No Image
روضة الصائم

وادي الحواسنة

15 مارس 2026
تاريخ عمان الجيولوجي
15 مارس 2026

يقع وادي الحواسنة في ولاية الخابورة بمحافظة شمال الباطنة، ويُعدّ من أهم الأودية التي تشكل ممرًّا طبيعيًا يربط بين ساحل الباطنة من جهة، ومحافظة الظاهرة من جهة أخرى.

ويمر عبره اليوم الطريق الذي يصل بين ولايتي الخابورة وعبري، ما يعكس أهميته الجغرافية بوصفه معبرًا تاريخيًا وحديثًا في آن واحد. وينتمي الوادي جيولوجيًا إلى الامتداد الغربي لسلسلة جبال الحجر، وقد اشتهر بجماله الطبيعي وأطلاله التي تشهد على تاريخ عريق، إذ تنتشر على امتداده واحات خضراء وأودية فرعية وأفلاج تقليدية أسهمت في قيام تجمعات سكانية مستقرة منذ قرون طويلة.

ويتميز وادي الحواسنة بتنوع جيولوجي لافت يظهر بوضوح في طبقاته الصخرية المكشوفة على جانبيه. فعند مدخله الشمالي، بالقرب من قرية الغيزين، تبرز صخور الأفيولايت النارية التي تمثل أجزاءً من قشرة محيطية قديمة. وتعود أصول هذه الصخور إلى أعماق محيطات سحيقة قبل عشرات الملايين من السنين، حيث تشكلت في بيئات بركانية تحت سطح البحر، ثم اندفعت لاحقًا فوق اليابسة نتيجة حركات تصادمية بين الصفائح التكتونية، في ظاهرة جيولوجية معروفة في جبال عُمان.

وتضم هذه التكوينات الأفيوليتية في منطقة الغيزين تنوعًا واضحًا من الصخور البركانية، بما في ذلك الحمم المتصلبة، والصخور السادية، والأعمدة البازلتية ذات الأشكال السداسية المميزة، إضافة إلى القواطع النارية العمودية التي تقطع الطبقات الصخرية الأقدم. وتعكس هذه البنيات البركانية العمليات التي كانت تجري في قاع المحيط القديم، حيث تشكلت سلاسل جبلية تحت مائية وأحزمة بركانية نشطة، ويشبه هذا المشهد الجيولوجي ما يمكن مشاهدته في أودية أخرى من محافظات الباطنة، مثل وادي الجزي في ولاية صحار ووادي الحيملي في ولاية الرستاق، مما يجعل وادي الحواسنة جزءًا من نطاق جيولوجي أوسع يتميز بانكشاف القشرة المحيطية القديمة.

وتنتشر التكوينات البركانية على ضفتي الوادي بين قرية الغيزين شمالًا وقرية كهنات جنوبًا، وتشكل هذه المنطقة وجهة مهمة للباحثين وطلبة علوم الأرض، حيث يمكن دراسة التسلسل الكامل لصخور الأفيولايت في بيئة ميدانية واضحة. وتوفر هذه الانكشافات فرصة لفهم طبيعة القشرة المحيطية وآليات انتقالها من بيئة بحرية عميقة إلى سطح اليابسة.

وفي منتصف وادي الحواسنة تظهر ما يُعرف بالنافذة الجيولوجية، وهي منطقة تنكشف فيها صخور رسوبية محيطية تشكلت في أعماق البحار بالقرب من صخور الأفيولايت.

وتتميز هذه الصخور بتباين ألوانها بين الداكن والفاتح، كما تظهر عليها طيات واضحة وصدوع متعددة نتجت عن الضغوط التكتونية الشديدة التي صاحبت عملية اندفاع الأفيولايت واستقراره فوق أرض عُمان. وتعكس هذه الطيات والكسور تاريخًا معقدًا من الحركات الأرضية التي أسهمت في تشكيل جبال الحجر الغربي.

وتضم هذه النافذة الجيولوجية أيضًا طبقات صخرية متحولة تُعرف تجاريًا بالرخام، وهي في الأصل صخور جيرية ترسبت فوق جزر بركانية قديمة في بيئات محيطية، ثم تعرضت لعمليات تحول حراري وضغطي أدت إلى إعادة تبلورها واكتسابها خصائصها الحالية. وغالبًا ما تظهر هذه الصخور على هيئة قمم بيضاء لامعة تميز المشهد الطبيعي على طول طريق وادي الحواسنة، وتشكل علامة بصرية واضحة وسط التكوينات الداكنة المحيطة بها.

ولا يقتصر جمال وادي الحواسنة على تنوعه الصخري، بل يمتد إلى منظومته البيئية والإنسانية، حيث تتوزع القرى الصغيرة والواحات على ضفافه، مستفيدة من المياه الجوفية والأفلاج التي غذّت الزراعة المحلية عبر الأجيال. ويمنح هذا التداخل بين الطبيعة الجيولوجية والتاريخ البشري الوادي طابعًا فريدًا، إذ تتجاور فيه القمم البركانية القديمة مع المزارع الخضراء، وتتداخل فيه الصخور التي نشأت في أعماق المحيطات مع آثار استقرار الإنسان العُماني.

وبذلك يمثل وادي الحواسنة نموذجًا متميزًا لموقع تتكامل فيه القيم الجغرافية والجيولوجية والتاريخية، حيث يشكل جسرًا طبيعيًا بين مناطق عُمان المختلفة، وسجلًا مفتوحًا لتاريخ القشرة الأرضية، ومشهدًا طبيعيًا يجمع بين صلابة الصخور وروعة الحياة المتجددة على ضفافه.