روضة الصائم

من عوامل ازدهار الحركة العلمية العمانية

19 فبراير 2026
د. سالم بن سعيد البوسعيدي
19 فبراير 2026

المطلع على خزائن التراث العماني يهوله هذا الكم الهائل من المخطوطات والآثار الكتابية، وهي مع ذلك الكم الهائل تتميز بخصوصية نوعية، فهي تحمل روح عمان وتاريخ عمان ومجتمع عمان وفكر أهل عمان وسمتهم ومزاجهم.

واهتمام العمانيين بالتأليف كان بارزا منذ القرن الأول الهجري، حيث ألف الإمام جابر بن زيد كتابه الشهير المعروف بديوان الإمام جابر بن زيد وهو من الكتب الموسوعية التي غاب رسمها وبقي اسمها..

ثم توالت المؤلفات فكان أول كتاب أدبي في الأمثال وأول معجم لغوي... لتتشعب أنماط الـتأليف، وتتعدد مسالكها ومناهجها، وتتنوع موضوعاتها بين علوم الدين الإسلامي واللغة والفلك والتاريخ والسير والطب وغيرها.

ثم نلاحظ تميز العمانيين بفنون معينة من الكتابة كفن "السير" وبأنماط معينة في كتب "الجوامع"، كما نلاحظ التسابق على "الموسوعات" التي ضمت كنوزا اجتماعية وتاريخية وفكرية إضافة إلى المعرفة الدينية المصحوبة بالنقاش الحر.

(2)

عواملٌ كثيرةٌ ساهمت في ازدهار الحياةِ العلمية بعمان منها، تشجيعُ الحكّامِ، وانعزالُ البلد عن محيطه العربي، مما جعله يعتمدُ على نفسه، وتشجيعُ علماءِ الدين وخاصة المذهب الإباضي الأقلي لإبداء وجهةِ نظرِهم حول القضايا المستجدة كما نجدُ ذلك في كتبِ السير، فضلا عن الحياةِ القيادية للعلماء في عمان.

ولعل في طليعة عوامل ازدهار الحياة العلمية في عمان تغدد المدارس العلمية وحرصِ أعلامِها على تدوين ونشر أفكارِهم في إطار المحاججة مع المدارس الأخرى. فضلا عن تعدد اتّجاهاتُها، وقد ساعدت روحُ التسامح والتعايش على ذلك، مما تطلبَ إيجادَ مناهجَ خاصّة لكل مدرسة، تحملُ فكرها ونتاجَ روّادها، ومن أهمِّ تلك المدارس:

1-المدرسةُ الجابرية، نسبة إلى الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني الذي رحل إلى البصرة، واستقر بها وتنقل بين العراق والحجاز، وتتلمذ على أشهر الصحابة، وأسس مدرسته الشهيرة بالبصرة، ووفد إليه طلاب العلم من أقطاب العالم الإسلامي. فمدرسته التي تأسست في العراق في القرن الأول الهجري، هي نواة المدارس العُمانية التي أسسها خريجو هذه المدرسة فيما بعد، فمنها خرج حملة العلم إلى عمان، و هم مجموعة من العلماء العمانيين البارزين الذين تتلمذوا على يد الإمام الربيع بن حبيب في البصرة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين، وهؤلاء شكّلوا الوجهة الفكرية والسياسية لعمان، حتى استطاعوا تأسيس الإمامة، أبرز هؤلاء: موسى بن أبي جابر الإزكوي، ومحبوب بن الرحيل الصحاري، وبشير بن المنذر النزوي.، والمنير بن النيّر الجعلاني، ومحمد بن المعلى الكندي. ساهم هؤلاء العلماء، بفضل خلفيتهم العلمية الرصينة التي اكتسبوها من المشرق الإسلامي، في تشكيل الهوية الدينية والسياسية العمانية خلال فترة تأسيس الدولة.

واستمرت هذه المدرسة بعمان حتى الأمام الصلت بن مالك الخروصي سنة 227هـ /885م، فانقسم العلماء بين مؤيد، ومعارض، ومحايد، وفتح الباب واسعا للتأويل، والخوض في قضية مشروعية عزل الإمام أو من عدمها، وهذا الاختلاف السياسي أدى لظهور مدرستين النزوانية والرستاقية، حين اتخذ الخلاف شكلا جدليا بين العلماء منعكسا بجلاء في كتاباتهم، وانقسامهم إلى مدرستين فكريتين سياسيتين منذ أواخر القرن الثالث، وخلال القرن الرابع الهجري/ التاسع، والعاشر الميلاديين .

2-المدرسةُ الرستاقيّة: وهي مدرسة ظهرت عملت على تطوير النظريّة الفقهيّة في عمان، ومن أهم ما قدّمته التنظيرُ والتبويبُ في أصول الفقه، والاهتمام بالمصطلحات والمفاهيمِ الفقهيّة والأصوليّة، والربطِ بين فرعي الدراسات الشرعيّة وعلم الكلام والفقه، واعتنت بالنزعةِ العقليّة والنزعة البيانيّة، فاهتمت بتأثير بنية اللغةِ في اتخاذ الأحكام.

3-المدرسة النزوانيّة: وظهرت مع المدرسة الرستاقيّة، وتميّزت بالتفريع، فتستنبطُ الآراءَ من النص، معتبرةً أنّ كل رأيّ يمكنُ الأخذُ به ولا يجوز تخطئةُ صاحبِه، كما اهتمت بالنزعة العقليّة في استخراج الأحكام، ومعاصرةُ هذه المدرسة للمدرسة الرستاقيّة أدّى إلى التنافس في التأليف بينهما.

وعنا لا بد من ملاحظة أن مسمّى المدرستين لا تعني بأن الرستاقية هم من علماء الرستاق، والنزوانية يعني بهم علماء نزوى، بل نجد مثلا أن أشهر علماء الرستاقية ليسوا من الرستاق، كأبي محمد بن بركه البهلوي ، وأبي الحسن البسيوي، وأحمد بن عبدالله الكندي النزوي، وكذلك الحال لعلماء المدرسة النزوانية من أمثال أبو سعيد الكدمي الذي كان عميدها، ورأس المناظرين عنها. فالمدرسة فكرة، أتباعها منتشرون في جميع المدن العمانية، والدليل على ذلك بأن بعض الأئمة الذين حكموا عمان كان لديهم قضاة من المدرستين، كذلك قد نجد الأستاذ ينتمي إلى مدرسة وتلميذه ينتمي لمدرسة أخرى، فمثلا الشيخ مالك بن غسان ينتمي للمدرسة الرستاقية بينما تلميذه محمد بن روح بن عربي ينتمي للمدرسة النزوانية. مما يدل على التسامح الفكري، والحركة الفكرية التي كانت بعمان.

4-المدرسة الشقيّة: وهي مدرسةٌ ظهرت في عصر اليعاربة، قضت على الخلاف بين المدرستين النزوانية والرستاقية، وواكبت التحوّلات الحاصلة في العلم. لكنها تميّزت بكثرة النقولِ والتكرار.

5-المدرسة البو نبهانيّة الجاعديةُ: نشأت في عصر دولة البوسعيد، وقدّمت استنباطاتٍ وتحقيقاتٍ فقهيّة لم يعهدها العمانيون، كما اشتغلت بالتصوّف والسلوك.

6-المدرسة السالميّة: وظهرت في القرن الرابع عشر الهجري، وتخطّت الطرحَ الصوفيّ، واستفادت من الرستاقيّة في التأصيل، ومن النزوانيّة في الفروع، وتأثّرت بمدرسة الحديث.

7-المدرسة الكماليّة: وهي مدرسةٌ شافعيّةُ المذهبِ نشأت في القرن الحادي عشر الهجريّ في مسندم وشمال عُمان. وكذلك المدرسةُ الشافعية في مسقط.

8-مدرسةُ مرباط: نشأت هذه المدرسةُ الشافعيّة ذات البعدِ الصوفيّ في ظفار، في القرن السادس الهجريّ.

9-مدرسة العلومِ البحريّة: وهي مدرسةٌ قديمة بلغت أوجَ قوتِها على يد أحمد بن ماجد السعديّ، الذي ترك مؤلّفاتٍ تعليميةٍ جليلة في علم البحار والفلك.

10-مدرسةُ بني هاشم الطبيّة: نشأت بالرستاق في القرن التاسعِ الهجريّ، على يد راشدِ بن خلف بن هاشم القريّ، وتتابع تلامذتُها إلى أواخر القرن الثالثِ عشر، وذاع صيتُ هذه المدرسة حتى قصدها التلاميذُ من الهند والبحرين وغيرهما من البلدان.

(3)

ومن أهم من عوامل ازدهار الحياة الفكرية المجالسُ العلمية، التي شكّلت علامةً بارزةً في المجتمع قديماً وحديثاً، كما كانت-ولا زالت-مفردةً مهمّة من مفردات الحياة العمانيّة، وهي أنواع منها: "السبلة" أو مجلس العرب، وهي مؤسسة اجتماعيّة ذات ملكيّة عامّة تمثل مقراً لاجتماع رجال القرية أو الحارة أو القبيلة، ليتناقشوا ويتباحثوا في أحوالهم أو حياتهم، كما تقام فيها ولائم المناسبات الاجتماعيّة أو الدينيّة، وتقام فيها المآتم والتعازي. وقد تعقد بشكل يوميّ تقوم على القراءة في كتب الأدب والفقه والتاريخ ونحوها من الفنون، ويتولّى القراءة فيها صاحب الصوت الحسن المرتفع، ويقوم أهل العلم والفقهاء بالتعليق والشرح عندما يلزم الأمر، وهناك والكثير من الكتب وُضعت خصيصاً لتلبية حاجة المجالس كمنظومات شعرية علمية مثل كتاب (بهجة المجالس) كما شاع في هذه المجالس فن الأسئلة والأجوبة العلمية مثل كتب الفتاوى وكتب المواعظ. فيتعلّم الناس أمور الدين والعلم مع تهذيب النفس باللغة والآداب.

كما أنّ مجالس الحكّام والسلاطين والولاة والقضاة الرسمية كثيراً ما تقرأ فيها الكتب التاريخيّة والفقهيّة واللغويّة، مثل مجلس الإمام الخليليّ في نزوى، ومجلس أبي زيد الرياميّ في بهلا. ولا شك أن مجالس العلماء تضج بالقراءات العلمية وهي كثيرة فمثلا من ابرزها في القرن الرابع عشر مجالس العلماء محمد بن عبدالله السالميّ، وحمد بن عبيد السليميّ، وراشد بن سيف اللمكيّ، ومنصور بن ناصر الفارسيّ، وخلفان بن جميل السيابيّ، وسالم بن حمود السيابيّ، وحمود بن حميد الصوافيّ.