رِقاع ابن عبدالباقي في مجموع المحاربة
محمد بن عامر العيسري -
ابن عبد الباقي هو محمد بن علي بن عبد الباقي العقري النزوي المشهور بـ«ابن عبدالباقي» أحد فقهاء القرن التاسع الهجري، وكان حيًّا إلى سنة 907 هـ. أخذ العلم عن صالح بن وضاح المنحي، وورد بن أحمد البهلوي، ومحمد بن عبدالله، وعبدالله بن مداد، وعاصر من الأئمة عمر بن الخطاب الخروصي (885-894هـ)، ومحمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج (894-901هـ)، وأدرك الإمام محمد بن إسماعيل (906-942هـ) في أول حكمه. أما عن آثاره الباقية فإلى جانب كتابه (المراقي) الذي كشف عن مخطوطته الباحث فهد بن علي السعدي له آثار متفرقة مبثوثة في عدد من الكتب والمجاميع، منها مجموع (المحاربة) الذي تكلمنا عنه في الحلقة الفائتة. ويشدّنا في النصوص المنقولة عنه أن أكثرها يبدأ بعبارة: «من رقعة بخط الشيخ محمد بن علي بن عبدالباقي» أو نحوها. وعلى هذا النسق نصوص أخرى منقولة في المجموع عن جملة من فقهاء القرنين التاسع والعاشر، وهذا يعني أن أصل هذه النقول من خطوط أولئك الفقهاء من رقاع أو أوراق متفرقة كتبوها ولم يجمعها كتاب، ولفظ الرقعة بهذا المعنى مستعمل كثيرًا عند العمانيين منذ أزمنة أقدم من زمان ابن عبدالباقي.
ومن أبرز ما نُقِل في ذلك المجموع عنه من رقاعه أو من خطه: الحكم في أموال ملوك بني نبهان «من لدن السلطان المظفر بن سليمان بن المظفر بن نبهان إلى آخر من ظَلَم من نسله وولد ولده الملكين سليمان بن سليمان وحسام بن سليمان» الذي حكم به القاضي أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج سنة 887هـ، وكتبه محمد بن علي بن عبدالباقي، وشهد به أحمد بن عمر بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرج وأخوه محمد بن عمر بن أحمد بن مفرج، وذلك في باب مُعَنون بـ «باب في الأموال المنسوبة لبني نبهان»، وفي الباب نفسه نُقلَت أحكام أخرى من خطوط الفقهاء: محمد بن عبدالله بن مدّاد، ومحمد بن سليمان بن أحمد بن مفرّج، وأحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرّج، وخلف بن محمد بن عمر العيني الخفدي، وعبدالله بن عمر بن زياد.
وجاء في فصل منقول من رقعة بخطه: «في يوم الأحد الثاني من جمادى الأولى لخامس من شهور سبع وتسعمائة سنة هجرية صح اجتماعنا واتفاق كلمتنا ومن حضرنا من المسلمين على تحليف من اتهمه الإمام وأولياؤه كتمان ما عليه من زكاة، أو بايع عليه من عُشر أو غيره أنه ما يعلم وما ألجأ ولا ستر شيئًا من الذي طولب مما تقدم ذكره من صدقة أو غيرها بالطلاق والعتاق والسبيل وثلث ما يملكه صدقة، اجتماعًا صلاحيًا وحكمًا شرعيًا، فهذا ما صح وثبت غير مبدّل ولا مغيّر له، ثم إني من بعد أشهد وكفى بالله شهيدا. كتبه العبد الأقل عبدالباقي محمد بن علي بن عبدالباقي، وصلى الله على رسوله وآله وسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، ويليه توقيع بالتصحيح من الفقهاء الذين حضروا وهم: محمد بن عبدالله بن مداد بن محمد، وسعيد بن زياد، وأبو القاسم بن محمد بن سليمان، ومدّاد بن عبدالله بن مدّاد، ثم شهادات خطّها عبّاد بن محمد، وأبو الحسن عمر بن خطاب [كذا]. ومن هذه الوثيقة يستفاد أنه كان حيًا حتى تاريخها سنة 907هـ، وذلك في أول عهد الإمام محمد بن إسماعيل، ونفهم أيضًا -كما في آثار أخرى له- أنه تارة حين يكتب اسمه يُصَدِّره باسم جدّه عبدالباقي.
وفي المجموع نصوص عديدة منقولة من خطه أو من رقاع بخطه منها مثلاً جواب منه للإمام محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرّج حين سأله عن بني قينقاع الذين استعان بهم الرسول صلى الله عليه وسلم أَهُم قليل أم كثير، وهل استعان بهم في فتح مكة أم في غيرها وهل ماتوا على الشرك. ومنها من رقعة بخطه مجيبًا الإمام محمد بن سليمان أولها: «فهم الخادم المحب ما سأل عنه المخدوم الإمام محمد بن سليمان سلمه الله وأعزّه» والسؤال عن أحوال بعض المحبوسين وما يتعلق بهم من أحكام.
ومن النصوص النادرة المنقولة عنه تسمية صَوافي مَنَح، والصوافي هي أموال أو أراضٍ انتقلت إلى ملكية بيت المال بسبب تركها أو نتيجة الغصب أو جهالة أربابها أو لأسباب أخرى أسهب فيها الفقهاء. ونص المنقول عنه: «معرفة صوافي منح: صافية الحبّة، وصافية الحارة، وصافية المراجل، وصافية العدّ، وصافية الريّات، وصافية الخضرا، وصافية بن سكير، وصافية الشَّرَه، وصافية النويدية، وعند القاضي صافية الجناة من غير ماء، وصافية الجحيفة، وصافية اللرعاف، وعند أولاد عبدالله بن خلف صافيتين المكيسة والعريّة، وصافية الجنّور، وفي الخط صافية الدباغ، وصافية القرطيّة، وصافية الحريض، وصافية عبد آل تميم، وبادتين من قبا، وبادتين من عين بني نجاد، وغايب عند الطبال، هذا غير ما عند البدو». ولم أكن متأكدًا من ضبط أسماء بعض هذه الصوافي مما رُسِم بغير نقط إذ لعل ضبطها يطاله التصحيف، ولأن أهل مكة أدرى بشعابها فقد سألت الأستاذ الباحث خلفان بن سالم البوسعيدي عن صحة رسمها لا سيما أنها معروفة عندهم حتى اليوم. وفي المجموع كثير مما نُقِل عن ابن عبدالباقي أعرضتُ عنه اختصارًا.
