No Image
روضة الصائم

سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

08 مارس 2026
08 مارس 2026

-ما صحة هذا الحديث: "لو جعل القرآن في إهاب ثم رمي في النار لما احترق"؟

هذه الرواية وردت بألفاظ متقاربة، أشهرها: "لو جعل القرآن في إهاب ثم رمي في النار لما احترق". هذه الرواية فيها خلاف عند أهل الحديث: المتساهلون منهم يقبلونها، وسآتي لبيان تأويلهم لها، لكن المحققين من علماء الحديث يضعفون هذه الرواية بكل طرقها. وردت عند الإمام أحمد وعند الدارمي وعند غيرهما من طريق ابن لهيعة، وهو معروف بالضعف والتدليس، وحاولوا التماس العذر له بأنه إذا روى عنه العبادلة فإن روايته صحيحة، ولكن هذا مما أرادوا افتراضه فقط.

وهناك رواية أخرى ليست بأحسن حالًا، وهي من طريق الفضل بن المختار، وهو ضعيف أيضًا. فالمحققون من أهل العلم يضعفون هذه الرواية ولا يقبلونها؛ لما فيها من خلل وعلل في السند، والظاهر أن هذا هو الأقرب للصواب.

أما عند القائلين بقبول هذه الرواية فقد اختلفوا في تأويلها؛ فمنهم من قال بأن المقصود حافظ القرآن، أي إذا انطوى قلبه على حفظ كتاب الله عز وجل، وهو المعبر عنه أنه إذا جعل القرآن في إهاب، أي إذا احتواه، والمقصود بالإهاب كناية عن المكلف، فإنه لا يحترق بالنار. ومن أجل ذلك اختلفوا؛ لأن هناك رواية صحيحة أن من أوائل ثلاثة يعذبون الحافظ للقرآن المضيع لحدوده، فقالوا: المقصود هو الحافظ لكتاب الله عز وجل القائم بحدوده، الآخذ بأحكامه، الواقف عنده، وليس ذلك الذي يحفظ بلسانه فقط، فقالوا: هذا لا يعذب بالنار، وهذا المعنى بهذه الاشتراطات في وصف الحافظ معنى مقبول تشهد له أدلة من غير هذه الرواية.

والتأويل الثاني يقول بأنه على ظاهره: أنه إذا وضع في إهاب -والإهاب هو الجلد، قيل قبل دباغه وقيل الجلد اليابس- فإنه لا يحترق. ولذلك اختلفوا في التأويل؛ لأن شواهد الحال أنه يمكن أن يحترق، وقيل بأنه محمول على حادثة خاصة، واختلفوا في تأويلات كثيرة، ولكن نظرًا لأن الرواية على الصحيح ضعيفة فإنه لا حاجة إلى التأويل.

ثم إن المنهج الذي يتعامل به المسلم مع الأحاديث هو البحث أولًا في السند، ثم بعد ذلك البحث في المتن، وهذا لا بد أن يكون عن تخصص دقيق، فيبحث في الروايات المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواية ودراية. فالرواية ما يتعلق بالسند والرواة وأحوالهم، وهذا علم قائم بذاته له علوم وفروع وفنون وضوابط، وفيه خلافات وقواعد واستثناءات، كما يبحث دراية. والدراية يقصد بها ما يتعلق بالمتن: أن يكون خاليًا من الشذوذ أو من العلة القادحة، أو أنه يخالف ما هو أوثق منه، ولا يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع الصحيحة، فهذا أيضًا علم في حد ذاته، وبهذا تميزت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد يلجأ العلماء إلى التأويل إذا كان ظاهر بعض الروايات قد يوهم شيئًا مما يناقض الواقع، أو قد تحتف الرواية بقرائن في ورودها وفي المناسبة التي قيلت فيها، فتكون ذات أثر في توجيه معنى الحديث، فيحتاجون إلى بيان تلك الظروف والأحوال والمناسبات التي قيل فيها الحديث؛ لأن دراسة الأحوال والمناسبات تعين كثيرًا على فهمه، قد لا تقيد المعنى لكنها تفهمه، وقد تقيده أحيانًا.

ثم إن من يقول بضعف الرواية لا يتأثر بوقوع حوادث في الواقع، كأن يحصل حريق في دار فيخرج المصحف سليمًا لم تمسه النار، فهذا قد يكون على سبيل الكرامة أو تهيئة الله عز وجل لأسباب منعت وصول النار إلى المصحف الشريف، وهذا من فضل الله تعالى، لكنه لا يصلح دليلاً لتصحيح الرواية؛ لأن الاستدلال له موازين علمية صارمة لا تخضع للاستثناءات التي تقع في الواقع.

-هل السنن والنوافل والطاعات تكون رصيدًا للمسلم يوم القيامة عن أي نقصان في تأدية الفرائض؟ وما قولكم في من يتهاون في أدائها؟

إن كان يعلم أنه ضيعها فلا تغني سنة أو نافلة عن فريضة، أما فيما اجتهد في أدائه أولًا ثم في قضاء ما فاته من ذلك الفرض مجتهدًا قدر استطاعته متحريًا ما يورثه طمأنينة القلب أنه أدى الذي عليه من ذلك المفروض، ولكن في حقيقة الأمر لم يبلغ حد الإجزاء، فهنا يقال: فضل الله تعالى واسع، ربنا تبارك وتعالى يقول: إن الحسنات يذهبن السيئات، ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “وأتبع السيئة الحسنة تمحها”. فمن هذا الباب إن هذا المكلف اجتهد قدر استطاعته في أداء ما عليه، ويعلم أنه ضيع شيئًا من الفرائض أو أخل فيها، فاجتهد قدر استطاعته في قضائها، وبلغ حدًا تطمئن نفسه أنه قد أدى الذي عليه، ولكن لم يكن كذلك في حقيقة الأمر، ولم تظهر له قرينة، فلم يؤت من قبل إهماله وعدم اكتراثه بما بينه وبين الله تبارك وتعالى من حقوق وواجبات، وإنما ذلك غاية اجتهاده بطبيعته البشرية، فإن هذا الدين لا يكلف الناس شططًا، والحرج فيه مرفوع، وقد جعل الله تبارك وتعالى لعباده في أعمال النفل مندوحة وسعة بحمد الله تعالى.

وأما من يتهاون في السنن والنوافل فهذا أمر بالغ الأهمية. إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة والجلال يقول: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه"؛ فإذا أحب ما يمكن أن يتقرب به العبد إلى الله تبارك وتعالى الفرائض، ثم قال: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"، فأي عاقل يرفض مثل هذه المنزلة: أن يكون حبيبًا إلى الله تبارك وتعالى؟! وما هذا الجهد الذي يكلفه نفسه حتى يبلغ هذه المنزلة؟ هل هو جهد شاق ليس في مقدوره؟ لا، يستطيع أن يأتي بالنوافل من جنس ما يؤديه من عبادات من الصلاة فيؤدي نوافل صلوات، من الصيام فيؤدي الصوم المستحب، من الزكاة فيؤدي صدقات النفل والتبرعات، وهكذا في سائر الحج والعمرة فيأتي بالنوافل من الحج والعمرة حسب استطاعته، وهكذا في أبواب الخير من كلمة طيبة، ومن حرص على تلاوة كتاب الله عز وجل، وقيام الليل، وذكر الله عز وجل بأنواع الذكر المتنوعة المختلفة، أعمال يسيرة في مقدوره الإتيان بها، بها ترفع درجته عند الله عز وجل وتجعله حبيبًا عند الله تبارك وتعالى، وتصيره وليًا من أولياء الله عز وجل.

ولو تأملنا فيما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوجدنا أمرًا عجبًا من اليسر ورفع الحرج والمشقة في هذا الدين الحنيف: “كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم”، من لا يستطيعها وهو في طريقه أو في جلوسه أو في أحواله مضطجعًا أو في غير ذلك؟ من لا يستطيع أن يستغفر الله تبارك وتعالى دبر كل مجلس يجلسه؟ قد يخوض فيه في أحاديث مما لا فائدة فيه ولا نفع، فإذا ارتفع من مجلسه قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

فعلى المسلم دومًا أن يحرص على إتيان هذه النوافل، والحرص عليها والمداومة عليها قدر استطاعته شيئًا فشيئًا، فإن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. والنافلة بالمداومة عليها -وإن بدت قليلة خير- أنفع لصاحبها من العبادة التي يهجم عليها هجمة واحدة ثم تنقطع، فيعزف عنها، ويرغب عنها بالكلية؛ فليأخذ المكلف نفسه بتدرج وتؤدة وهو مستحضر احتساب الأجر والثواب من الله تبارك وتعالى موقنا أن هذا الأجر عظيم فوق ما يتصور، فلا ينبغي له أن يفرط في وجوه البر والنوافل وأعمال السنن والسنن الراتبة وأعمال النفل من كل الوجوه التي افترضها الله تبارك وتعالى علينا، هذا والله تعالى أعلم.