سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
-الذي يقوم باستدعاء شخصيات حقيقية في الواقع باستخدام الذكاء الاصطناعي ويقوّلها أقوالا لم تقلها وكأنه يتحدث عن أمر هو لم يقله أصلا، فهل يصح هذا؟
لا، هذا لا يصح شرعا، فإن ينسب إلى شخص معلوم قول لم يقله، وأن تستعمل هذه التقنيات من الذكاء الاصطناعي لانتحال هذا القول إليه، هذا والعياذ بالله من الافتراء عليه، فهو لا يصح شرعا، لا يجوز، وفاعله يأثم.
أما إن كان قد قال ذلك ويراد أن ينقل إلى لغات أخرى، فهذا مما لا حرج فيه، أن يكون قد قال بلغته الأم فينقل إلى لغات أخرى بدقة وضبط دون إخلال بالمعاني التي أتى بها، فهذه من الوسائل المحمودة التي تعين على نشر العلم وأقوال أهل العلم.
لكن أن يُنتحل، وهذا من المخاطر العظيمة وراء تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم، بل حتى يمكن أن تُصوَّر مشاهد وأن تُنسب أقوال ويظن المشاهد المتلقي أنها صحيحة، نعم، فلا بد من الانتباه واتباع الأخلاقيات التي يدعو إليها الدين في مثل هذه القضايا، فلا يصح الافتراء ولا الانتحال ولا يصح التشويه أو التزوير أو أي رمي بريء بما لم يقم به، فهذه من الواجبات الشرعية التي تسري في الواقع الحقيقي وفي الواقع الافتراضي.
-هناك دعاء منتشر عند المصلين: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر، أولا ما مدى صحة هذا الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، هل هو ورد فعلا؟ ومتى يقال أيضا؟
الوارد صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الجزء الأخير من هذا الدعاء: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله"، وإذا هذا هو الثابت، ويمكن أن يقال في أي وقت من أوقات الإفطار؛ لأنه ورد بصيغة الماضي، إلا أن ذلك إذا ذكره المفطر من صيامه بعد أن يسمي الله تبارك وتعالى عند دخول وقت الإفطار، فإنه يعني أن ذلك سيحصل له، فيذهب الظمأ بإفطاره وتبتل العروق ويثبت له الأجر، هذا لا حرج فيه ، لكن الأولى أن يكون بعد أن يفطر، فيسمي الله عز وجل ويفطر ثم يأتي بهذا الدعاء.
بقيت هذه الزيادة، ولا حرج في الإتيان بها: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، وإن لم تثبت صحيحة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، لكنها من جملة المعاني الحسنة المقبولة في الدعاء، وفيها حمد لله عز وجل وثناء، وفيها اعتراف من هذا العبد بمنَّة الله عز وجل عليه، فلا حرج في الإتيان بها دون اعتقاد أنها ثابتة كما هو حال الجزء الأخير من هذا الذكر المبارك والدعاء الطيب، والله تعالى أعلم.
-ما حكم إغماض العينين في الصلاة؟ وإذا كان يصلي في مكان مظلم؟
يُكره له ذلك سواء كان يصلي في مكان مظلم أو في مكان مضيء، يُكره له ذلك، والقياس على أنه إن كان في مكان مظلم فإن فتحه لعينيه لا يغير شيئا غير صحيح؛ لأنه مع ذلك حتى وإن كان في مكان مظلم فإن بؤبؤ العين يتسع، فيمكن له أن يرى شيئا من الأخطار التي تمر من الدواب أو الزواحف أو غير ذلك مما يكدر عليه صلاته.
فلا يُغمض عينيه عند صلاته سواء كان ذلك في نهار أو في ليل، في صلاة جهرية أو سرية، ومحل الخشوع القلب، هو يريد أن يضيق الصوارف التي تشغل قلبه، فليضيق، ليحدد نظره إلى موضع سجوده، وله أن يضيق ناظريه، لكن يُكره له أن يُغمض عينيه.
هناك من تساهل في إغماض العينين، وهناك من شدد كثيرا، وغاية ما يمكن أن يقال، وهو أعدل الأقوال، أنه يُكره له ذلك، له أن يضيق لكن دون إغماض، نعم، وذلك يعني عليه أن يعود نفسه عليه، والله تعالى أعلم.
-هل يجوز أن أقول في الدعاء: اللهم صل على محمد صلاة ترزقنا بها وتشفينا بها من الأمراض وتنور بها قلوبنا، طبعا في تكملة، وهل الأفضل الاقتصار على الصيغة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي الصلاة الإبراهيمية ثم الدعاء بعدها بما نشاء، أم يجوز إدخال طلب الرزق والشفاء داخل صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟
الأفضل أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إثر سؤال أصحابه رضوان الله تعالى عليهم له عن كيفية الصلاة عليه، فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، بالصيغ المتعددة المتقاربة التي وردت في طرق روايات هذا الحديث النبوي الشريف.
الصيغة التي ذكرها: اللهم صل على محمد صلاة ترزقنا بها وتشفينا بها، إذا هو يقصد أن هذه الصلاة تكون سببا في أن يرزقه الله تبارك وتعالى رزقا حسنا وأن يدفع عنه البلاء، هذا يمكن أن يُتأول له بحديث أُبي بن كعب، نعم، وإن كان حديث أُبي محل خلاف، طائفة حكمت بقبوله وصحته، وعدد آخر رأى ضعفه.
وحديث مشهور أن أُبي بن كعب سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما شئت. فقال أُبي في رواية: الربع. فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك خير، وإن زدت فذلك خير. فقال أُبي: فالشطر، أو النصف في بعض الروايات، في بعضها قال الثلث. فقال عليه الصلاة والسلام: حسن، وإن زدت فخير.
الحاصل قال في آخر الرواية: إذا أجعل لك صلاتي كلها يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام في هذه الرواية: إذا تُكفى همك ويُغفر ذنبك، وفي بعض الروايات: إذا يكفيك الله همك ويغفر ذنبك.
كما قلت، الحديث محل خلاف، قبله طائفة ليست باليسيرة من أهل الحديث من أهل الاختصاص، ونازع في صحته أيضا طائفة أخرى، لكن على تقدير صحته وقبوله، ولا ريب أن فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضل عظيم، وأنها سبب لاستمطار رحمات الله تبارك وتعالى وتنزل لطائفه وأفضاله على هذا العبد الذي يكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما الخلاف في ثبوت هذه الرواية.
لكن يمكن أن يُستشهد بالجزء الأخير منها لما قال عليه الصلاة والسلام: إذا تُكفى همك ويُغفر ذنبك، هذا يعني أن من آثار الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وآله عليه الصلاة والسلام أن يحوز هذا المصلي بهذا الدعاء، أي المقصود بالصلاة هنا هذا الدعاء؛ لأن محل المتن أيضا ما هي هذه الصلاة، هي من المآخذ التي ذكرها الطاعنون في صحة الحديث، ولا ينبغي الاشتغال بهذا، نعم، لو كان الحديث فيما يتعلق بالسند فلهم مدخل، لأن الحديث ورد من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، هذا هو محل البحث في سند الرواية.
لكن الحاصل أنه على صحة الرواية وعند القائلين بقبولها فإن من آثار من ثواب كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وآله عليه الصلاة أن ينال المرء هذه البشائر، أن يُكفى ما يهمه من أمور وأن يُغفر له ذنبه، ومما يهمه رزقه، فإذا قصده في الدعاء، أي أضاف أن هذه الصلاة أريدها لكذا، هذه الصلاة أريدها لك، هي في حقيقتها مفضية إلى هذا، فإذا ذكر هذا المقصد فلا يظهر أن هناك مانعا.
ولذلك أيضا هذه الصلاة، صيغة الصلاة التي في حديث أُبي بن كعب، هي التي أورثت هذه النتيجة، هذا الثواب، وهو كفاية الهم وغفران الذنب، فإذا قصدها، إذا قال: صلاة تُغفر بها ذنبي وتكفيني بها همي، إذا لم يخرج عن معنى ما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام.
ومعلوم أن كفاية الهم، هذه الهموم أنواع، من الناس من يهمه أمر رزقه، من الناس من تهمه أمر صحته، من الناس من يهمه أمر دنياه أو أمر آخرته، فكل ما همه داخل فيما يحققه هذا الذكر المبارك، فيما تحققه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا ما يظهر لي.
ومع ذلك تقدم أن الإتيان بالصيغة الإبراهيمية هي الأفضل والأكمل، سواء نص على ما يريده أو لم ينص، فإنه على القول بثبوت الحديث، على القول بقبول الحديث حديث أُبي بن كعب، فإن هذا الذي يريده متحقق حاصل بإكثاره من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو لم ينص عليه، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشر به وقال إن ذلك من آثار الإكثار من الصلاة عليه، نعم، فإذا أضفنا إليها أنه من صلى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة صلى الله عليه عشرا، فهذا فضل كبير، يحوز هذا المصلي أن تُفتح له أبواب الخير، ويعينه على أن يكون موصولا بالله تبارك وتعالى، والله تعالى أعلم.
