هويات وجذور ضائعة في تاريخ "أسنان بيضاء"
أزهار أحمد -
تنبع قوة الكتابة الإبداعية من موهبة الكاتب الأصيلة وقدرته على خلق حكايات وعوالم جديدة يصوغها بنفسه ويحرك أحداثها وفق ما يشاء، دون تقليد أو استعانة بحكاية من هنا وهناك، حتى يبدو النص حقيقة خالصة لا يخامر القارئ شك في أنها عمل متخيل.
كتبت الكاتبة الإنجليزية زادي سميث روايتها الأولى "أسنان بيضاء" وهي في الرابعة والعشرين من عمرها حين كانت طالبة جامعية، والمدهش أن الرواية نشرت قبل اكتمالها لتصبح فور صدورها في عام ٢٠٠٠ من أكثر الكتب مبيعا، وحصلت على العديد من الجوائز بما في ذلك جائزة بيتي تراسك وجائزة جيمس تايت بلاك التذكارية. ولم يمر وقت حتى تحولت الرواية إلى مسلسل تلفزيوني درامي بريطاني من أربعة أجزاء من إخراج جوليان جارولد شارك فيه كبار الممثلين. هذا النجاح الهائل الذي تحقق لشابة صغيرة ومن أول تجربة في الكتابة جدير بالإعجاب ومثار غيرة، لكن الحقيقة أن تلك الموهبة الاستثنائية لم تكن سوى عبقرية زادي سميث الإبداعية التي أثبتتها لاحقا في كتبها وأعمالها لتعتبر من أهم الكاتبات البريطانيات خلال العشرين سنة الماضية.
تتمحور رواية "أسنان بيضاء" حول اختلاط الهُويات العرقية في بريطانيا بين أولئك الذين هاجروا إليها من المستعمرات وضاعت هُوياتهم ولغتهم وعاداتهم ودياناتهم، وبين أبناء أولئك المهاجرين الذين ولدوا في بريطانيا منسلين من أي جذور تاريخية. تتقاطع حياة بطلي الرواية صمد إقبال المسلم البنجلاديشي، وأرتشي جونز الانجليزي الأصل اللذين تجمعهما صداقة طريفة في ظروف كوميدية. فتمتد صداقتهما لسنوات طويلة حين يشاركان في الحرب العالمية الثانية، إلى أن يقررا الزواج ويكوّنا عائلتيهما ويكبر أولادهما. هذان الصديقان تجمعهما حماقتهما وكآبتها وظروف حياتيهما المضحكة والغريبة والتي في أساسها هي مآسٍ إنسانية متكررة. إلا أن حضور صمد إقبال وصراعه المستمر بحثا عن هُويته أقوى من صراع أرتشي جونز الباحث عن ذاته والذي لا يرى معاناة في صراع صمد الذي يزداد بعد أن أنجب توأمين (ماجد وميلات) اللذين أخذا طباع وأسلوب حياة البريطانيين من كل النواحي. حتى أن ماجد وهو طفل صغير غير اسمه إلى مايك، مما كان صفعة كبيرة لصمد إقبال المتزمت وقرر إنقاذه، فأرسله لبنجلاديش عله يجد جذوره. هذا الصراع عكس صراع آيري ابنة أرتشي جونز من زوجته الجامايكية، فهي ولأنها تحمل جذورا مختلطة سعت جاهدة لإيجاد أصولها وتاريخها من جهة أمها. المشكلة التي تواجهها أنها لا ترقى إلى جمال الفتيات حولها ولا تلفت انتباه حبيبها ميلات الذي اندمج تماما في حياة البريطانيين. تتطور الرواية لتضم عائلة أخرى من أصول إنجليزية وثقافة عالية. فالعائلة متحررة تماما، ولا يثيرها موضوع الدين أو العرق والتاريخ. يدخل ميلات وآيري حياة هذه العائلة وتتطور الأحداث بشكل مثير. هذه العائلات الثلاث تمثل لندن بجميع أطيافها وتراكماتها التاريخية الحقيقية، وقد نجحت الكاتبة في رسم هذا الواقع اللندني باعثة رسالة عالمية حول صراع المهاجرين وقضايا انتمائهم وهمومهم الفردية في تحقيق الذات.
من يقرأ الرواية يلاحظ جيدا قدرة زادي سميث على كشف ووصف خبايا الواقع اليومي للمهاجرين، فكيف لها وهي في عمرها الصغير ذاك أن تأتي بفكرة كهذه وتتحدث عنها بكامل تفاصيلها الدقيقة، فتصف مختلف أنواع الأطباق البنجالية وطريقة صنعها، ومتى تسنى لها الخوض في التاريخ الإسلامي فقهيا وعقائديا لتتمكن من ربط شخصية صمد الذي يعاني من صراع قاتل بين واقعه ودينه، وجمعت من خلال الأحداث بين المسيحية واليهودية والإسلام وتفرعات هذه الديانات. وبأي طريقة تحققت من تاريخ عمره ١٥٠ عاما كاشفا ومتتبعا لأحداث تاريخية عالمية مع شخصيات الرواية ومهدت لها في الأحداث دون خلخلتها. هذا التاريخ الذي سجل سنوات الفترة الاستعمارية البريطانية في جزر الهند الشرقية ومنطقة البحر الكاريبي، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وما تلاها من إنهاء الاستعمار، لتستخدم زادي سميث شخصية "مانغا باندي" جد صمد إقبال البنجلاديشي راوية تاريخ الاستعمار البريطاني في الهند ودور هذه الشخصية في انقلاب الأحداث، ومن شخصية "هورتن بودين" الجامايكية جدة كلارا زوجة أرشي جونز الانجليزي التي ترسم للقارئ طبيعة قسوة الاستعمار البريطاني في جامايكا ونوعية الأفراد الحكوميين القائمين هناك، ودور الطبيعة في تغيير الأحداث ورسم تاريخ مختلف. ولأن الرواية تحكي تاريخ إنساني طويل فلم تغفل الكاتبة التطرق إلى أهم الشخصيات الأدبية والسياسية والدينية والفنية، وكان لحضور التغيرات الاجتماعية خط واضح خاصة فيما يتعلق بتطور الموضة والأزياء والموسيقى، والتحرر الفكري والاجتماع خلال منتصف السبعينيات وهي الفترة التي بدأت بها الرواية.
ربما البناء الفني للرواية هو المدهش لكاتبة في الرابعة والعشرين من عمرها، لأنها بكل بساطة وبقلم خبير متمرس أبدعت في تخطيط ورسم وصياغة كل عناصر روايتها. ثم نأتي إلى أصوات الشخصيات التي تحكمت فيها حتى آخر صفحة دون أن يفلت منها صوت أو يتداخل مع صوت آخر، وهذا يتكامل مع أحداث الرواية المحبوكة جيدا، فهي لم تترك شيئا للصدفة، ولم تدخل حدثا عنوة في صفحات الرواية. كذلك الشخصيات من الأمور اللافتة في هذه الرواية، فكل شخصية تؤدي دورها بشكل متوازن وثابت رغم كثرتها، إلا أنها لم تنازع حضور بعضها بعضا، فمن النادر أن يتكامل حضور شخصيات عمل أدبي بمختلف أدوارها. كما أن الحوارات بين الشخصيات مشوقة وسريعة وفكاهية، وهي دليل آخر على عبقرية زادي سميث في كتابة عمل مكتمل يحتفي بحياة حقيقية يمكن أن يستخدم أرشيفا توثيقيا لتاريخ طويل لبريطانيا ومستعمراتها وتنوع البشر الذين عاشوا في لندن ومدى التأثر والتأثير بالحياة فيها حتى اليوم.
