من محبرة المبرّد
المبرِّد محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، ولد المبرد في الباطنة بعمان نحو سنة [210هـ = 825م]، لُقب بالمبرِّد لجمال وجهه وحسنه، وقيل: لدقته وحسن جوابه، ونسبه بعضهم إلى البردة تهكمًا، وذلك غيرة وحسدًا.
نشأ في البصرة، وتلقى العلم على عدد كبير من علمائها، ومنهم "الجاحظ"، ولم تقتصر روافد ثقافة "المبرد" ومصادر علمه على ما يتلقاه عن شيوخه فحسب، وإنما كان نهم القراءة؛ كثير المطالعة، فكان يقرأ كل ما يمكن أن يصل إليه من كتب السابقين.
حتى صار زعيم النحويين بلا منازع، وإمام عصره في الأدب واللغة، فأقبل عليه الطلاب من كل حدب وصوب، وصار بيتُه كعبة لطلاب العلم ورواد المعرفة من كل مكان.
واختصه كثير من سراة القوم وأعيانهم، لتأديب أبنائهم؛ لما عُرف عنه من العلم والفضل والأدب، وما اشتهر به من المروءة والوفاء. وكريم الخصال.
وبالرغم من أنه عاصر تسعةً من الخلفاء العباسيين فإنه لم يكن يحب أن يبيع علمه لهم، فلم يتصل إلا بواحد فقط منهم، هو "المتوكل"، وقد جاء خبر قدومه عليه في قصة لطيفة، فقد كان "المتوكل" قد قرأ يومًا في حضرة "الفتح بن خاقان" قوله تعالى: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بفتح همزة (أن)، فقال له الفتح: إنها يا سيدي بالكسر، وصمم كل منهما على أنه على صواب، فتبايعا على عشرة آلاف درهم يدفعها من لا يكون الحق في جانبه.
وتحاكما إلى "يزيد بن محمد المهلبي"، وكان صديقًا للمبرد، ولكنه خاف أن يسخط أيا منهما، فأشار بتحكيم "المبرد"، فلما استدعاه "الفتح" وسأله عنها قال: "إنها بالكسر، وهو الجيد المختار، وذكر تفسير ذلك والأدلة عليه.
فلما دخلوا على "المتوكل" سأله عنها، فقال: يا أمير المؤمنين، أكثر الناس يقرؤونها بالفتح، فضحك "المتوكل" وضرب رجله اليسرى، وقال: "أحضر المال يا فتح" فلما خرجوا من عنده عاتبه "الفتح"، فقال المبرد: "إنما قلت: أكثر الناس يقرؤونها بالفتح، وأكثرهم على الخطأ، وإنما تخلّصت من اللائمة، وهو أمير المؤمنين"! وتوثقت صلته بالفتح الذي أعجب بعلمه وذكائه وغزارة حفظه وحسن حديثه؛ فكان كل منهما يحرص على وُدِّ صحابه، ويقدر له مكانته.
عرف "المبرد" بطلاقة لسانه، وكان عذب الحديث، حسن الفكاهة؛ ولذلك حرص الولاة والأمراء على مجالسته ومسامرته. وكان أصدقاؤه يحبون ذلك منه، ويجيبون دعاباته بلطائف دعاباتهم. روي أن أحد الأدباء، وكان يُدعى "برد الخيار" لقي المبرد على الجسر في يوم بارد، فقال: "أنت المبرد وأنا برد الخيار، واليوم بارد، اعبر بنا سريعًا لئلا يصيب الناس الفالج" (مرض يصيب الإنسان فيرخِّي بعض البدن).
كان المبرد إلى جانب ما عُرف به من كثرة محفوظه وقوة حافظته ولطف فكاهته، يتمتع ببديهة حاضرة وذهن وقّاد [كما مر معنا في موقفه مع المتوكل]، وأكسبته غزارةُ علمه قدرةً فائقة على الرد على كل سؤال، وكان ذلك مثار عجب أنصاره وحسد أعدائه، حتى إنهم اتهموه بالوضع في اللغة لكثرة حفظه وسرعة إجابته.
وحينما قُتل المتوكل، قدم "المبرد" إلى "بغداد"، واتصل بالأمير محمد بن عبد الله بن طاهر فأكرمه وأجرى عليه أرزاقًا، وكان "أبو العباس أحمد بن يحيى" المعروف بثعلب على رأس علمائها ومشايخها، فخشي مزاحمة "المبرد" له، وانتزاع الرياسة منه؛ فأغرى به بعض تلاميذه يعنتونه بالأسئلة حتى يعجزوه؛ فينصرف عنه الناس، وكان "الزجاج" على رأس من أغراهم "ثعلب" به؛ لأنه كان أبرعهم حجة، وأكثرهم علمًا وذكاء. ولكن "المبرد" استطاع بعلمه وبلاغته وقوة حجته أن يأخذ بعقل "الزجاج" ويستحوذ على إعجابه؛ فترك "ثعلب" ولزم "المبرد" يأخذ عنه ويتتلمذ عليه.
وبالرغم من اشتعال المنافسة بين الرجلين واشتداد التنافر بينهما، وعنف "ثعلب" في الهجوم على "المبرد" وكثرة تعريضه به، وتعرضه له، فإن "المبرد" كان بعيدًا عن العنف به، ويأبى مواجهته بالسوء؛ فلم يُعرف عنه أنه أغرى به أحدًا من تلاميذه، أو أوعز إلى أحد أن يعنته بسؤال. بل إنه حينما سئل عن "ثعلب" قال: "ثعلب أعلم الكوفيين بالنحو"!.
توفي "المبرد" في (28 من ذي الحجة 286هـ = 5 من يناير 900م)
(2)
والمبرد هو أول من ألف في طبقات النحويين، وبالرغم من مكانة المبرد الأدبية والعلمية، وغزارة علمه واتساع معارفه، فإنه لم يصلنا من آثاره ومؤلفاته إلا عدد قليل منها:
1-الكامل: وهو من الكتب الرائدة في فن الأدب، وقد طُبع مرات عديدة
2-الفاضل: وهو كتاب مختصر يقوم على أسلوب الاختيارات، ويعتمد على الطرائف وحسن الاختيار.
3-المقتضب: ويقع في ثلاثة أجزاء ضخمة، ويتناول كل موضوعات النحو والصرف بأسلوب واضح مدعَّم بالشواهد والأمثلة.
(3)
ومن أعظم كتبه مكانة وسموا كتاب (الكامل)، وهو من المصادر الأدبية المهمة، كما عدها في ذلك ابن خلدون حيث قال:” سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعةُ دواوين وهي: كتاب الكامل للمبرد، وأدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتَبَعٌ لها وفروع منها.
”وقال القاضي الفاضل (طالعته سبعين مرة، وكل مرة أزداد منه فوائد).وقال في مقدمة كتابه: "هذا كتاب ألفناه يجمع ضروبًا من الآداب، ما بين كلام منثور وشعر مرصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة ورسالة بليغة. والنية فيه أن نفسر كل ما وقع في هذا الكتاب من كلام غريب، أو معنى مستغلق، وأن نشرح ما يعرض فيه من الإعراب شرحًا شافيًا، حتى يكون هذا الكتاب بنفسه مكتفيًا، وعن أن يُرجع إلى أحد في تفسيره مستغنيًا"، فالكتاب أتى جامعًا أجناسًا أدبية مختلفة بين دفتيه، من دون ترتيب منهجي معين فيه، والكتاب قيِّم جدًا يحتوي على كثير من المختارات الشعرية والخطب والقصص والحكم، وإيضاحات لغوية وشروح فيها الكثير من اللمحات النقدية.
كما يمتاز الكتاب بأمور منها: أنه يضم قدرا كبيرا من الآيات القرآنية مع تفسيرها تفسير واضحا، وشواهد نحوية ولغوية وهي منتخبة من 112 سورة . كما يضم عددا كبيرا من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة الإسناد وأيضا يستشهد بها. ويحتوي على عدد كبير من أمثال العرب، يقارب 75 مثلا مع ذكر أصل المثل والمناسبة.
والكتاب مليء بأجزائه الأربعة بنماذج من خطب العرب في مختلف العصور، كما أكثر من أخبار الحكماء مع ذكر أقوالهم، وقد حرص على تكرار هذا الموضوع تحت عنوان (نبذ من أخبار الحكماء) على مدى صفحات الكتاب. واهتم بالشعر والشعراء اهتماما كثيرا، فأورد الكثير من أخبار الشعراء ونماذج من أشعارهم، واهتم على طول صفحاته اهتماما بالغا بالبلاغة العربية في ضروبها جميعا، وقدّم ذلك مستشهدا بأمثلة وشواهد لشعراء قدامى ومحدثين.
كما اهتم بالنحو فتناول موضوعات النحو عن طريق تناول موضوع بعينه أو عن طريق الإعراب. كما يكثر من القضايا اللغوية درسا وتناولا وشواهد في مختلف أنحاء الكتاب. والكتاب مليء بالأخبار الأدبية والتاريخية والوثائق التي تهم المعرفة الإسلامية والعربية مثل: الرسائل والأخبار وأقوال الصحابة. كما أنه مليء بالطرائف الشعرية والعامة والخاصة، وأيضا بالأخبار القصيرة المليئة بالحكمة الفريدة في غرابتها. ويحتوي الكتاب على كثير من أخبار الخوارج بين دفتيه.
فيعد مصدراً مهمًّا لدراسة أخبار الخوارج، إذ أورد عددًا كبيرًا من أخبارهم واستطرد في إيراد أشعارهم وخطبهم وذكر فرقهم وحروبهم وقوادهم في باب مستقلٍّ أبان فيه عن منهجه في ذكر أخبار الخوارج فقال (وأخبار الخوارج كثيرة طويلة، وليس كتابنا مفردًا لهم، ولكنا نذكر من أمورهم ما فيه معنىً وأدب، أو شعر مستطرف، أو كلام من خطبة معروفة مختارة) وأتبع المبرد هذا الباب بعدة أبواب تحدث فيها عنهم بحديث طويل مفصّل فيه استطراد كبير، وقد يخرج إلى ذكر أمور أخرى ثم يعود إلى حديث الخوارج.. واعتذر المبرد عن الإطالة في أخبارهم بعد أن انتهى من ذكرها فقال (وهذا الباب لم نبتدئه لتتصل فيه أخبار الخوارج، ولكن ربما اتصل شيء بشيء، والحديث ذو شجون، ويقترح المقترح ما يفسخ به عزم صاحب الكتاب، ويصده عن سنته، ويزيله عن طريقه)...
