قطرة ماء شاهدة على التاريخ
سارة الهوتي -
كعادتها في أعمالها الروائية، تأخذنا إليف شافاق في رحلة زمنية، ننتقل فيها عبر فصول روايتها " هناك أنهار في السماء" بين حقب تاريخية ومواقع جغرافية متعددة. حيث تتداخل في الرواية الأزمنة، ويختلط الماضي بالحاضر في سرد يربط ما كان بما سيكون.
تقوم رواية "هناك أنهار في السماء" على ثلاث شخصيات تمثل مراحل زمنية مختلفة تربط بينها قطرة ماء تسافر عبر الزمن. حيث نبدأ الرواية مع "آرثر" في مدينة لندن في القرن التاسع عشر، الذي وُلد بجوار نهر التايمز في يوم ماطر، الفتى الذي لم يعرف غير الفقر والبؤس، حتى أنقذته الكتب وذاكرته المتقدة من واقعه البئيس، فعمل في مطبعة للكتب، ساهمت في فتح العالم أمامه من خلال كتاب عن حضارة نينوى، ومن ثم غرقه في المؤلفات والمقالات التاريخية وعمله في المتحف البريطاني حيث أتقن قراءة الألواح والنقوش القديمة.
ثم ننتقل إلى عام 2014م ونقرأ حكاية " نارين" الفتاة التركية اليزيدية التي تقف بالقرب من نهر دلجة، منتظرة يوم تعميدها في الوادي المقدس بالعراق، دون إدراكها أن تلك الرحلة ما هي إلا بداية انهيار الحياة التي عرفتها. وأخيرا "زليخة" في 2018م، الباحثة في "علم الهيدرولوجيا" التي اختارت السكن في قارب عائم على نهر التايمز، في محاولة لجمع شتات حياتها بعد الانفصال عن زوجها، فتدخل في ساعات وحدتها في دوامة مشاعر وأفكار سوداوية حتى يعيدها إلى الحياة كتاب عن الوطن البعيد.
تدور أحداث الرواية بين نهر التايمز في لندن ونهر دجلة في العراق، وتبدأ بقطرة ماء هطلت على ملك آشوري في نينوى، ثم واصلت رحلتها عبر القرون لتلامس مصائر الشخصيات الثلاث. ويتضح عند القراءة أن الكاتبة لا تركّز على الأحداث التي تعيشها شخصيات الرواية بقدر سعيها إلى دفع القارئ للإحساس بالتجربة الإنسانية ووحدتها واستمراريتها عبر الأزمان.
لا يعد الماء في هذا العمل الأدبي عنصر سرد فحسب، إنما العمود الأساسي الذي تقوم عليه الرواية. فالماء هنا ذاكرة لا تنسى، وطريق يذكر خُطى كل من مروا عليه، وشاهدا على الحركة المستمرة في حياة شخصيات الرواية بين الهجرة، والتنقل، والتكيف، والعبور، والهرب، والمنفى. حيث يتضح في الرواية أنه مهما تغيرت ظروف الإنسان وشكل حياته إلا أن جوهره ثابت، كما الماء الذي يتحول من بحيرة ساكنة إلى نهر هادر، ومن مطرٍ منهمر إلى بحرٍ هائج، لكنه يبقى شيئا ثابتا هو الماء، سائل أساسي للحياة.
كما تؤكد هذه الرواية على قوة الماء الذي أوجد مجتمعات وهدمها في الوقت ذاته. فالحضارات الإنسانية ما وُجدت إلا على ضفاف الأنهار ومصادر الماء. فالنهر الذي يحي القرية هو الذي يهددها بالفناء، حينما يقرر الفيضان وغمر ضفافه. فالماء يؤكد رغم سيولته، ضعف الإنسان وهشاشته أمام قوة الطبيعة. إن الماء في هذه الرواية ليس عنصرا طبيعيا فقط وإنما شاهد على حضارات اندثرت، وأحداث غيرت التاريخ، وناقل للقصص وتفاصيل ناسها.
تناقش هذه الرواية قضايا إنسانية وفكرية عدة أبرزها: علاقة الإنسان بالطبيعة، وأثره على البيئة، واندثار الحضارات، الهوية والبحث عن الوطن والانتماء، والذاكرة الجمعية.
تتميز إليف شافاق في هذا العمل بلغتها الروائية الشعرية وأسلوبها المليء بالاستعارات والصور، وكأنها بذلك تدعو القارئ إلى تأمل ما يحدث في العمق، إلا أن هذا الأسلوب من وجهة نظري لم يخدم الرواية، حيث تركني أمام نص بطيء الإيقاع في بعض المواضع، حتى شعرت بأني لا أتقدم في قراءة النص رغم أفكاره الرائعة. وقد أحسست بأن الكاتبة حاولت جاهدة أن تربط بين الشخصيات الثلاث إلا أن الأمر لم يكن بالانسيابية المرجوة.
لا يخفى على القارئ الجهد المبذول من قبل إليف شافاك للخروج بهذا العمل، فالرواية تقدم لنا التاريخ بأسلوب أدبي وسردي متميز يخفف ثقل المعلومات التاريخية والعلمية التي تضمنها النص. وقد تمكنت الكاتبة بتقنياتها السردية من تقديم رواية متكاملة، قادرة على اجتذاب القارئ الغربي والشرقي في الوقت ذاته.
هل تُعد هذه الرواية من أفضل أعمال إليف شافاق؟ بالنسبة لي، لا. لكنها بلا شك رواية تستحق القراءة، خاصة لمحبي الروايات التاريخية، والتأملية التي تقوم على الفكرة أكثر من الحدث.
صدرت الرواية عن دار الآداب في 2025م، وقد أدرجت هذا العام ضمن القائمة الطويلة للترشيحات لجائزة دبلن الأدبية. كما فازت بجائزة غوردون بوكر لعام 2025م وهي جائزة أدبية عالمية للروايات التي تستكشف المكان والثقافة والهوية.
