No Image
روضة الصائم

عن حقيقة المجموع المسمى كتاب المحاربة

13 مارس 2026
سوانح تراثية
13 مارس 2026

تحتفظ دار المخطوطات العُمانية بكتاب مجموع في أوله فهرست أبوابه متبوعًا بعنوانه هكذا: «كتاب المحاربة، للشيخة الثقة المرضيّة العالمة الزاهدة عايشة بنت راشد بن خصيّب الريامية البهلوية، رزقها الله حفظه ومعانيه...». ويبدو أن هذا المجموع صنعه أحد المتأخرين من أهل القرن الثاني عشر الهجري وأطلق عليه اسم (كتاب المحاربة) تجوزًا على المجموع كله كما نراه في قيد التملك للفقيهة عائشة بنت راشد الريامية (ق12هـ) الذي يعقب الفهرست، ولعل ذلك باعتبار أول مادة في المجموع وهي (كتاب المحاربة) لأبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب (ق3هـ)، وهو الكتاب الذي إليه ينصرف الذهن ولا يكاد يُعرف غيره في تراثِنا بهذا الاسم. ويعضد ذلك أن الجامع أو الناسخ قد جعل البابين في (كتاب المحاربة) الأصلي أول أبواب هذا المجموع، ثم جعل باقي أبواب المجموع عقبهما، فجاء بعدهما الباب الثالث والرابع والخامس وهكذا حتى الباب الأخير في المجموع. كما أن في المجموع نقلاً من كتاب (صراط الهداية) ولعله الكتاب المعروف الذي ألفه مبارك بن سعيد بن بدر الشكيلي الغافري (حي سنة ١١٤٦هـ).

وبين الفهرست ونص (كتاب المحاربة) مقدمة لعلها من وضع الجامع أو الناسخ، فيها عبارات الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيها إشارة إلى التأليف، لكن ورود المجموع مُبوّبًا ومُصَدَّرا بمقدمة قد يُسَوّغ اعتباره مؤلَّفًا مستقلًا، بيد أنه ما من إشارة إلى المؤلِّف، ثم إن المجموع ناقص من آخره.

وقد يحسب البعض لأول وهلة بالنظر إلى العبارة المدونة في أوله أنه من تأليف الفقيهة عائشة بنت راشد الريامية، لكن ما جاء في المخطوط إنما هي قيود تملك لا نسبة تأليف، أحدها المشار إليه ابتداءً، والآخر مدوَّن في أول المخطوط وهو بخط الشاعر سليمان بن بلعرب بن عامر السليماني (ق12هـ) جامع ديوان الشاعر الحبسي، ونصه: «عندي هذا الكتاب للشيخة الرضيّة الطاهرة الزكية العالمة العاملة الكاملة الوالدة الفاضلة عايشة بنت راشد بن خصيّب الريامية البهلوية، دامت ليا[ليها]...كتبه مملوك مالك الملوك سليمان بن بلعرب بن عامر بن عبدالله بن بلعرب السليماني العقري النزوي بيده»، ثم قرَّظ الكتاب ببيتين شعرًا، يقول:

ألا إن ذا البستان فيه منافعٌ ** لمن يجتني من يانعات ثمارهِ

فكن داخلًا فيه تجد كل لذّةٍ ** وكل سرورٍ كاشف للمكارهِ

أما عن محتوى المجموع ففيه ٨٤ بابًا أغلبها في فقه السياسة الشرعية، منقولة من كتب كثيرة يتصدرها كتاب (بيان الشرع) لمحمد بن إبراهيم الكندي (ت٥٠٨هـ) ومن كُتُبٍ قبله كـ(جامع ابن جعفر) (ق٣هـ) و(سيرة محمد بن روح) (ق٤هـ) و(المعتبر) و(الاستقامة) لأبي سعيد الكدمي (ق٤هـ) و(التقييد) لابن بركة (ق٤هـ)، وكتبٍ أخرى كـ(الضياء) للعوتبي(ق٥هـ) و(البصائر والإرشاد) لنجاد بن موسى المنحي (ت:٥١٣هـ) و(المصنف) و(الاهتداء) لأبي بكر الكندي (ت:٥٥٧هـ)، وغيرها مثل (كتاب المغاربة)، و(كتاب الأشياخ)، و(منثورة المعقدي)، وبعض السير مثل (توبة الإمام راشد بن علي)، و(توبة أبي المعالي كهلان بن موسى بن نجاد)، ونصوص كثيرة عن فقهاء القرنين (٩- ١٠هـ) مثل محمد بن علي بن عبدالباقي، وأحمد بن خليل السيجاني، ومحمد بن عبدالسلام بن محمد بن عمر، وشايق بن عمر بن أبي علي، وأبو القاسم محمد بن سليمان بن أبي سعيد، ومحمد بن عبدالله بن مداد، وسعيد بن زياد، وعبدالله بن عمر بن زياد وغيرهم.

وبالرجوع إلى (كتاب المحاربة) لأبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب، فإن نُسَخه العديدة المضمنة في مجاميع (السِّيَر) هي مطابقة فيما يبدو للنسخة التي في أول هذا المجموع، والكتاب رسالة صغيرة عُرفت أيضًا في بعض النصوص بـ(سيرة المحاربة) وفيها مقدمة وبابان فحسب هما: «باب القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» و«باب القول في حرب أهل البغي» وينتهي نص الكتاب بهذا الباب الأخير، وحجم النص في المخطوط لا يتجاوز ٧ صفحات كما في نسخة أخرى له محفوظة ضمن مجموع بمكتبة الإمام نور الدين السالمي، وبهذا النص صدرت نشرة للكتاب بتحقيق عبدالرحمن بن يحيى الراشدي.

هكذا فيما أحسب نميز بين (كتاب المحاربة) لبشير بن محمد بن محبوب، وهذا المجموع المحفوظ بدار المخطوطات، وهو ما فطن له المؤرخ الشيخ سيف بن حمود البطاشي (ت:1420هـ) في ترجمته لمؤلف كتاب المحاربة، فأشار إلى ما طرأ عليه في هذه النسخة من الجمع والزيادة والإلحاق. وفي الحلقة الآتية نشير إلى بعض النصوص الواردة في المجموع لا سيما في الأبواب الأخيرة منه.