سؤال الذاكرين - يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
- هناك تمور موقوفة لمسجد معين، هل يصح بيع هذه التمور والشراء بقيمتها فطورا من غير التمر كاللبن والأرز ونحوه؟ وكذلك هل يصح بيع التمر والشراء بدلا عنه تمرا من نوع أفضل؟
إذا عندنا أكثر من مسألة، الأولى فِطرة صائم إذا كانت مقيَّدة من الواقف بأن تكون من التمور، فلا يُعدل عنها، لأنها وقف، وإذا عُلِم أن الوقف أن تكون الفِطرة من التمور أو قُيِّدت بهذا، فلا يُعدل عن هذا، وسنأتي إلى ما يُتصرَّف به في الفاضل.
أما إذا لم تكن مقيَّدة بأن تكون تمرا، فنعم، يمكن أن يُشترى بقيمة الفاضل منها إذا بيع، أو بقيمة ما لا يحتاجون إليه من التمور، ما يصلح للإفطار مما اعتاد الناس في بيئاتهم الإفطار به، دون إيذاء للمساجد وأفنيتها وصروحها، فهذا داخل في معنى الفِطرة، ولا حرج في ذلك.
وفي كل الأحوال ينبغي مراعاة عدم التسبب في إيذاء المساجد وصروحها وأفنيتها، وإن كان كثيرا من إفطار الصائم عندنا لا يكون داخل المسجد، لكن حتى في صحن المسجد أو في أفنيته ينبغي أن يُراعى هذا الأمر.
أما المسألة الثانية، وهي أن يُستبدل بهذا التمر تمرا أجود، فهذا داخل في نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما أُتي بتمر جنيب جيد، فقال: «أكل تمر خيبر هكذا؟» قالوا: لا، إنا نأخذ الصاع بالصاعين من الجمع، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تفعل، ولكن بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبا».
فلا يجوز بيع تمر بتمر من جنسه مع التفاضل، لأنه من الربا، لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم».
فإذا أرادوا أن يستبدلوا التمر بتمر أجود، فإنهم يبيعون التمر أولا بالنقود، ثم يشترون بالنقود تمرا أجود، فيجوز ذلك.
ونعود إلى الصورة الأولى: إذا كانت الفِطرة مقيَّدة بأن تكون تمرا، وصارت عندهم فضلة من التمور، ولا يرون صلاحية تقديمها للناس، أو أن الناس لا ترغب فيها، فلهم أن يبيعوها ثم يشتروا تمرا أحسن منها.
- هل نستطيع القول إن الإفطار بالتمر ارتفع إلى درجة أن يكون سنة، أم هو فقط من المستحبات باعتبار أنه كان المتوفر في الجزيرة العربية، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقتات عليه؟
قد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفطر على تمرات رطبات، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، فهو المتاح المتيسر، والتأسي به عليه الصلاة والسلام عند الإمكان حسن وخير، حتى في مأكله ومشربه وملبسه ومشيته وما سوى ذلك، فهذا دأب المسلم أن يكون حريصا على التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مظهرا ومخبرا.
لكن إن لم يتيسر ذلك فلا يتحرج المسلم ولا تثريب عليه، فيمكن أن يفطر بكل ما أباح الله تعالى أكله، وإن كانت هناك أحوال صحية تدعوه إلى أن يفطر على غير التمر أو الرطب، فليس عليه أن يتحرج أو يتأثم من ذلك، فلا يُحمل الأمر على معنى التأثم أو الوقوع في حرج شرعي إن عدل عنه إلى غيره مما يحتاج إليه جسمه أو مما يهواه، والله تعالى أعلم.
-هناك عبارة : الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث، وهو المعروف بقانون حفظ الطاقة، ويُستخدم في الدروس العلمية، لكن يُخشى أحيانا أن هذه المصطلحات أو هذه العبارات قد تُوظَّف لإنكار الربوبية، على اعتبار أن الطاقة أزلية وأن الكون لم يُخلق؟
إذا اتجه المعنى إلى مثل هذا التفسير، فنعم، هناك إشكال، لأن كل شيء إنما خلقه الله تبارك وتعالى، وهو جل وعلا خلق هذا الكون من العدم، فبكل ما فيه من مادة وطاقة إنما خُلق من عدم، وقد أشار تبارك وتعالى إلى هذا المعنى في قوله: "أفي الله شك فاطر السماوات والأرض"، أي أنه أوجدها بعد أن لم تكن، فهذا الكون أوجده الله تبارك وتعالى بعد أن لم يكن، فأوجده الله تبارك وتعالى بأمره جل وعلا: كن فيكون.
ولا يُفهم من قولهم: لا تفنى أن ذلك على معنى الأزلية أو البقاء الأبدي، فإن كل شيء فانٍ في هذه الحياة الدنيا. فإذا كان المقصود أنها تتحول إلى صورة أخرى من صور الطاقة، وأنها لا تتلاشى وإنما تتغير طبيعتها إلى نوع آخر من الطاقة، ولا يُقصد بها معنى الأزلية، فهذه تصبح مسألة علمية في نطاق التفسير الفيزيائي، لكن إذا كان المقصود بأنها لا تفنى أبدا على الدوام، فلا، هذا غير صحيح، فكل شيء فانٍ، والله تعالى أعلم.
-رجل كبير في السن كان في بداية شبابه يجهل كثيرا من أحكام الصلاة والصيام، مثل عدم الاهتمام بنظافة البدن والثياب، وتفويت بعض الصلوات ولكن دون تعمد، وكذلك الصيام قد فوّت أياما في عدة سنوات، فعندما عرف ذلك تاب إلى الله وقرر أن يعيد الصلاة، بحيث يعيد بعد كل صلاة صلاة أخرى مثلها، فمثلا يعيد بعد صلاة الفجر صلاة فجر واحدة، وبعد الظهر كذلك، وهو يقول إنه سيقوم بذلك إلى أن ينقضي أجله إن شاء الله، فهل عمله هكذا صحيح؟
في هذه الحالة عليه أن يرجع إلى ما تطمئن إليه نفسه، فإن كان لا يضبط عدد الصلوات التي لم يصلها من الفرائض، وكذلك الأيام التي انتهك فيها حرمة رمضان بعد البلوغ، فعليه أن يتحرى حتى تطمئن نفسه أنه أدى الذي عليه، وفضل الله تعالى واسع، ورحمته جل وعلا كبيرة، فلا ينبغي له أيضا أن يفتح باب الوساوس والأوهام، ولا أن يستبد به اليأس والقنوط، أو أن يستسلم للشيطان، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وعليه أن يجد ويجتهد في إتيان الصالحات بالمحافظة على الفرائض والإكثار من النوافل.
وأما ما يلزمه من قضاء الفوائت، فكما قلت: يقضي إلى الحد الذي تطمئن نفسه أنه قد أدى الذي عليه، ويتحرى أيضا الأوقات التي يباح فيها قضاء الصلوات، فبعض الأوقات التي يكره أو يمنع فيها أداء الصلاة، في قضاء الصلوات فيها خلاف، كالوقت من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس باستثناء الفجر وفريضتها، فهذا وقت نهي عن الصلاة فيه، واختلف في القضاء: فمنهم من تساهل ورخّص، ومنهم من منع وقال: لا قضاء ولا إنشاء نافلة، وهذا القول أفضل، لكن إن فعل فلا يفعل في المسجد، بل ليفعل في بيته حتى لا يُساء به الظن أنه يصلي بعد صلاة الفجر.
وإن استطاع أن يفعل ذلك قبل صلاة الفجر فحسن، وإلا فبعد طلوع الشمس، وهكذا في الأوقات التي تجوز فيها الصلاة، فالوقت الممتد من بعد اكتمال طلوع الشمس إلى وقت الظهر، وكذلك إلى وقت صلاة العصر، له فيه سعة، ومن بعد مغيب الشمس إلى طلوع الفجر له سعة يقضي فيها ما فاته من صلوات، ولا يلزم أن يصلي مع كل صلاة جنسها من الصلوات الفائتة، بل يمكن له أن يقضي ما شاء حتى تطمئن نفسه أنه أدى الذي عليه، ومع توبته إلى الله عز وجل وإنابته إليه، فاليقين أن الله تعالى سيوفقه، قال تعالى: " وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا".
-ما يتعلق بدفع كفارات إطعام مسكين في رمضان لعدة سنوات سابقة، وهو يقصد أن يستمر على ذلك إلى أن ينقضي أجله، فهل يلزمه أن يدفع كل هذه الكفارات أم يكتفي بما دفعه؟
وأما الكفارات، ففي مسألته خلاف: إن كان انتهاك حرمة رمضان قد تكرر في أكثر من شهر ولم يُكفّر بينهما، فمنهم من قال: تجزئه كفارة واحدة عن كل ما فاته من أشهر رمضان التي انتهك حرمتها، وهذا أرفق الأقوال. ومنهم من قال وهو الأحوط: تلزمه عن كل شهر انتهك فيه حرمة رمضان كفارة. ومنهم من قال: عن كل يوم انتهك فيه رمضان كفارة.
فمن أراد أن يحتاط لدينه فالأمر واضح، وليجتهد قدر استطاعته، ومن أراد أن يترخص، وخاصة كما ذُكر أنه قد أدى كثيرا من الكفارات وأصبح كبير سن، فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى، فإن له في أقوال أهل العلم مندوحة، والله تعالى أعلم.
