نيابة الأشخرة
تقع نيابة الأشخرة على الساحل الشرقي لسلطنة عُمان ضمن محافظة جنوب الشرقية، وتتبع إداريا ولاية جعلان بني بوعلي. وتُعد هذه النيابة من أبرز الوجهات السياحية في السلطنة، ولا سيما خلال فصل الصيف، حين تتحول إلى ملاذ مفضل للزوار الباحثين عن اعتدال الطقس وجمال الطبيعة الساحلية.
ويعود ذلك إلى تأثير الرياح الموسمية التي تهب على الساحل الشرقي المقابل للمحيط الهندي، فتجلب معها نسيماً بحرياً لطيفاً يخفف من وطأة الحرارة المرتفعة في بقية مناطق البلاد.
وتتراوح درجات الحرارة في شواطئ الأشخرة صيفاً بين نحو 22 و28 درجة مئوية، وهي معدلات معتدلة مقارنة بدرجات الحرارة السائدة في المناطق الداخلية خلال الفترة نفسها. كما تشكل القرى المجاورة مثل أصيلة والسويح ورأس الخبة والرويس امتداداً طبيعياً للجذب السياحي في المنطقة، بما تتمتع به من شواطئ مفتوحة ومناظر ساحلية خلابة.
ولا تقتصر أهمية الأشخرة على بعدها السياحي والمناخي، بل تتميز كذلك بتنوع جيولوجي لافت يعكس تاريخاً طويلاً من التحولات الطبيعية. فالجبال الواقعة إلى الغرب من النيابة تعرض مشهدا صخرياً متنوع الألوان والتكوينات، يكشف عن مراحل متعددة من تاريخ الأرض. ومن أبرز الظواهر الجيولوجية في هذه المنطقة انتشار الصخور النارية السوداء، ولا سيما البازلتية منها، التي ترتبط بنشاط بركاني قديم يعود إلى ملايين السنين. فقد انبثقت هذه البراكين عبر صدوع عميقة في القشرة الأرضية تمتد في اتجاه شمال جنوب، سمحت بصعود الصهارة من أعماق باطن الأرض إلى السطح.
والمثير علميا أن هذه الصهارة حملت معها قطعا من صخور طبقة الوشاح الأرضي، وهي طبقة تقع عادة على أعماق كبيرة تصل إلى عشرات الكيلومترات تحت سطح الأرض. ويمنح وجود هذه الصخور الباحثين فرصة نادرة لدراسة خصائص الطبقات العميقة من الصفيحة العربية دون الحاجة إلى الحفر العميق. وتظهر آثار هذه البراكين القديمة اليوم في صور الأقمار الصناعية بوضوح، حيث يمكن تمييز الفوهات والحلقات الدائرية التي تشكلت نتيجة النشاط البركاني، ويتجاوز عدد هذه التكوينات البركانية في غرب النيابة عشرة مواقع بارزة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه البراكين خامدة منذ ملايين السنين، ولا يوجد ما يدل على نشاط بركاني حديث في المنطقة.
إلى جانب الصخور النارية الداكنة، تحتضن جبال الأشخرة طبقات رسوبية متنوعة، من بينها صخور جيرية وأخرى رملية بألوان حمراء وبيضاء، تعود إلى فترات زمنية مختلفة من تاريخ الأرض. وتشير هذه الطبقات إلى أن المنطقة كانت في عصور سحيقة جزءاً من بيئات بحرية قديمة ترسبت فيها الرواسب على مدى ملايين السنين. وتحتوي بعض هذه الصخور على أحافير بحرية محفوظة بشكل جيد، يعود عمر بعضها إلى نحو 260 مليون سنة، أي إلى أواخر حقبة الحياة القديمة.
ومن بين الأحافير المكتشفة في هذه الصخور بقايا كائنات بحرية منقرضة، مثل ثلاثية الفصوص المعروفة بالتريلوبايت، والأمونيت ذات الأصداف الحلزونية، إضافة إلى زنابق البحر التي كانت تعيش مثبتة في قاع البحار القديمة. وتوفر هذه الأحافير سجلاً علمياً مهماً يساعد الباحثين على إعادة بناء البيئات البحرية القديمة وفهم التنوع الحيوي الذي ساد تلك الفترات، كما تسهم في تحديد الأعمار الجيولوجية للطبقات الصخرية ومقارنتها بمثيلاتها في مناطق أخرى من العالم.
وعند التأمل في المشهد الطبيعي غرب نيابة الأشخرة، حيث تتجاور الجبال السوداء البركانية مع التكوينات الحمراء والبيضاء الرسوبية، يتجلى تناغم لوني يعكس تنوع العمليات الجيولوجية التي شكلت هذه الأرض. هذا التباين بين الألوان والتراكيب الصخرية يمنح المنطقة طابعاً بصرياً فريداً، ويجعلها موقعاً مثالياً للسياحة الجيولوجية والدراسات الميدانية. ويستحضر هذا التنوع البديع قوله تعالى: ﴿ومن الجبال جُددٌ بيضٌ وحمرٌ مختلف ألوانها وغرابيبُ سود﴾، في مشهد تتجسد فيه عظمة الخلق عبر طبقات الأرض وتاريخها الممتد عبر مئات الملايين من السنين.
وهكذا تجمع نيابة الأشخرة بين اعتدال المناخ وجمال الساحل وثراء التاريخ الجيولوجي، لتقدم نموذجاً متكاملاً لموقع تتقاطع فيه عناصر الطبيعة والسياحة والعلم في آن واحد.
