صخور قاعدة الصفيحة العربية
تنقسم القشرة الأرضية التي يعيش فوقها الإنسان إلى مجموعة من الصفائح القارية والمحيطية التي تتحرك ببطء فوق طبقة لَدِنة من الوشاح العلوي. وعلى الرغم من أن هذه القشرة تبدو لنا صلبة وثابتة، فإن سمكها لا يمثل إلا نسبة ضئيلة جدا مقارنة بقطر الأرض البالغ نحو 12 ألف كيلومتر، إذ لا يتجاوز سمكها في المتوسط واحدا في المائة من هذا القطر. فهي أشبه بغلاف رقيق يعلو كتلة هائلة من الصخور المنصهرة والحرارة المختزنة في باطن الكوكب منذ نشأته قبل نحو أربعة مليارات ونصف المليار سنة. وقد امتن الله تعالى على الإنسان بتسخير هذه الأرض وتمهيدها للعيش، رغم ما يعتمل في أعماقها من طاقة هائلة تشهد على ديناميكية مستمرة لا تهدأ.
وقد تشكلت قواعد هذه الصفائح القارية والمحيطية من صخور بركانية أو نارية عبر أزمنة سحيقة، بعضها يعود إلى مئات ملايين السنين، وبعضها الآخر إلى أكثر من مليار عام. وتمثل هذه الصخور أقدم أجزاء القشرة الأرضية وأكثرها استقرارا، إذ تكونت نتيجة عمليات اندماج وتبلور للصهارة في أعماق الأرض، ثم التحام كتل قارية صغيرة عبر مراحل طويلة من النشاط التكتوني. وتعد دراسة هذه الصخور مفتاحا لفهم المراحل الأولى من تاريخ القارات وتطورها عبر الزمن.
وتعد الصفيحة العربية واحدة من أربع عشرة صفيحة رئيسة على سطح الأرض اليوم. وتمتد هذه الصفيحة من البحر الأحمر غربا إلى جبال زاغروس شرقا، ومن الأناضول شمالا إلى بحر العرب جنوبا. وتتكون قاعدة الصفيحة العربية من صخور نارية قديمة جدا التحمت فيما بينها لتشكل الأساس الصلب الذي ترسبت فوقه لاحقا الصخور الرسوبية التي بنت تضاريس الجزيرة العربية الحالية. وتنكشف أجزاء من هذه القاعدة في عدد من المواقع على سطح الأرض، ما يتيح للباحثين فرصة نادرة لدراسة أعماق القارة دون الحاجة إلى الحفر في باطنها.
وفي سلطنة عُمان، تبرز صخور قاعدة الصفيحة العربية في أربعة مواقع أساسية، هي: جبل قهوان في محافظة جنوب الشرقية، ومنطقة الجوبة في ولاية محوت، وسهل مرباط بمحافظة ظفار، إضافة إلى جزر الحلانيات في بحر العرب. وتمثل هذه المواقع نوافذ جيولوجية تكشف عن أقدم مراحل تكوين القارة العربية، وتمنح العلماء إمكانية دراسة الخصائص البنيوية والمعدنية لهذه الصخور القديمة.
وتعد الصخور الموجودة في جبل قهوان من أقدم التكوينات الصخرية المكشوفة في عُمان، إذ يصل عمرها إلى نحو مليار عام. وهي صخور جرانيتية وبازلتية متنوعة تكونت خلال مراحل التحام كتل قارية صغيرة شكلت فيما بعد نواة الصفيحة العربية. وتعكس هذه الصخور فترة كان فيها سطح الأرض يشهد إعادة ترتيب واسعة للكتل القارية ضمن قارات عظمى قديمة، قبل أن تنفصل وتتحرك إلى مواقعها الحالية. ومن هنا تنبع أهميتها العلمية، إذ تمثل شاهدا على أقدم فترات تاريخ الجزيرة العربية الجيولوجي، حين لم تكن الصفيحة العربية كيانا واحدا، بل مجموعة من الكتل المنفصلة التي اندمجت تدريجيا.
وعند النظر إلى صور الأقمار الصناعية للمناطق التي تنكشف فيها صخور قاعدة الصفيحة العربية، كما في جبل قهوان أو سهل مرباط، يمكن ملاحظة شبكة واسعة من القواطع النارية الداكنة التي تخترق الصخور الأقدم مكونة خطوطا واضحة تمتد لعشرات الكيلومترات. وتمثل هذه القواطع مسارات صعود الصهارة عبر الشقوق العميقة في القشرة، وهي دليل على نشاط بركاني قديم رافق مراحل بناء القاعدة القارية. كما توفر دراسة اتجاهاتها وأعمارها معلومات مهمة عن أنماط الإجهادات التكتونية التي أثرت في المنطقة عبر العصور.
وتكمن أهمية صخور قاعدة الصفيحة العربية أيضا في كونها الأساس الذي ترسبت فوقه لاحقا الأحواض الرسوبية الحاملة للنفط والغاز في أجزاء واسعة من الجزيرة العربية. ففهم طبيعة هذه القاعدة وخصائصها البنيوية يسهم في تفسير تطور الأحواض الرسوبية ومسارات الهجرة الهيدروكربونية. وهكذا فإن صخور القاعدة ليست مجرد تكوينات قديمة صامتة، بل هي سجل عميق لتاريخ الأرض المبكر، ومفتاح لفهم تطور القارات وثرواتها الطبيعية عبر مئات الملايين من السنين.
