No Image
روضة الصائم

سؤال الذاكرين :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

05 مارس 2026
05 مارس 2026

في الحديث القدسي المشهور: «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه»، ما قولكم في الجملة التي جاءت في آخر هذا الحديث «التردد عن قبض نفس المؤمن» «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته»؟

أهل العلم قد وجَّهوا هذا الجزء من هذا الحديث النبوي الشريف توجيهات، وهذه التوجيهات مقبولة حسنة، فالشيخ القطب الشيخ اطفيش في شرح النيل، في الأجزاء الأخيرة، ذكر هذه الرواية، وظني أنه في الجزء السادس عشر، نعم، ذكر هذه الرواية وحملها على محمل التشبيه، أي يفعل فعلًا، أي إنه يفعل كفعل المتردد للكاره، نعم، لأن الرواية تقول: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي، يكره الموت وأكره مساءته».

فإضافة صفة التردد إلى الله تبارك وتعالى لا تليق بكماله وجلاله سبحانه، نعم، فالتردد إما أن يكون عن بداءة، أو أن يكون عن جهل، أو أن يكون ناشئًا عن شك وارتياب، نعم، وكل هذه الأوصاف لا تليق في حق الله تبارك وتعالى ذي الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، والقدرة المطلقة.

ومن أجل ذلك وجَّه أهل العلم هذه الرواية، أو هذا الجزء من هذا الحديث الشريف، توجيهات متقاربة، فالشيخ القطب حمله على أن المقصود من ذلك هو مجرد التشبيه، نعم، بفعل المتردد للكاره، والمقصود أن الموت قضاء نافذ لا مرد له، فقد قضى الله تبارك وتعالى على كل خلقه بالموت والفناء، واستفرد لنفسه جل وعلا بالبقاء، والمؤمن الموفي التقي حبيب إلى الله تبارك وتعالى، ويكره الموت لما فيه من آلام، أي المؤمن، نعم، فقبض روحه فيه مساءته له، فهذا هو وجه التشبيه عند الشيخ القطب.

وابن حجر، على سبيل المثال، حمل ذلك على أنه تمثيل، في فتح الباري، حمله على أن هذا التعبير إنما هو تمثيل عن اللطف والرحمة من الله تبارك وتعالى بالعبد المؤمن، نعم، ليهون عليه سكرات الموت، وليكون موته على جهة الكرامة، نعم، وهذا معنى قريب أيضًا مما ذكره الشيخ القطب.

الخطابي، وهو من ذوي النظر العميق في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مفرداتها وجملها، كما هو كذلك في إعجاز القرآن الكريم وبيانه، أيضًا حمل هذا على سبيل التعبير عن الرفق والرأفة، نعم، من الله تبارك وتعالى بالعبد، فهذا التردد يحمل على أنه كناية عن الرأفة بالعبد المؤمن وعن الترفق به، نعم، من الله تبارك وتعالى عند قبض روحه.

ابن تيمية حمل التردد على معنى أن هناك جهتين متعارضتين: جهة نفاذ قضاء الله تبارك وتعالى الذي لا مرد له، فهذا يقتضي حصول الإماتة منه جل وعلا لعباده جميعًا، ومنهم المؤمنون، وما يستلزمه حبه وولايته للعبد المؤمن التقي من كراهة ما يمكن أن يكون فيه شيء من الإساءة له، فهذا الذي هو في ظاهر الأمر تعارض بين مقتضيات الأمرين هو المعبر عنه بالتردد.

كل هذه الوجوه حسنة مقبولة، ولا تعارض بينها، والكل متفق على تنزيه الله تبارك وتعالى عما لا يليق به من مثل هذه المفردة، التردد، من شك أو جهل أو بداءة.

وما أجمل أن نلتفت إلى مثل هذه التأويلات والتوجيهات الحسنة المقبولة، وأن نترك أيضًا ما يمكن أن نجده في تراثنا من لدد في الخصومة في مثل هذه المواضع المهمة المتشابهة، فيُحمل الكل على أنهم يبتغون إجلال الله تبارك وتعالى وتعظيمه وتنزيهه عما لا يليق به، ونفي ما لا يليق به من الصفات، وحمل الآثار والروايات الصحيحة إن ثبتت أنها صحيحة على المحامل الحسنة ما أمكن، نعم، بهذا يمكن أن تقلص دائرة الخلافات، وأن ينتفي عن كثير مما أصاب هذه الأمة اللدد في الخصومة والشقاق والتنازع.

مكمن الخلل حينما يحصل تعصب، فينتصر كلٌّ لرأيه، فإذا به يخطئ الآخرين ويفسقهم ويبدعهم، ولعله يخرجهم من الملة، ويزعم أنهم لا يجلون الله تبارك وتعالى ولا يعظمونه.

والواجب على المسلمين أن تتألف كلمتهم، وأن يسلكوا هذا المنهج الذي هو منهج المقصد فيه واحد، وهو تنزيه الله تبارك وتعالى عما لا يليق، وإجلاله وتعظيمه، ووصفه بصفات الكمال والجلال اللائقة به سبحانه، وحمل ما ورد من آثار يمكن أن توهم خلاف ذلك على محامل حسنة ما أمكن، فإن لم يمكن فإنها ترد بما عارضها مما ثبت في كتاب الله عز وجل، أو في غيرها من الروايات التي هي أوثق منها، وكلمة المسلمين عليها أجمع. هذا والله تعالى أعلم.

شخص طلق زوجته طلقة واحدة، قال لها: أنت طالق، بسبب المشاكل الكثيرة التي حدثت بينهما، فكيف يردها إلى عصمته؟

إن كان مدخولًا بها، وهو الظاهر من السؤال، أن هذه المرأة مدخول بها، ولم يكن قد وقع بينهما طلاق من قبل، فإن له أن يردها إلى عصمته بالإشهاد، فليشهد رجلين أنه رد امرأته، ويسميها باسمها، إلى عصمته، إن أضاف على صداقها وما بقي من طلاقها فحسن، وإن لم يتمكن من ذلك فغاية ما يُطلب منه الإشهاد، يشهد شاهدين أنه رد المرأة إلى عصمته.

فإن كانت المرأة حاضرة تسمع فذاك، وإن لم تكن حاضرة أبلغها الشاهدان، وإبلاغ الشاهدين لها ليس شرطًا في صحة الرجعة، وإنما هو شرط لتمكين المرأة نفسها لزوجها هذا الذي ردها ما دامت في العدة لم تخرج من عدتها، فكل أحكام الرجعة إنما تكون في العدة، ومعلوم أن العدة ثلاثة قروء.

إن كانت حاملًا فحتى تضع حملها، وإن كانت ممن تحيض فحتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وإن لم تكن كذلك فثلاثة أشهر، في كل هذه المدة هذه هي العدة، فإن للرجل أن يرد امرأته إلى عصمته بالطريقة المتقدمة.

وننبه فقط أنها إن لم تكن مدخولًا بها، ففي هذه الحالة ليس هناك رجعة، ولا بد من العقد عليها عقد زواج شرعي جديد بالشروط المعروفة، ولا يُشترط رضا المرأة في الرجعة ما دامت في العدة والطلاق رجعي، لقوله تعالى: «وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا»، فالحق للرجل في رجع امرأته إلى عصمته، والله تعالى أعلم.

شخص يمر بغسيل الكلى، يصوم يومًا ويفطر يومًا، أيضًا يسأل عن القضاء، فعله الآن ما هو حكمه، وأيضًا عن القضاء، هل أيضًا سيكون على نفس الطريقة؟

عافاه الله وشفاه، وأذهب عنه بأسه، وكتب له الصحة والعافية وزوال البأس، أما صيامه أولًا، فوصيتي له أن يأخذ بنصائح الطبيب حتى لا يزداد وضعه سوءًا، فإن كان الطبيب قد أذن له في أن يصوم في الأيام التي لا يحتاج فيها إلى غسيل فلا حرج عليه، وإن كان الطبيب قد أمره أو نصحه بألا يصوم فهو معذور، ولا حرج عليه في الفطر لعلة المرض حتى لا تزداد حالته ضررًا وسوءًا.

الآن بناء على سؤاله بأنه يصوم في الأيام التي لا يكون عنده فيها غسيل، فإنه يصوم، ويسأل عن القضاء. الأصل في القضاء أن يكون متتابعًا، لكنه معذور في الصيام نفسه، في أداء الفريضة، وصوم رمضان ركن لعلة المرض، هو يصوم يومًا ويفطر يومًا كما ذكر في سؤاله، فمن باب أولى أن يرخص له في القضاء، فيصوم حسب استطاعته، نعم، إن كان يستطيع أن يصوم يومًا ويفطر يومًا فليفعل، إن كان لا يستطيع إلا أن يفطر يومين ويصوم يومًا فلا حرج عليه، فما دام قادرًا على أن يقضي بصيام الأيام التي عليه فليقضِ ولو كانت متفرقة، دون أن يدخل على نفسه كلفة أو مشقة، والله تعالى أعلم.