يذهبون إلى وجهاتهم، يحملون تذاكرهم، حقائبهم، خططهم، وأنا... أحمل ابنتي في صندوق، عائدة بها لموت قد يكون اختيارا أو كمينا نصب إليها بنية معتمة"

تتحرك الرواية على مساحات مكانية متعددة، وفي زمن متغير كذلك...فمن ناحية الحضور المكاني سنجد أن الرواية تتحرك بدءا من سوريا وبعض مناطقها، كدمشق ودير الزور، والرقة والموصل من العراق، والبحرين، وتركيا والسويد، ومن ناحية الزمن فهي تتحرك من بدء الثورة السورية، إلى تاريخ سقوط النظام السوري ودخول الثوار للقصر الجمهوري. تاريخ الانتهاء من الرواية جاء بتاريخ 2025.

تنوعت شخصيات الرواية، فقد تعددت وفق الأماكن والزمن، إلا أن محور الرواية يتمحور حول لولوة، الساردة للرواية مع أطفالها جمان، ويوسف، وكريم ومن ثم يأتي أخوتها، عبدالله وعيسى، وحبيبها عصام ابن خلها، وأمها، ووالدها وبعض الشخصيات كزوجها الأول عبد الحي، وشخص في البحرين باسم علي.

"حاولت لكني كنت كمن يشرح رقصة التانغو لتمثال حجري، تحطمت كل محاولاتي على صخرة طباعه، في كل مرة أقترب منه، أترتطم بها. طفلتنا؟ لم ير فيها إلا مشروعا خاسرا، ستة أشهر بعد ولادتها بلا حضن، أو نظرة، بلا أي بادرة تشي بأن في بيته طفلة"

تبدأ الكاتبة حكايتها من الزواج الأول، فبعد وفاة والدها تقول:" ببراءة طفل غرر به، صدقتها، حين ساقني أخي عبدالله نعجة إلى بيت صاحبه. غير أنني أفقت سريعا على حقيقة مرة: الأب لا يعوضه زوج، مهما كان عمره أو منزلته. وآمنت أن بعض الفقد يشبه ثقبا لا يردم، مهما حاولنا، تهزمنا هشاشته" ومن هنا تبدأ رحلة الاغتراب الروحي والجسدي، فهذه الزيجة جاءت في أجواء ضعف نفسي وشخصي فوفاة والدها أفقدها الكثير من القوة، برغم وجود أخوتها الذين كان لهم دورا سلبيا في هذه الزيجة وخاصة عبدالله الذي تصفه بالقصاب الذي حمل نعجته للذبح. تتم الزيجة من عبد الحي الذي رأى فيها تكملة للبيت لفراغ يسده بها، عاملها كقطعة يقضي فيها حاجته، قطعة ليس لها أي حقوق.

زوج سكير يفرغ همومه بضربها وركلها، مستغلا ضعفها وصبرها، حتى تلد "جمان" البنت التي جاءت في هذه الظروف كشمعة، تمنت أن تنير عتمة حياتها وتتغير حياتها، إلا أن عبد الحي رأى أن وجود الطفلة زيادة في الخسائر" على صوت انكساري، دفعني خارجا، كمن يتقيأ وجودي من حياته، ثم أغلق الباب خلفه، وأنا مرمية في منتصف النهار، تحت شمس تلهب الأرض فتتبخر من حرارتها كرامتي، حافية، بملابس البيت، بلا شيء يسترني سوى هذا الذل الذي التصق بجسدي" ليكون الطلاق.

تحصل عائلة لولوة على الجنسية البحرينية، وتكمل تعليمها، لتصبح بعد ذلك اختصاصية تربية خاصة. العمل استطاع أن ينقل بعض جروحها للصف الثاني، إلا أن الشام وبيت القيمرية لا يتركان ذاكرتها، هناك حيث النبض الأول والجرح الأول، هناك الجدران التي تفوح برائحة الياسمين الدمشقي، وهناك عصام ابن الخال الذي ينتظر رؤيتها. تصل لمربع صباها، للمكان الذي تتلمس حجارته قبل ناسه، إلا أنها فوجئت بغياب عصام الذي منت قلبها برؤيته. قال لها خالها: لقد ذهب للموصل.

يلبي عصام -الشباب الثائر- النداءات التي بثتها الخلايا التابعة "للدولة الإسلامية" ويتوجه لدير الزور، ومن ثم للموصل "رأيت ما لا تراه العين إلا حين تفتح أبواب الجحيم. المدينة عروس الشمال، تحولت إلى ميدان يعج بالغرباء... عملت سائقا للأمير أبي قتادة الشامي... الليل قناص لا ينام، والموت، دخان يتسرب"

حاصرت الأحزان لولوة بعد وفاة والدتها، ولكن مرور عصام يوم تكريم جمان، جاء مثل نسمة باردة في وهج القيظ، لكن سرعان ما اختفى. جعل لولوة بين حب الطفولة وبين حب تراه في يدها، تمني نفسها أن يعيد لها ما سرقته الأيام "علي" الذي أمنته على جمان ليوصلها لمركز الموهوبين، تحرش بجمانة" لا تقتلك الطعنة الغادرة فورا، هي تتركك تنزف بأسئلتك: شلون؟ كان تمزقًا بطيئًا في داخلي، صدعا أسمع تشققاته"

تريد لولوة أن ترمم ذاتها، بعد أن عرفت أن عصام رجع من الموصل، ولكنه لم يفارق غرفته. طائر مكسور الجناح، مقاتل عاد من حرب كان نصيبه فيها جرح أدمى روحه قبل جسده" أفتش في العتمة عن وجه الله ... وأسأل أين طريق الله في كل هذا العبث؟ في الموصل، كنت شاهدًا على موت الحقيقة. الفكرة تذبح، الإنسانية تسحق تحت راية الدين" يلتقيان، كما تلتقي مصبات الأنهر، الكثير من الرواسب والكثير من المياه الضحلة." أنا لست ورقة يعود لها إذا بقي مقعد شاغر. أنا اليقين الذي لا يؤجل. أنا في حياته قدر، ولا رجعة في القدر" تعود رائحة الياسمين إلى قلبيهما، تعود دفاتر الحب والحنين لتلتقي مرة أخرى.

"في آب 2019، سافرت مع جمان إلى الشمال التركي. هناك عقد قراني أنا وعصام عند بحيرة أوزنجول. بحضور خالي وعامر، وعبير وزوجها وبناتهم، وحليمة، وزوجها، وبناتها" لم تكن عروسا، كانت امرأة تستعيد نفسها من الرماد. تم التخطيط إنه بعد شهر العسل تسافر لولوة وجمان إلى السويد بصفتهم مواطنين بحرينيين، بينما عصام سيسلك طريق التهريب.

في بيت عبير، في نورشوبينغ، التي تبعد قرابة الساعتين عن ستوكهولم، تستقر لولوة مع جمان، ليصل بعد ذلك عصام، وبعد شهرين تخصص لهم مؤسسة الرعاية الاجتماعية منزلا في سودرتاليا، هذه المدينة التي تحولت لوطن ثان للمهاجرين العراقيين والسوريين" الشتاء هنا طويل.

والليل ثقيل، والوحدة كالخنجر في الصدر" ترزق الأسرة بمولود "سيف" إلا أن هذا الطفل يعاني من التوحد، تنشغل الأم في تربيته الخاصة، في المقابل تبتعد جمان عنها، بشكل ملحوظ ومع غياب عصام الذي يفتح مطعما للمأكولات الشامية، تلمح بأن جارتهم اليهودية تعمل لديه ويعاملها بلطف وتقارب مما يفتح كل أبواب الماضي من القهر والخيانات والخذلان، إلا أنها تمني قلبها بأن ما شاهدته ربما ضرورة يمليها العمل.

وفي ذات مساء وهم في أحد المطاعم أشعل عصام سيجارته مع ابتهاج لولوة التي تحب عصام وهو ينفث الدخان، لكنها صعقت عندما أخذت جمان سيجارة وولعتها وأخذت تدخن مثل عصام. غادرت المطعم وفي البيت صفعت جمان على فعل التدخين. تبلغ جمان إدارة المدرسة والتي بدورها بلغت "السوسيال" وهي منظمة تركز على رعاية الأطفال والمسنين، وتتدخل لحماية القاصرين، والتي تأخذ جمان من أمهان لتحتضنها أسرة سويدية برغم كل الاعتراضات التي تبديها لولوة وعصام، إلا أنها تهزم في النهاية. وبعد ذلك ترزق لولوة بمولود تسميه كريم، إلا أن السوسيال تنتزع منهم الأطفال بحجة حمايتهم. تتعرض جمان للتحرش من الأسرة الحاضنة، ويهرب عصام مع البنت اليهودية، تتوفى جمان نتيجة جرعة زائدة من المهدئات، تنهار الأم عند سماعها للخبر. تعرف بعد ذلك بأن عصام راهن أطفاله باليهودية وكان له ما أراد.

تعود لولوة للبحرين، تعود محملة بنعش بذرتها الأولى، وجرحها الأول، وضحكتها الأولى.

في هذه الرواية، نلمس التشظي الذي يصيب الإنسان، سواء كان هذا التشظي نتيجة الظروف الاجتماعية التي تحيط بالإنسان، أو نتيجة الحروب، والهروب من آلامها وأهوالها وما تسببه من عاهات تبقى في الروح قبل الجسد، كذلك الهجرات لدول نعتقد بأنها تصون كرامتنا، بديلا عن أوطاننا التي تجذرت فيها قيمنا وعاداتنا وأخلاقنا. الرواية تختتم بأن للموت وحشة لا يغسله الوضوء.