من فقه العمران الحضاري
د. سالم بن سعيد البوسعيدي -
أبو محمد الفضل بن الحواري السامي، عالم فقيه، من بني سامة بن لؤي بن غالب. وهو أحد تلاميذ ابن محبوب، وأحد أشهر علماء عمان في زمانه، عاصر الإمام المهنا بن جيفر، الذي حكم بين عامي (226-237هـ)، ثم الإمام الصلت بن مالك، حكم (237-272هـ).
تذكر كتب الأثر أنه كان لا يختلف اثنان في فضله وعلمه... قيل عنه وعن عزان بن الصقر: «إنهما في عمان كالعينين في جبين» لعلمهما وفضلهما.
عاصر الأحداث الكبرى في القرن الثالث الهجري، وكان أحد أبرز محركيها ومن أبرز ضحاياها، فبعد وفاة ابن محبوب تعرضت عمان إلى أزمة خطيرة في أواخر عهد الإمام الصلت بن مالك، الذي أمضى خمسًا وثلاثين سنة في الحكم حتى شاخ وثقلت رجلاه، فرأى القاضي موسى بن موسى أن الإمام غير مؤهل للاستمرار في منصبه لكهولته وعجزه، فذهب إلى نزوى يريد عزله، فاعتزل الإمام بنفسه، وحينها بايع القاضي موسى بن موسى راشد بن النظر اليحمدي إمامًا في عام (272هـ/885م)، بينما أعلن بعض كبار العلماء رفض البيعة، متمسكين بإمامة الصلت حتى وفاة الصلت عام 275هـ/888م. كما أن راشدًا برهن على عجزه وضعفه في ممارسة صلاحيته، حيث تجبر، ولم يحسن السيرة، ومن هنا كان انقسام علماء عمان إلى مدرستين فقهيتين: رستاقية ترفض خلع الإمام الصلت وتعتبره منافيًا للدستور الإباضي، ونزوية تطالب بنسيان الماضي، والاهتمام بالحاضر والمستقبل.
نتيجة كل ذلك، وقعت حرب أهلية طاحنة فرقت أهل عمان بين نزارية ويمانية، وكاد الأمر يخرج عن السيطرة، فأعلن موسى خلع راشد وبايع عزان بن تميم إمامًا سنة 277هـ، ولم يُذكر أن الفضل قد بايع أم لا. ولكن العلاقة بين عزان والقاضي موسى لم تلبث أن تأزمت، ولهذا قرر الإمام عزان أن يحسم الأمر فيعزل موسى عن القضاء (عام 278هـ/891م)، غير أن موسى رفض قرار العزل وجهز جيشًا للقتال، فلما علم عزان جهز هو الآخر جيشًا، فدخل إزكي ودمرها، وأوقع مجزرة رهيبة بين أهالي إزكي، مما زاد من انقسام أهل عمان إلى نزارية (عدنانية) مؤيدة لموسى، ويمنية (قحطانية) مؤيدة للإمام.
**
بعد وقعة إزكي جنحت قبائل نزار [وفي مقدمتها قبائل بني سامة بن لؤي] إلى الانتقام، فتحرك قادتها إلى الظاهرة وقاموا بالتعبئة وتشكيل جيش للثأر مما وقع في إزكي، حيث تجمعوا في صحار، ومنهم العلامة الفضل بن الحواري، وقدموا الحواري بن عبد الله الحداني الأزدي إمامًا (لتكون هناك دولة موازية لدولة الإمام عزان). وحين علم عزان بالأمر أرسل جيشًا لمواجهتهم، وجرت بين الفريقين معركة طاحنة في وقعة (القاع) بمنطقة عوتب من صحار، حيث انتصر جيش عزان، وقتل الحواري بن عبد الله والفضل بن الحواري عام 278هـ.
فخرج الناجون والفارون من معركة (القاع) قاصدين بغداد لطلب تدخل العباسيين، الذين وجدوها فرصة سانحة للقضاء على الدولة العمانية، فأصدر المعتضد بالله (278-289هـ) أوامره العاجلة بتنظيم حملة عسكرية ضخمة تحت قيادة محمد بن نور والي البحرين، حيث دخلت عمان في عصر مظلم تحت ابن بور.
(2)
من أهم آثار الفضل كتاب الجامع، وهو من أقدم كتب «الجوامع»، التي تبين منهجًا عمانيًا عميقًا في الجمع بين العقيدة والفقه، بل تظهر جانب الإسلام الكلي، عقيدةً وفقهًا وسلوكًا وأخلاقًا وآدابًا، كما أنها تحتوي مسائل وآراء متعددة، بعيدًا عن الرأي الواحد، وهي مناسبة للقراءة في المجالس، وفوق هذا وذاك هي خزانة لأقوال المتقدمين والمتأخرين، فهي فرادة عمانية تضاف إلى ما كان لهم من ريادة ونبوغ. فنحن إزاء كتاب لعله أقدم ما وصلنا في هذا الفن، وكان للفضل السبق في هذا الميدان، أو لعله من السابقين.
يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء، يشتمل كلُّ جزء على عدة أبواب، وجاء ترتيبه عجيبًا، كأنما بدأ بالقضايا الأهم في حياة الناس وواقعهم، فمثلًا في الجزء الأول يبدأ المؤلف بباب «أمر الولد ولزومه الوالدات»، وكأنما ينتبه إلى مسألة الابتداء بالتربية، ويستمر في عرض مسائل في هذا المعنى، فيتناول المؤلف في باب تالٍ «الوالدة إذا طلبت الولد»، كما يتناول المؤلف تحت هذا الباب بعض المسائل المتعلقة بالنفقة، وما يفرض للمرأة مقابل رعايتها لطفلها من مطلقها، وأن مقدار هذه النفقة يختلف قدره من والد فقير إلى والد غني. كما يعرض في باب آخر «نفقة المرأة وموتها وما يجب لها غير ذلك»، فيشير إلى أن الصداق حق للمرأة، والنفقة تلزم الرجل، وعليه أن يؤديها إلى زوجته، ومن الحقوق التي يحددها المؤلف للمرأة في هذا الباب أن الرجل لا يحج تطوعًا إلا بعد أن يستأذن زوجته، ولها أن تمنعه. وبين مسائل في الكسوة وحقوق الزوجة، و«مؤنة الزوجة»، ومؤنة الأولاد، ونفقة المطلقة، ونفقة الوالدين، ومن لم يكن له مال، وصدقات النساء، وغير هذا من مسائل. وهي كلها -كما ترى- مسائل أسرية، غير أن الفضل جنح فيها إلى الاجتهاد، وأنصف المرأة إنصافًا يدعو إلى الدهشة.
ويختم المؤلف هذا الجزء من الكتاب بباب: «في الشفع»، ويورد المؤلف في هذا الباب كثيرًا من المسائل التي ترد في الشفعة، سواء في شفعة امتلاك الدور، أو في شفعة امتلاك مياه الري أو غيرهما من مسائل كانت مثارة في عهد المؤلف، وجاء ببعض هذه المسائل من كتابات سابقة، وأورد الأجوبة التي أعقبت هذه المسائل، وآراء الأعلام حول هذه الأجوبة. وكأنما الكتاب وضع في قضايا نازلة من المهمل الفقهي.
(3)
أما الجزء الثاني ففلسفته تقوم على ذات المنطق، تقديم ما يحتاج إليه الناس من الفقه الواقعي، فيبدأ المؤلف بباب: «العامل والمدرك حق»، وهو عن الرجل يبني في أرض امرأته ثم يموت أو يطلق، فإن ما بناه أو زرعه هو لهما. ويتناول المؤلف في باب آخر من هذا الجزء «أمر اليتيم وما يعطى من ماله، وغير ذلك كالأعجم والمعتوه والناقص العقل». فمن حقوق اليتيم «يكسى الكسوة الحسنة، ويعطى له أجر المعلم، ويضحى له في النحر، ويخدم، ويتخذ له المرضع، وكل ذلك من ماله إذا كان ماله واسعًا... أما عن تربيته فتقع على عاتق والدته وإخوته إذا كان يعقل، ولا بأس أن يؤدبوه بلا إسراف ولا ضرب يؤثر فيه». واليتيم إذا لم يكن له رحم جعله الحاكم حيث يؤمن عليه، وإذا احتاج اليتيم إلى النفقة فرض له ما يستحق مع والدته.
ونلاحظ عناية المؤلف بفقه الزراعة والحراثة والعمران، فيتناول المؤلف في أحد أبواب هذا الجزء «القسم وغير ذلك»، أي: أن ينظر المال للذي يقسم المال من هذا الفلج من الأرض والنخل، والنظر في قسمة النخل، وتناول مسألة «المضار» في النخيل والأموال، والمضار في الطريق. وكتب بابًا بعنوان «في الحريم»: «حريم البحر أربعون ذراعًا لمرافق الناس». وقيل: حريم البحر أربعون ذراعًا من حد ما يصل مد البحر، ثم الطريق، ثم البيوت بعد ذلك. وحريم النهر ثلاثمائة ذراع، وقال البعض: خمسمائة ذراع، وحريم البئر أربعون ذراعًا. كما يتناول المؤلف تحت هذا الباب حدود النهر والحجر والأرض المزروعة وغيرها من حدود.
(4)
ويستمر المؤلف في قضايا العمران والزراعة، فيبدأ الجزء الثالث من كتابه بباب: «في المجاري والمسقى والجوار، وغير ذلك». ويتناول المؤلف في أحد أبواب هذا الجزء الثالث مسألة «حفر الأنهار»، ويرى أن يجب على أهل أي بلد إصلاح أنهارهم التي لهم، وتقع تكلفة الحفر على جميع أهالي المنطقة الحاضرين منهم والغائبين. كما يعرض المؤلف في باب آخر لمسألة الإجارة ونحوها، ويتناول مسألة كراء العمل، أي: الأجرة.
ومن المسائل الحضارية المهمة التي يتناولها المؤلف في هذا الجزء مسألة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ويستشهد المؤلف بما روي عن الرسول ﷺ أنه: «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق فيما يأمر، رفيق فيما ينهى، عدل فيما يأمر، عدل فيما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى». ويذكر المؤلف بعض صور المنكر، منها: التشبه بالنساء في هيئاتهن ولباسهن، ومنع الجهال والفساق من حمل السلاح.
