No Image
روضة الصائم

سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

07 مارس 2026
07 مارس 2026

-التعبير العجيب في كتاب الله تعالى وهو يقص أحداث غزوة أحد: "فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ"؛ كيف يكون الغم ثوابًا؟

الآية الكريمة: " إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ": أولًا التعبير بالإثابة: "فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ"، التعبير بالإثابة من حيث اللغة، الإثابة هي المجازاة، سواء كانت في خير أو في شر مطلقًا، من حيث الوضع اللغوي الإثابة والثواب تطلق على الجزاء على الخير وعلى الشر، والجزاء خيرًا كان أو شرًا.

وكلمة «ثواب» في القرآن الكريم استعملت أكثر ما استعملت -إن لم يكن في كل المواضع- في الجزاء على الخير، وفي الأجر والنعيم، وفي جزاء الصالحين المتقين، لكن «مثوبة» استعملت: " قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ" فاستعملت في الشر، واستعملت في الخير «مثوبة» في القرآن الكريم.

فهذه مقدمة لبيان أن طائفة من المفسرين حملوا الآية الكريمة على مطلق المجازاة: "فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ"أي جازاكم غمًا بغم.

فالغم الأول أنهم لما خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتركوا مواقعهم حين لاحت لهم بوادر النصر، ورأوا انهزام المشركين، ظنوا أن المعركة قد انتهت، فاندفعوا، وحصل ما حصل من الرزء بهم والنكاية فيهم، وأصابهم ما أصابهم، فولوا: "إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ"، فتصعدون قيل: السير في الوادي، وقيل السير في مرتفع، أي أنهم منطلقون كانوا منطلقين من هول ما رأوه ومما أصابهم.

والآية في تمامها: "إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ"؛ فما الذي أصابهم؟ هذا تغير المواقف وتحول النصر إلى هزيمة، يعني أنهم انطلقوا غير لاوين على شيء، فهذا هو الذي كان قد أصابهم، ولا ريب أن هذا غم، والآية تقول: "وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ" فالرسول من ورائكم يدعوكم: هلم إلي، هلم إلي، ولكن لم يكن له من مجيب إلا نفر قليل من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم.

فأشيع بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل، وبلغت هذه الإشاعة إلى هؤلاء المسلمين، فكان هذا أعظم مما أصابهم من جراحات ومن انهزام، أن يبلغهم خبر مقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أعظم أثرًا في نفوسهم، فنسوا هنا المصيبة الأولى، الانهزام والجراحات والإصابات التي أصابتهم.

ثم تبين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حي، فانقشع ذلك عنهم، هذا هو الذي يفسر به أيضًا من يقولون بأن الإثابة هنا أيضًا بمعنى أن هذه المصيبة الأعظم، وهو بلوغ إشاعة مقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما أحدثته فيهم، هذا هو الغم الأكبر، أنه أنساهم غمكم الأول، فلما انقشع وانجلى، وتبين أنه كذب لا صحة له زال عن أنفسكم، يعني: زالت كل المصائب المتقدم منها والمتأخر، وكأنه ثواب إذًا، وصار كأنه ثواب، أي هذا الغم، هذه المصيبة الكبيرة محت آثار ما قبلها، وانكشفت هي أيضًا عن كذب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان حيًا عليه الصلاة والسلام، فهذا هو المقصود بالآية الكريمة.

وإذا كان يسأل عن تأويل هذه الآية الكريمة في أحداث جارية أو معاصرة، فهذا لا شك أنه جارٍ، سواء نظرنا إليه فيما يحصل ويصيب الفرد أو ما يصيب المجتمعات أو ما يصيب الأمم، فقد يجعل الله تبارك وتعالى في مثل هذه الابتلاءات الكبيرة في أول الأمر ما ينسي ما دونها من الابتلاءات، فإذا انكشف هذا الابتلاء الأكبر انكشفت كل الابتلاءات، وعلى المسلم دومًا أن يثق بنصر الله عز وجل، وأن يوقن في وعده، وأن يعلم أن كل الذي يصيبه خير " قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا"، وأن يأخذ بالأسباب قدر استطاعته، ويتضرع إلى ربه جل وعلا في أن يكشف عنه السوء، وأن يدفع عنه الضر، وأن يمكن له دينه، وأن يبتليه في دينه، وأن يجعل من الابتلاءات تطهيرًا ورفع درجات وسببًا للنصر والتمكين، والله تعالى أعلم.

-شخص سرق بعض المنتجات من أحد المتاجر، وبعدها أراد أن يرد ذلك الحق، لكنه وجد المحل قد انتقل إلى شخص آخر، ولا يعلم أين ذهب السابق، فما العمل في هذه الحالة؟

الله المستعان، عليه أن يجتهد في البحث عن أصحاب الحق، فإن فعله هذا ليس بفعل يسير -أن يأكل أموال الناس بالباطل-؛ ولذلك فإن عليه أن يستبرئ لنفسه ودينه برد الحق إلى أهله، ولا يكفيه فقط أن يذهب إلى المحل وألا يجد أصحابه، بل عليه أن يبحث عنهم، وأن يسأل، وأن يبذل وسعه في سبيل الوصول إليهم لأجل إيصال الحق إليهم، وليسأل ويمحص ويجتهد، فإن يسر الله تبارك وتعالى له وعثر عليهم فليؤدِّ الحق إليهم إن شاء الله، وإن يئس من العثور عليهم بعد اجتهاده وبذله غاية الوسع، ولكنه لم يصل إلى نتيجة فحينئذ يرخص له في دفع هذا المال إلى الفقراء والمساكين بنية التخلص، فيعامل حينئذ معاملة المال مجهول الأرباب: يدفع إلى الفقراء؛ فكل مال جهل ربه فالفقراء أولى به، والله تعالى أعلم.

-صليت المغرب منفردًا، وانتظرت تقريبًا خمس دقائق لكي أصلي العشاء جماعة، هل يجوز الانتظار ما بين الصلاتين؟

ما دام قد انتظر لأجل أن يشهد الجماعة في الصلاة الثانية فلا حرج عليه، لا سيما إن كان لم يشغل نفسه سوى بذكر الله تبارك وتعالى، لم يشغل نفسه بانصراف عن الذكر من مشاغل من المشاغل الدنيوية ومن الأحاديث مع غيره من أحاديث اللغو وغير ذلك، فحينئذ لا حرج عليه إن شاء الله تعالى؛ إذ كما هو معلوم في هذه المسألة خلاف: كم يمكن أن يكون الفارق بين الصلاة الأولى والصلاة الثانية في الجمع عند جمع الصلاتين بين مضيق وموسع. الحاصل أن المسألة قد حصلت، وانتظر هذه المدة لأجل أن يصلي مع الجماعة. لا حرج عليه إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.

-إمام نسي التحيات وقام للركعة الثالثة، أما الرجال فإنهم رأوه وقاموا معه، لكن السؤال كيف يتصرف لأجل النساء؟ هل له مثلًا أن يجهر ببعض الفاتحة؟

الجواب عن محل السؤال أولًا هو أنه ليس له أن يجهر في موضع الإسرار، وإنما له أن يسر برفع صوته قليلًا. نعم، مع مكبرات الصوت اليوم فإن هذا الإسرار في قراءته يظهر في مكبرات الصوت، وإن كان لهذا المعنى، وهو تنبيه النساء في مصلى النساء التي يتابعن الإمام في صلاة الجماعة، فيتساهل في أن يكون في إسراره، لا يصل إلى حد الجهر، وإنما في إسراره ذلك يرفع صوته قليلًا، ويحرك شفتيه ولسانه بمزيد حركة حتى يظهر صوت إسراره عبر مكبر الصوت فيصل إلى النساء. نعم، ولكن هذا يقودنا إلى التنبيه إلى أهمية أن يكون مصلى النساء منكشفًا على موضع صلاة الرجال في المسجد.

إذ قد تحصل مثل هذه الأحوال، قد يسهو الإمام في موضع لا يحتاج فيه إلى العودة، كأن يقوم من الركعة الثانية للتشهد الأول، فبدل أن يجلس يقوم وينتصب قائمًا، فيأخذ بالقول الراجح، وهو أن يمضي في صلاته ولا يرجع، والنساء لا يرين. نعم، أو أن يحصل مثل هذا الخطأ المسؤول عنه والنساء لا يرين ولا يعرفن، فيمضين في صلاتهن. ولذلك فإن على القائمين على هذه المساجد أن يعدوا العدة لأجل أن تنكشف المصليات مع تمام الستر على المسجد نفسه، على صلاة الجماعة. فإن لم يكن البناء مما يسمح بذلك، فلا أقل من النقل عبر الأجهزة، عبر الشاشات، إلى الموضع الذي ترى فيه النساء صلاة الإمام وصلاة الجماعة، فإن حصل شيء من الخطأ الذي يستدعي المتابعة أو التصويب فإنهن يكنّ على بينة، والله تعالى أعلم.