رمضان وإتقان الوحدة والاختلاف في البيت الإسلاميّ
عموم المذاهب الإسلاميّة ما يجمعها يزيد عن ثمانين بالمائة، وتتحدّ في الجملة في أصول المشتركات الكلاميّة والعمليّة، جميعها متحدة على الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصّالح، وما يقتضي ذلك من لوازم إيمانيّة، وتختلف في تفسيرات جزئيّة لا ترقى إلى درجة الصّراع والتّنافر، وإنّما تدور وفق مسائل الاختلاف الواسعة الّتي لا يترتب عليها تكفير ولا تفسيق ولا تبديع، كما تشترك في أصول الأركان العمليّة والشّعائريّة، حيث جميعها متحدة على وجوب الصّلاة خمسا في اليوم واللّيلة، وفي إخراج زكاة المال إذا بلغ النّصاب، وفي صيام شهر رمضان في العام، وفي وجوب الحجّ على المستطيع في العمر مرّة واحدة، هذا الاتّحاد لا يخلو من اختلافات تأويليّة، هذه الاختلافات تدخل في مسائل الرّأي الواسعة الّتي لا يبدّع أو يفسّق فيها المختلف؛ لأنّ الغاية تحقيق المقاصد منها وعلى رأسها مقصد الاستجابة والطّاعة، وكلّ يسعى إلى ذلك وفق اجتهاده ومقدرته.
شهر رمضان المبارك مدرسة في إتقان الوحدة والاختلاف بين المدارس الإسلاميّة، فهم أمّة واحدة في شهرهم، لا يكاد يحدث بينهم اختلاف في أصل مشروعيّته، وتحقيق حرمته، وبيان عظمته، وإنّما الاختلاف في بعض التّأويلات لأسباب لغويّة أو أصوليّة أو روائيّة أو زمكانيّة، هذا الاختلاف طبيعيّ لاختلاف الفهومات بين علماء كلّ مدرسة، ورمضان بذاته ركن متفق عليه، جميعهم يسعى إلى إدراك فضله وحرمته، وتحقيق طاعة الله به، واختلافهم في بعض الجزئيات العمليّة إنّما لتحقيق الغاية من الصّيام، والوصول إلى الحدّ الأكمل فيه، والإتقان يتمثل أن ندرك أنّ الاختلاف طبيعيّ بين البشر ما دام لغاية محمودة، واختلاف الفهومات هي حالة طبيعيّة، فكما وسع رمضان الجميع، حيث يتحدون في صيامه والاجتهاد فيه، فيسعهم أيضا أن يتحدوا في عذر بعضهم ومراعاتهم في الاختلاف، وقمّة الإتقان في الاختلاف أن يقود إلى الودّ ومراعاة الآخر في اجتهاده، وعدم تبديعه وتفسيقه، وأن يدركوا أنّ سعة رحمة الله في الشّهر تسعهم جميعا، وأنّ سبيلهم واحد وهو مراعاة حدود الله فيه، والاجتهاد لنيل رحمته ورضوانه.
المسلمون جميعا متحدون في إلزاميّة وجوب الشّهر في العام مرّة واحدة لمقتضى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، واستخدام لفظة كُتِبَ أي كأنّ الأمر انتهى وقضي، فلا مكان للخيرة فيه، كذلك مجيء حرف على في كلمة: عَلَيْكُمُ، فهو يفيد أمرين: الإلزام، والعلو، فأمر الصّيام أمر إلزاميّ، وهذا الأمر الإلزاميّ وإن جاء على صيغة المجاز [كُتِبَ] كما عند الأصوليين إلّا أنّه يفيد الإلزام، ودخول واو الجماعة في نداء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا دلالة على تحقيق البعد الجمعيّ من الصّيام، وتحقّقه يكون بشهود الشّهر {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وهذا قدر متفق عليه بين المذاهب الإسلاميّة جميعا، وإنّما الاختلاف في طريقة تحقّق شهود الشّهر، ففي وقت نزول النّصّ كانت البلدان متباعدة، وكان الاعتماد على الرّؤية البصريّة أو الجارحة، فلازم ذلك التّبعيض (مِنكُمُ)، لتحقيق قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185]، فلمّا تغيّر الواقع بقي من العلماء من يرى أنّ الفعل الأول مطلق، وتحقّق الشّهادة بالرؤية لظاهر الرّواية "صوموا لرؤيته"، وفريق آخر يقيّد هذا الإطلاق بالعلم حالة الإنكار لا الإثبات لكون الثّاني يقينيّا اليوم، ولظاهر قوله تعالى: : {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرّحمن: 5]، وفريق ثالث مال إلى العلم إثباتا وإنكارا، والغاية من الجارحة هو تحقيق المناط لا لذاتها، كما اختلفوا في ماهيّة اختلاف المطالع، حيث سابقا ارتبط بوصول علم إدراك دخول الشّهر بين البلدان، فوضعوا علامات كإشعال نار، أو نقع مدفع، وارتبط اليوم بحدود الدّولة القطريّة، هذا الاختلاف مبنيّ على وحدة غاية شهود الشّهر على الوجه الأمثل، وتعظيم الله به، فمن الإتقان فقاهة سبب ذلك، وعذر بعضهم في مسائل الاجتهاد والرّأي، وعدم إثارة النّزاع والاختلاف وتخطئة الآخر، فالغاية واحدة محمودة، والوسائل متعدّدة واسعة.
كما اتّحد المسلمون في وحدة الشّهر في العام، وارتباطه بالقمر، وأنّه لا ينقص عن تسع وعشرين يوما، ولا يزيد عن ثلاثين يوما؛ أيضا اتّحدوا في أنّه يكون من ظهور الفجر إلى بداية اللّيل، مصداقا لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]. هذا الاتّحاد رافقه اختلاف تأويليّ يتمثل في بداية الخيط الأبيض من الخيط الأسود، كما يتمثل في بداية اللّيل، وهو اختلاف تأويليّ منذ القرن الأول الهجريّ، مثاله ما ذهب إليه ابن عبّاس [ت: 68هـ] أنّ نافع بن الأزرق [ت: 65هـ] سأله عن قوله: حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود قال: بياض النّهار من سواد اللّيل، وهو الصّبح إذن، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أمية [ت: 5هـ]: الخيط الأبيض ضوء الصّبح منغلق، والخيط الأسود لون اللّيل مكموم"، هذا الاختلاف لازمه هل يكون علامة ذلك بالفجر الصّادق أم بالإسفار أي انتشار الضّوء في الأفق؟ ولهذا وضعت بعض التّقاويم المعاصرة درجة احتياطيّة للإمساك، قبلها بعض الفقهاء، ورفضها آخرون، كذلك اختلفوا في تأويل: "ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ"، قول يرى أنّ اللّيل يبدأ بمجرد غروب الشّمس ورؤيتك له ظاهريّا ولو لم يُعلم بالأذان أو التّقاويم المعاصرة، وقول يرى أنّ اللّيل يبدأ من غروب قرص من الشّمس، ويكون إعلامه بالأذان أو بالتّوقيت الفلكيّ أو ما شابهه، وقول يرى بغياب النّجم، أو بظهور الشّفق الأحمر، ويكون إعلامه أيضا كالقول الثّاني، وسبب الخلاف تأويل الغسق في سورة البقرة بقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، والغسق قيل: ظلمة اللّيل، وقيل: بدو اللّيل، وقيل غير ذلك، وعليه اعتبر الجمهور أنّ اللّيل يبدأ من نزول قرص من الشّمس، لظاهر رواية: "إذا غربت الشَّمس وتوارت بالحِجاب"، ومنهم من ذهب أنّ اللّيل يبدأ بظهور الظّلمة، وهذا يتحقّق بظهور النّجم أو غياب الشّفق الأحمر، هذا الاختلاف تأويليّ مبنيّ على تعظيم الشّهر ذاته، وتحقيق التّقوى منه، فمن أخذ برأي لا ينقض صيام الآخر المختلف عنه في التّأويل، وهذا أعلى درجات الإتقان في عذر المختلف، وتقبل الاختلاف.
واتّحد المسلمون أيضا في رحمة الله في صيام الشّهر، وأنّه أيام معدودات يريد الله بعباده اليسر وليس العسر، وأنّ المريض والمسافر يعذر ويبدل يومه لقوله تعالى: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، إلّا أنّهم اختلفوا في ماهيّة المرض، فمن قائل بالإطلاق كان المرض يشقّ الصّيام معه أم لا، إلى قائل بتقييد ذلك بالمشقّة والضّرر، كما اختلفوا في تحديد مسافة السّفر المباح فيه الفطر، وهل مقيّد بالنّيّة ليلا أم لا، وهل يختلف خروجه قبل الزّوال عن بعده، هذه التّأويلات حالة طبيعيّة تدلّ على رحمة الله أن ترك للعباد مساحة من الرّأي والنّظر، والإتقان في ذلك إدراك هذه الرّحمة، واحترام المختلف، وأنّ رحمة الله تسعهم جميعا. لازم هذا أيضا الاختلاف في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، فاختلفوا في تأويل الطّاقة ذاتها، وفي تأويل تقديرها بمحذوف [لا يطيقونه]، وفي القول بنسخها، كما اختلفوا في بعض مصاديقها، فعن سعيد بن جبير (ت: 95هـ) عن ابن عبّاس: "أنّه رأى أمّ ولد له حاملا أو مرضعا، فقال: أنت بمنـزلة الذي لا يُطيقه، عليك أن تطعمي مكانَ كلّ يوم مسكينا، ولا قَضَاء عليك".
ما ذكرته آنفا نماذج عمليّة قليلة من الاختلاف في التّأويلات العمليّة والفقهيّة فيما يتعلّق بفقه الصّيام، وفي ذاته يحمل أبعادا مدرسيّة ومقاصديّة عظيمة في فقه الوحدة والاختلاف، فاتّحاد المسلمين في شعيرة الصّيام في رمضان يماثله كليّا في اتّحادهم في جميع الشّعائر التّعبّديّة، واختلافهم في تأويلات لوازم الصّيام يماثله كذلك في جميع الشّعائر، بيد أنّ المدار الّذي يدور حوله الاختلاف هو الوصول إلى المقصد الأمثل في تحقيق الاستجابة من هذه الشّعائر، والتّوسل بها للوصول إلى رحمة الله ومغفرته، ونيل ثوابه وإحسانه، ومثل هذا: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحجّ: 37]، والتّقوى هي المدار من الصّيام ذاته، بها افتتحت آيات الصّيام في سورة البقرة {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وبها اختتمت {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، فإذا فقه المسلمون في شهرهم الفضيل مدار الاتّحاد وهو الأصل الواسع، ومدار الاختلاف وهو الرّأي الواسع، ووصلوا فيه إلى إتقان ذلك؛ لخرجوا من شهرهم بقدر واسع في إدراك فقه الإتقان في مدار الدّين ذاته، وأنّ المذاهب الإسلاميّة مدارس طبيعيّة لاختلاف تأويل العقول، وتعدّد الطّبائع، واختلاف الأمكنة والأزمنة، وأنّ المشترك أوسع بكثير. هنا يضعف إرادة من يريد نشر الفرقة بينهم، وإثارة النّزاع والاختلاف المؤدّي إلى الصّراع والاحتراب، فإتقان الشّهر الفضيل لا ينحصر في بعض الممارسات فيه، وإنّما يشمل أيضا الإتقان في تحقيق مقاصده الكبرى، ومنه تحقيق الاتّحاد، وإدراك فقه الاختلاف.
