No Image
روضة الصائم

سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

15 مارس 2026
15 مارس 2026

*** كنت في منزل أختي وأثناء صلاتي انحرفت عن القبلة بمقدار ثلاثة أشبار، وعند الانتهاء من الصلاة نُبِّهت على الاتجاه الصحيح وقمت بإعادة الصلاة، فهل فعلي صحيح؟ وما هو المقدار الذي قد يُتسامح فيه بالاتجاه نحو القبلة؟

هو فيما وقع له على وجه الخصوص لا يظهر أنه انحرف عن جهة القبلة؛ فالاتجاه للقبلة مراتب، فمن كان في المسجد الحرام فإنه يؤمر باستقبال عين الكعبة المشرفة، ومن كان خارج المسجد الحرام فإنه يؤمر باستقبال البيت الحرام، ومن كان في الآفاق فإنه يؤمر قدر المستطاع أن يتجه إلى مكة المكرمة، ومع أجهزة الضبط اليوم فإن أمر التوجه إلى الكعبة المشرفة أيضا صار مقدورا عليه متاحا ميسورا، فينبغي أن يحرص على استعمال هذه الوسائل التي تعينه على ضبط القبلة وتحديدها، على أن تكون هذه الوسائل أو البرامج والتطبيقات موثوقا بها.

أما ما هو قدر الانحراف الذي يمكن أن يؤدي إلى فساد الصلاة ففيه خلاف، نعم، خلاصته لأن هناك رواية: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، ما شاء الله، وهذا يعني أن في كل جهة من الجهات إذا انحرف تماما عن جهة القبلة، لا عن العين، لا عن عين الكعبة المشرفة، فهذا هو الذي تفسد به صلاته. فلا أريد أن أذكر الزاوية حتى لا يأتي الناس ويقيسون ويتوسعون بأنفسهم، لكن إن كانت هناك حالة خاصة فإنه يمكن لنا أن ندرسها في مسجد أو مصلى، وقد حصل ذلك، فنذهب ونقيس وننظر في مقدار الانحراف، إذا كان إلى جهة اليمين أو إلى جهة الشمال، وكم قدره، وهل يُتساهل فيه أو لا، لكن الحاصل أن هذا القدر المسؤول عنه لا يؤدي به إلى الانحراف عن جهة القبلة، فصلاته صحيحة، والله تعالى أعلم.

*** في قوله تعالى: "قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ"..

متى تكون الإماتة الثانية؟

الإماتة الثانية نفهمها إذا فهمنا الإماتة الأولى، التي هي أكثر إشكالا، نعم، فأما الإماتة الثانية فهي الموت الذي يحصل بعد الحياة حينما تُقبض أرواح العباد، فهذه هي الإماتة الثانية، التي يعقبها بعد ذلك عالم البرزخ ثم البعث والنشور.

وأما الإماتة الأولى فهي محل خلاف عند المفسرين وعند أهل العلم، ولا يقتصر خلافهم على هذا الموضع فقط من الآية الكريمة في هذه السورة، وإنما أيضا في سورة البقرة في قوله تبارك وتعالى: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"، فلما قال: كنتم أمواتا فأحياكم، الآن هذه هي الحياة التي يحياها البشر، ثم يميتكم، إذا هذه هي الموتة الثانية، التي يعني قالها هنا القرآن الكريم يحكي على لسان الكفار: قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل، إذا هذه هي الإماتة الثانية، وهي المعبر عنها في سورة البقرة أيضا في آية كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم.

لكن ما هي الإماتة الأولى في الموضعين؟ كنتم أمواتا فأحياكم في البقرة، وهنا أمتنا اثنتين، ما هي الإماتة الأولى أو الموت الأول؟ خلاف، والأقرب هو أن حياة العدم هي التي يُعبَّر عنها بالموت، فهذا التعبير اختلف فيه: هل هو تعبير مجازي أو تعبير حقيقي؟ أي هل يلزم أن يكون الموت بعد حياة؟ أو أن العدم أصلا يمكن أن يسمى موتا؟ ولكن مؤدى القولين سواء قيل بأنه على سبيل الحقيقة أو على سبيل المجاز، فإن أكثر القول أن الإماتة الأولى أو الموت الأول هو ما كان العدم قبل نفخ الأرواح في الأجساد.

هنا هؤلاء اختلفوا، فمنهم من عبَّر عن ذلك حينما كانوا ترابا، أو حينما كانوا في عالم الذر، ومنهم من نقل هذا الموت إلى ما قبل نفخ الروح في أرحام الأمهات، فبعد حينما يكونون في الأمشاج في الأرحام وقبل نفخ الروح فإن هذه حياة يسمونها حياة موت، يعني هي لم تُنفخ فيها الأرواح بعد، فيعدونها من الموت الأول، فإذا نُفخت فيها الروح كان هذا هو الإحياء الأول، نعم، ويكون الإحياء الثاني بعد الموت الثاني في النشور، عالم النشور.

ولكن الحاصل أن هؤلاء، أو أكثر القول، بأنه تُطلق على العدم قبل الإحياء فإنه يسمى موتا، مع وجود هذه التفاصيل عند المفسرين: هل هو قبل نفخ الأرواح، أو هو مطلق العدم، أو في مرحلة التراب، أو في مرحلة عالم الذر؟ الحاصل أن خلاصة هذه الأقوال جميعا تؤدي إلى أنه ما كان قبل نفخ الأرواح في الأجساد وإحيائها الحياة التي بها تسعى وتكتسب، ثم بعد ذلك تُقبض هذه الأرواح، وهذا هو الموت الثاني أو الإماتة الثانية، ويكون بعدها الإحياء الثاني، والله تعالى أعلم.

*** شخصان اتفقا على أن يقوم بصرف المال من عملة إلى أخرى، يعني الأول يعطيه دولارا، والثاني موكله يعطيه الدولارات، يعني للشخص الأول، فلما أعطاه الريالات تبين له أن وكيل الثاني غير قادر على سداد الدولارات في ذلك الوقت، فمخافة الوقوع في الربا اتفق على أن يكون قرضا، يعني تلك الكمية من الريالات يعوضها له لاحقا، يعني على أساس أنها قرض، فهل يجوز هذا التغيير في النية؟

نعم، ظاهر المعاملة الجواز، على أن ترتب عليه آثاره، إذا جعلوه قرضا فهذا يعني أن هذا المقترض ينتفع بالمال الذي اقترضه وينفقه في الوجوه التي أرادها، ثم هذا إذا أراد المقرض ماله فإنه يطلبه منه، وذلك عليه أن يرده إليه، هذا هو القرض، يأخذ أحكامه كلها.

قلت بأن ظاهر المعاملة الصحة، لكن هذه الذرائع نخشى أن يتوسع بها الناس لأجل الاحتيال على الصرف، فبالأمس على سبيل المثال الصورة كانت أن تكون أمانة، اليوم الصورة أن تكون قرضا، فهذا التوسع يحذر منه، وإلا فما معنى أن يضع الشارع الحكيم لكل معاملة ولكل نوع من أنواع العقود بين الناس أحكاما وضوابط وشروطا، فلو كان من المقبول شرعا أن يعمد المتبايعان إلى إيجاد صيغة أخرى لنفس المقصود من المعاملة الأولى، لأوجد لهم الشارع هذه المخارج، لكن الظاهر من السؤال أنهما أرادا الصرف، والمقترض العادة لا يقترض إلا إن كان محتاجا، هذا غير محتاج، فما الذي يدعوه إلى الاقتراض.

وهذا لا يريد أن يقرضه، هذا يريد الصرف، ولذلك فاجتناب هذه الحيل، لنقول هذه الذرائع، هو الأولى والأسلم، وعلامة ما ذكرته من أنها تتخذ ذرائع هو أنهم لا يرتبون عليها أحكامها وآثارها.

فكما في صورة أن تكون أمانة، فقلنا بأن هذا المودع عنده يده يد أمانة، فلا ضمان عليه إلا بالتعدي أو التقصير، ستضيق نفس المودع إذا هلك هذا المال دون تعد أو تقصير من الأمين، ستضيق نفسه ويطالب بالمال مع أن ذلك لا يلزمه.

وفي هذه الصورة، يعني لو أصر المقترض وقال: أنا بحاجة إلى المال وقد جعلناه قرضا، فأنا في حاجة إلى المال، فعندئذ حتى حينما تتوفر عنده الدولارات أو الريالات سيقول: أنا بحاجة إليها، ويمكن أن ينشب بينهما شيء من الخلاف والنزاع.

لا يعني أنه لا يمكن التيسير والتساهل، خاصة مع من يرتبون آثار الصيغة التي يتفقون عليها على ما اتفقا عليه، وبينهما خلطة في التعامل وهما من الأمناء الصادقين، يمكن التساهل بهذه الحيل الشرعية على أن يرتب عليها آثارها، تترتب الآثار عليها.

وكما قلت، يعني وضعت ضوابط أن يكونوا أمناء صادقين، لكن في العام الأغلب نريد أن نسد هذه الذرائع، فهو يريد الصرف فليكن صرفا بشروطه وضوابطه، فإن لم يجد عنده قبض ماله إلى أن يجد الآخر المقدار المساوي من العملة الأخرى للمال الذي في يد هذا الذي يرغب في الصرف، أو أن يذهب إلى شخص آخر، هذا أسلم وأولى وأبعد عن الشبهة، والله تعالى أعلم.