روضة الصائم

⁨(لو اختفت القطط من العالم) .. الغياب الذي صنع المعنى

11 مارس 2026
بين دفتين
11 مارس 2026

من الأدب الياباني المعاصر تأتينا رواية (لو اختفت القطط من العالم) للأديب والسينمائي (غينكي كاوامورا).

استوقفني عنوان الرواية منذ الوهلة الأولى، فما علاقة القطط بعالم كامل حتى تأبه لأمرها رواية كاملة تتحدث عن اختفائها؟

بحثت في الثقافة اليابانية، فوجدت أن القطط تمثل لديهم رمزا روحيا يرتبط بالحظ والازدهار، ويتجلى ذلك بوضوح في تمثال مانيكي-نيكو، وهو تمثال لقطة ترفع إحدى يديها لدعوة الحظ للدخول، إلى جانب أنها تعتبر كائنا غامضا يمكنه العيش بين عالم البشر وعالم الأرواح.

لطالما ارتبطت القطط بالأدب الياباني وحضرت صراحة في عناوينها كما في رواية "أنا قط" التي امتازت بأسلوب فلسفي ساخر.

"كم مرة سأسمع أغنيتي المفضلة فيما تبقى لي من عمر؟ كم فنجان قهوة سأشرب؟ كم تحية صباح؟ كم عطسة؟ كم بقي لي من ضحكات" هكذا أبدى بطل الرواية رعبه من فكرة تسرب أيامه الأخيرة في العالم.

هذه الرواية بكل ما تمتلكه من سردية مدهشة، ولغة عميقة وفلسفة تغوص بك إلى دواخل النفس البشرية، في رحلة يواجه فيها البطل صدمة الموت الوشيك، ويصارع لأجل اقتناص المزيد من الوقت؛ للقيام بما لم يقم به، وعيش ما لم يعشه.

يقول بطل الرواية: "منذ أن يدرك الإنسان أنه سيموت يتوصل إلى تصالح هش بين الأمل في الحياة والتصالح مع الموت، وخلال ذلك يتذكر الكثير من الأحلام التي لم تتحقق"

لعبة الاختفاء وصفقة الشيطان:

ماذا لو اضطر المرء أن يقايض حياته مقابل أشياء تملأ عالمه؟ بهذا السؤال الوجودي يبنى جوهر هذا العمل الروائي، رغم بساطة الحدث إلا أنه يأخذنا في قصٍّ فلسفي يغوص في تفاصيل شخصية بسيطة وعادية، تمارس حياتها بهدوء حتى يشاء القدر أن يطرق الموت بابها.

يصاب بطل الرواية بمرض قاتل، وفي متاهة الصدمة يلتقي بالشيطان الذي يطرح عليه صفقة غريبة تنص أن يمدد له يوما إضافيا من الحياة مقابل أن يختفي شيء من العالم.

امتدت رحلة البطل مع اللعبة الشيطانية سبع أيام، عايشها بجنون وغرائبية في سرد فانتازي عجيب، على مدار سبع فصول بدأت بيوم الإثنين وانتهت بفصل يوم الأحد.

يقول البطل: "سوف أجعل شيئا آخر يختفي من هذا العالم غدا. سأسلب من مستقبلي شيئا مقابل إطالة حياتي يوما." حين يقف الإنسان في مواجهة مباشرة مع الموت، يزداد تمسكه بالحياة، ويرتعد من فكرة الرحيل الأبدي، فيقرر المقاومة للبقاء، والهرب من شبح الموت، وهذا ما كابده البطل حين علم أنه على شفا حفرة الموت، كانت صفقة الشيطان حبل النجاة الذي سينتشله.

"لكي تنال شيئا، يجب أن تفقد شيئا في المقابل"، جملة لازمت السرد كتعويذة، فكلما قرر فيها البطل اختفاء شيء مقابل حصوله على يوم إضافي من الحياة، عايش حالة صراع مع نفسه وتفاوض مع الشيطان، لتنقله تلك التجربة من فكرة تفاهة الأشياء التي اعتاد وجودها في الهامش، إلى يقين أهميتها التي تخيلها لحظة اتخاذ قرار اختفاءها.

اختبار الفقد وتفاهة الأشياء:

بين هشاشة الأشياء وامتحان الفقد، تبدأ اللعبة إن لم تكن صفقة وجودية، منذ لحظة موافقة البطل على اختفاء الهواتف مرورا بالساعات والأفلام، ووصولا للقطط التي كان قرار اختفاءها ناقوس خطر دق عاطفته بعنف.

حين خيّل إليه أن القطط اختفت، انتفض بداخله رعب حقيقي، من أن جزءا من ذاكرته الإنسانية سيحذف معها، فالقطط بالنسبة إليه ليست مجرد حيوان أليف يعتني به، بل ذكريات مشتركة عايشها مع أمه، وعاطفة تجسدت في كائن حي اقتسم يوما حبها مع أمه.

يقول الشاعر الألماني ريلكه: "كل ما نحبه يصبح جزءا من مصيرنا" عندما وصل الصراع ذروته مع الشيطان بقرار اختفاء القطط، تحول الأمر من مجرد قرار عادي إلى مسألة حياة أو موت، أصبحت فيه القطط هي المعنى الحقيقي للحنان المفقود بغياب الأم.

"حين يموت الإنسان، لا يملك أن يحزن على نفسه، فالموت لا يخصه حينذاك، بل يخص من بقي بعده. وبهذا، يغدو موت الإنسان وموت القطط متساويين في جوهرهما."

جوهر الأشياء:

يقول الكاتب الروسي ليو تولستوي:"الموت هو الذي يجعل الحياة ذات معنى"

حين أدرك بطل الرواية أن وقته في العالم غدا محدودا، أصابته صحوة عارمة جعلته يعيد تقييم الأشياء من حوله، خصوصا تلك التي عدها يوما تافهة، لتقوده تلك الصحوة لإعادة تقييم علاقاته الإنسانية مع حبيبته السابقة، ووالده الذي قطع علاقته به منذ موت أمه، ليدرك حقيقة مؤلمة وهي أن فكرة الاعتيادية تقتل أحيانا علاقتنا الحقيقية بالأشياء وحتى الأشخاص، ومع مرور الوقت تعمينا عن بريق وجودهم في حياتنا.

قيمة الأشياء ومعناها ودرجة أهميتها تختلف من شخص لآخر، فالموت في الرواية والحياة ضربة على الرأس، توقظ المرء من غفلته ليعي قيمة ما يملكه بالفعل.

خلاصة:

الرواية تمنح قارئها فسحة للتمهل وإعادة النظر، تأمل الأشياء بكامل حضورها، بالأخص تلك التي ضاعت وسط دهاليز الحياة، في رحلة الجري المستمر التي لا تمنح المرء لحظة التفاتة لتلك الذكريات التي أودعها الصناديق، ففقدت جوهرها حتى غدت خردة يسعى للتخلص منها مستقبلا، كما ذكر بطل الرواية في فصل يوم السبت عندما كان يقلب صندوقا معدنيا احتفظ بداخله ذكرياته القديمة "يمتلك البشر قدرة عجيبة على تحويل كنوزهم إلى خردة. كل هدية عزيزة وكل رسالة محببة وكل ذكرى جميلة سرعان ما تنسى وتهمل."

حين أعود إلى طرحي السابق حول عنوان الرواية وبعد قراءتي المتمعنة لها، أجدني أقف أمام حقيقة من زاوية نظر الكاتب، وهي أن اختفاء القطط من العالم لا يعني غياب حيوان أليف فقط، بل هو غياب جزء من توازن عاطفي وروحي في حياة بطل الرواية.