No Image
روضة الصائم

عبدالله الطائي ... الحاضر في الغياب

27 فبراير 2026
صبا بنت محسن الكندي
27 فبراير 2026

يحدث أحيانًا أن نلتقي بأشخاص لم نعاصرهم، فنرافقهم في سفرهم ونشاركهم فرحهم، ونشعر بآلامهم وقلقهم الكامن خلف الكلمات؛ وهذا ما حدث لي حين وضعت كتاب "مع عبد الله الطائي" بين يدي. إذ لم يكن الكتاب سيرة ذاتية بحتة، بل أشبه بدعوة لصالون أدبي دافئ، نشأت فيه علاقة وجدانية عميقة جمعتني بفكر الطائي، تجسدت عبر صفحاته التي وجدت فيها نفسي أتحاور معه وأعيد اكتشاف ملامحه. لقد استطاع الأديب القدير أحمد الفلاحي، ببراعة استثنائية أن يجمع شتات مقالات كتبت عن الطائي في سياقات وأزمنة مختلفة، ليضعها في "لوحة فسيفسائية" متناسقة، نرى في كل زاوية منها جانبًا جديدًا لهذا الرمز الوطني.

ولد الطائي في العاصمة العمانية مسقط عام ١٩٢٤م، في كنف أسرة عمانية عريقة عرف عنها العلم والثقافة والصلاح. فكانت له التربة الخصبة التي استقبلت بذور فكره الأولى، حيث تلقى تعليمه تحت توجيه آبائه وتتلمذ على يد أساتذة عارفين، برز من بينهم الشيخ أحمد بن سعيد الكندي، والشيخ سالم بن حمود السيابي؛ ومما يجدر ذكره أن الطائي ظل طوال مسيرته يحمل لهؤلاء الشيوخ امتنانًا عميقًا، مشيدًا بدورهما في تكوينه المعرفي وبناء شخصيته التي بدأت تفرض حضورها وتفوقها على أقرانها منذ بواكير الصبا، كاشفة عن ملامح "روح حرة" تتوق دومًا لما هو أبعد من المتاح.

والجدير بالذكر أن المتأمل في مسيرة الطائي يلحظ بوضوح أن غربته التي بدأت بسفره إلى العاصمة بغداد عام ١٩٣٥م لإكمال دراسته الثانوية، لم تكن مجرد ارتحال جغرافي، بل كانت "هجرة فكرية" شكلت ملامح وعيه الأول؛ إذ فتحت له أبوابًا جديدة من الثقافة والخبرة عبر ارتياد المنتديات والمحاضرات الأدبية والأمسيات الشعرية التي كانت تضج بها العاصمة العراقية آنذاك. ورغم أن بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي كانت تموج بحراك ثقافي صاخب وجدل سياسي عميق، يهيمن عليه الفكر القومي العربي، إلا أن الطائي استطاع بمرونة شخصيته ونضجها المبكر أن يتفاعل مع هذا الزخم، ويمتص رحيق الفكر الجديد ليطوره ويجعله جزءًا من نسيج رؤيته الخاصة.

لقد كانت تجربة السفر إلى بغداد، رغم ما فيها من تضحيات وبعدٍ عن الوطن الأم لمدة تقارب سبع سنوات، النافذةَ التي أطلّ من خلالها على التيارات الفكرية المختلفة، مما أسهم في تكوين رؤيته المتفردة. وحين عاد إلى الوطن، استثمر هذه الخبرة من خلال عمله مدرسًا في المدرسة السعيدية لمدة تزيد عن ست سنوات، لم يكتف خلالها بالتدريس فحسب، بل كان شعلة من النشاط في محافل المدرسة ونشاطاتها وأناشيدها الوطنية. غير أن طموحه الوثاب لم يهدأ، فشد الرحال مجددًا نحو باكستان ليعمل أستاذًا للغة العربية بمدرسة "الأعظمي"؛ وهناك، وفي غضون سنتين ونصف السنة، استطاع أن يتعلم اللغة الأوردية ويتقنها؛ الأمر الذي جعل منها جسرًا عبر من خلاله لقراءة أفكار عباقرة كتّابها في نصوصهم الأصلية، وترجمتها إلى اللغة العربية، مما منح فكره أبعادًا عالمية، وصنعت منه مثقفًا عابرًا للحدود، يمتلك لغة قادرة على محاورة الآخر بوعي واقتدار؛ ورغم أن إقامته في باكستان واجهتها بعض الاضطرابات التي دفعته للعودة إلى الوطن، إلا أنها ظلت محطةً فارقة في تكوينه الإنساني.

لم يمكث الطائي طويلًا في وطنه بعد عودته من باكستان، فدفعه طموحه للسفر إلى البحرين ليعمل مدرسًا في مدرسة "الهداية الخليفية" في عام ١٩٥٠م، واستمرت إقامته هناك لأكثر من تسع سنوات، تخللتها عودة لعمان للعمل مترجمًا في القنصلية البريطانية، ليعود بعدها إلى البحرين مجددا؛ حيث وجد بيئة اجتماعية وثقافية خصبة، مكنته من بناء روابط عميقة مع نخبة من الأدباء والشعراء المؤثرين.

وفي تلك المحطة، تجلّى إخلاصه لوطنه؛ فبالرغم من غربته، كانت عُمان تسكنُ وجدانه، فكان يحكي لتلاميذه في مدارس البحرين قصص عُمان وتاريخها وأبرز شخصياتها. ولم يكتف بالحضور التربوي، بل كان رائدًا إعلاميًا؛ فمع انطلاق "إذاعة البحرين"، كان من أوائل المبادرين بتقديم أحاديث ثقافية رصينة، وعندما صدرت مجلة "هنا البحرين"، وضع بصمته فيها محررًا ثم رئيسًا للتحرير. لكن القدر والظروف السياسية الصعبة أرغماه على اتخاذ قرار مر، وهو مغادرة البحرين، تاركًا وراءه أسرته وبلدًا أحبه من أعماقه، ليودعه بأبيات تنفطر لها القلوب:

وداعًا وإن كان الوداع تألمًا ... وصبرًا وإن كان اصطباري علقما

وداعًا بلاد الخير والمجد إنني ... نأيت على رغمي وفي كبدي ظما

نزل الطائي في الكويت عام ١٩٥٩م ليدشن فصلًا جديدًا من العطاء؛ حيث تقلد رئاسة تحرير مجلة "الكويت"، وصدح بصوته عبر أثير إذاعتها ببرنامج أسبوعي ثقافي، جعل منه جسرًا يعبر عليه المستمعون لاكتشاف عمان وأعلامها، وهو الجهد الذي تكلل بإدراج تلك المضامين في المنهج الكويتي للصف الثاني عشر آنذاك. لم يتوقف نشاطه عند حدود الكويت التي قضى فيها حوالي ثماني سنوات، بل امتد لتمثيلها في دبي مشرفًا على سكرتارية مكتب الكويت، قبل أن يشد الرحال نحو أبوظبي عام ١٩٦٨م ليعمل كمستشار للشيخ زايد بن سلطان، بالإضافة إلى العديد من الأعباء والمناصب.

لم تكن الغربة رغم طول أمدها إلا انتظارًا لتلك اللحظة الفارقة التي نادته فيها عمان في مطلع السبعينيات مع تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم؛ ليعود وزيرًا للإعلام والعمل، ويضع الهياكل الأولى للإعلام العماني، ويطلق "سوق صحار" الثقافي، ويحفر اسم عمان في القلوب بنشيده الخالد "صوت النهضة". وهنا ننوه إلى أن نتاج الطائي الأدبي كان غزيرًا، حيث ترك للمكتبة العمانية مؤلفات خالدة، لعل من أبرزها "الشراع الكبير" و"ملائكة الجبل الأخضر."

وحين ترجل الفارس الأديب عن صهوة الحياة التي ملئت بالآمال والآلام، في الثامن عشر من يوليو عام ١٩٧٣، تجلى الوفاء في أبهى صوره؛ إذ وجه السلطان الراحل بنقل جثمانه من بلاد الغربة في طائرة عسكرية خاصة إلى الوطن. وفي تلك اللحظة، بدت عمان كالأم التي فجعت بغياب ابنها طويلًا، فبسطت ذراعيها لتستقبله في حضنها الخالد؛ وكأنها بضمّه إلى ثراها تعوضه عن وحشة السنين، لترتاح روحه الحرة في مهد أحلامها.

ومع إغلاق دفتي هذا الكتاب، أجدني ممتنة لكل من أبقى شعلة الطائي متوقدة رغم مرور ثلاثة وخمسين عامًا على رحيله. وأخص بالامتنان عائلته الكريمة التي حملت أمانة أبيها بقدسية بالغة؛ فإذا كان الطائي قد نشر في حياته جزءا من مخزونه الأدبي، فإن أسرته قد تكفلت بنشر بقية كتاباته التي لم ترَ النور في حياته، حارسة بذلك إرثه الأدبي من الضياع. ولم يقتصر دورهم على النشر فحسب، بل كانوا الصوت الذي يصدح باسمه في المقابلات الإعلامية، والروح التي تحييه في الندوات الأدبية. كما أثني على الكتّاب المحبين الذين حملوه في قلوبهم وأقلامهم؛ فبهذا التكاتف والوفاء ظل الطائي "حاضرًا في الغياب"، وبقيت سيرته المشرفة أثرا لا يمحى في ذاكرة الوطن.