ذخائر المحبرة العمانية (10)سيرة سالم بن ذكوان
من الأعلام من يبقى أثره دون أن نعلم الكثير من جوانب حياته، وكأنما لازم الإخلاص حياتهم ومماتهم، ومن هؤلاء سالم بن ذكوان الهلالي، الذي قام بدور محوري في ترسيخ أركان المذهب الإباضي ونشر تعاليمه وتعزيز مكانته بين المذاهب الإسلامية الأخرى، وأسهم مجهوده العلمي والدعوي في تقنين المذهب وتوضيح مبادله من خلال رسالته التي تناولت قضايا العقيدة والفقه، مما جعلها مرجعا أساسا لطلبة العلم.
ورغم ذلك لا تزال تفاصيل حياته محاطة بالغموض، حيث جاءت الإشارات إليه مقتضبة ومتناثرة في كتب السير والمصادر الإباضية القديمة. وكذلك في الدراسات الحديثة، وفي طليعة تلك الدراسات النادرة دراسة تحليلية لسيرة سالم بن ذكوان الهلالي أعدتها إيناس بنت مبارك السيابية.
ولد سالم بن ذكوان في منطقة توام (البريمي حاليا)، وقد اختلفت المصادر في تصنيفه حيث ذهب بعض الباحثون إلى أنه من التابعين. فقد عاصر الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩-١٠١هـ)، ويُرجح أنه توفي بعدها بفترة قصيرة. وخلافة عمر بن عبد العزيز خلافة إصلاحية لما أفسده بنو أمية من قبله، ومما يرجح أنه من التابعين أيضا معاصرته الإمام جابر بن زيد، وهو من كبار التابعين، وقد ثبت أن سالم تأثر به وأخذ عنده ما يدل على إدراكه لتلك الطبقة، كما أن ملامح شخصيته العلمية ومنهجه في النقل والاستدلال تشير إلى قربه الزمني والمعرفي من الجيل المؤسس، وهو ما يعزز انتماءه إلى طبقة التابعين.
تتلمذ سالم بن ذكوان على يد العالم الكبير أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي (ت:١٣ هـ / ١١ م) الذي يعد المؤسس للفكر الإباضي. واستفاد من علمه الغزير ومنهجه القويم، وكان بينهما تواصل علمي عميق ومثمر، تمثل في العديد من الأسئلة التبادلة بينهما (في رسائل الإمام جابر). كما عاصر سالم بن ذكوان عددا من العلماء البارزين في عصره مثل أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي، ولكن رغم تأثيره الكبير في محيطه العلمي، إلا أن المصادر التاريخية لم تفصح عن أسماء تلامذته.
(2)
إضافة إلى تلك الريادة الزمانية، هناك الريادة العلمية، فسيرة سالم بن ذكوان من أقدم السير الإباضية، ولعلها الأقدم عمانيا، وقد تحدثنا سابقا عن فن "السير" عند العمانيين وأهميته، ومن يطالع سيرة سالم بن ذكوان يتجلّى له ما يتميز به من موثوقية علمية ومكانة راسخة في التقليد الفقه الإباضي، ويظهر أن سالم كان يعتمد على مصادر علمية موثوقة، ويؤكد صلاته العميقة بكبار العلماء.
أما الأمر الثاني في مسيرة حياته فهو مشاركته في الوفد الذي بعثه أبو عبيدة مسلم كريمة إلى الخليفة بين عبد العزيز دليلا ثقة أهل العلم به، واعترافهم بعقله وعلمه وقدرته على تمثيل المدرسة الإباضية في حوار علمي وسياسي رفيع المستوى.
فعندما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة ٩٩ هـ، كانت الدولة الأموية تعاني من انقسامات سياسية واجتماعية نتيجة ممارسات الحكام السابقين، وفي هذا السياق، رأى أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أحد قادة الحركة الإباضية، في حكم عمر فرصة لتحقيق إصلاحات تعود بالنفع على الأمة كلها، فأرسل وفدا مكونا من كبار رجال الحركة الإباضية للتفاوض مع الخليفة حول أوضاع الأمة الإسلامية، وكان سالم بن ذكوان الهلالي من بين أعضاء هذا الوفد إلى جانب شخصيات بارزة مثل جعفر بن السماك العبدي البصري، وأبو الحر علي بن الحصين والحتات من كاتب العماني والحباب بن كليب البصري، وأبو سفيان قنبر البصري، وأبو حمزة الشاري، وكانت فكرة التفاوض القوم على الدعوة إلى إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية التي تضررت بفعل السياسات السابقة، والتركيز على إحياء السنن المهجورة التي اندثرت بسبب الابتعاد عن المنهج النبوي. وإماتة البدع التي انتشرت في المجتمع الإسلامي وإيقاف الظلم والتجاوزات التي أضرت بالناس وزادت من الانقسامات.
ووقف لعن على بن أبي طالب -كرّم الله وجهه الشريف-و تمخضت مفاوضات وقد الإباضية مع الخليفة عمر بن عبد العزيز عن تعالج الجانبية حيث وعدهم بأن يحيي كل يوم سنة ويميت كل يوم بدعة، غير أن الوقد رغب في التغيير الفوري، وهو ما لم يقبله الخليفة، فقال أبو عبيدة: "ليتهم قبلوا منه ذلك". وقد بادر عمر بن عبد العزيز بعد ذلك تنفيذا سلسلة من الإصلاحات التي أسهمت في تهدئة الأوضاع وتعزيز الوحدة بين بين المسلمين وإيقاف لعن على بن أبي طالب.
(3)
لم يعرف لسالم بن ذكوان مؤلفات أخرى غير "السيرة" التي وجهها إلى المسلمين عامة والإباضية خاصة، والتي تعد من أقدم وأهم الوثائق التي تسلط الضوء على معالم الفكر الإباضي ومبادئه العقدية والسياسية، وهي محفوظة ضمن مجموعة سير علماء الإباضية بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي. وتتألف هذه السيرة من ٢٢ ورقة، تهدف إلى الحث على الجهاد والثبات على نهج النبي والصحابة مع التركيز على الالتزام بالقرآن والسنة التوضيح المواقف الصحيحة من الفرق والطوائف المختلفة. كما تتناول القضايا العقدية والتاريخية التي واجهها المسلمون منذ بعثة النبي وحتى فترة ظهور الفرق الإسلامية.
ويرجح أن السيرة كتبت بعد عام ٦٤ هي وهو الزمن الذي تبلورت فيه الفرق الإسلامية، حيث بدأت الانقسامات الفكرية والعقدية تظهر بشكل واضح في الأمة الإسلامية. تعد هذه الوثيقة شهادة تاريخية تضيء مراحل في التاريخ الإسلامي منذ بعثة النبي ة وحتى ظهور الفرق والمذاهب، فهي لا تكفى يسرد الوقائع، بل تقدم تحليلا عمينا المسار الأحداث الكبرى، مثل خلافة عثمان، وخلافة علي، والتحكيم، ونشأة الحكمة، مما يجعلها مصدرا أساسها لفهم جذور الانقسام في الأمة الإسلامية. كما أنها وثيقة فكرية تعكس رؤية الإباضية، تقدم مرجعا لفهم الفكر الإباضي في مجالاته المطلقة. بالإضافة إلى بعدها السياسي، مما يجعلها مصدر أساسيا الدراسة تطور المواقف الإباضية عبر التاريخ.
(4)
الرسالة تتميز ببنية منهجية واضحة، من حيث الأسلوب واللغة والاستدلال والتركيب، ما يجعلها نموذجا يستحق الدراسة والتحليل، فهي تكشف عن شخصية علمية واعية قادرة على الربط بين الأصول الشرعية والواقع العملي، وتعبر عن رؤية متكاملة للدين والحياة. وقد جاءت معبرة عن واقع الأمة في زمانه، ومستجيبة لقضاياها الملحة. وتظهر الرسالة انشغال صاحبها بمجموعة من الإشكالات العقدية والفقهية والسياسية والتربوية التي كانت محور جدل ونقاش داخل المجتمع الإسلامي آنذاك.
ففي الجانب الدعوي تتجلى دعوته إلى تقوى الله كأساس للحياة الإسلامية وهي مفتاح النجاح في الدنيا والآخرة، مؤكدا أهمية الصبر وشكر الله في مواجهة المحن. وقد خصص جزءا كبيرا من رسالته للحديث عن أثر التقوى في الأفراد والمجتمعات موظفا أسلوب الوصية. ثم بين وحدة الدين ونبذ التفرقة باعتبار الإسلام الدين الحق الذي اختاره الله لعباده، وأن دعوات الأنبياء كانت متحدة في دعوة الناس إلى الإسلام رغم اختلاف الطرق، مما يفرض على المسلمين النوحد في اتباع نفس الدين، فلا فرق بين عربي أو أعجمي، أو حر وعبد، وأن معيار التفاضل الوحيد هو التقوى. كما شدد على أن رسالة النبي ﷺ كانت عالمية، فيُظهر النص رؤية عقدية واضحة تقوم على وحدة الرسالات السماوية في أصلها، وتقديم الإسلام كامتداد لها. كما يبرز تأكيد الكاتب على مبدأ الميثاق الرباني، مما يعزز البعد الإلزامي في اتباع دين التوحيد أسلوبه يتسم بالتركيز على الاستشهاد القرآني، وبالوضوح الحجاجي الذي يخدم دعوته إلى نبذ التفرقة والتمسك بجوهر الدين الواحد.
ولذا يبرز الموضوع الثالث بالدعوة إلى الاعتصام بالقرآن والسنة ورفض البدع: معتبراً أن الإسلام دين كامل لا يحتاج إلى إضافات، ولكنه يحتاج إلى اجتهادات ضمن إطار الوحدة، مفرقا بين الاجتهاد المشروع القائم على القرآن والسنة والشورى.
ويتجلى البعد التربوي في سيرة سالم بن ذكوان بوصفه أحد المحاور، حيث يعنى ببناء التصور الديني والأخلاقي للفرد المسلم، فمثلا حين يتناول أحداث السيرة النبوية اتخذ مسارا ت يتجاوز التوثيق إلى استحضار القيم وتهذيب السلوك داعيا إلى الاقتداء بالصالحين، والصبر والثبات في البلاء والابتلاء، والتدرج في الدعوة وتنويع أساليبها.
وفي الجانب السياسي تظهر السيرة وعيا سياسيا متزنا اتجاه قضايا الأمة وموقفه من السلطة والحكم، ليس من منطلق السلطة، بل من منطلق الحرص على تطبيق مبادئ الإسلام في إدارة الدولة والمجتمع، مبرزا صفات الحاكم ومواصفات القيادة العادلة، والجهاد كواجب سياسي لحماية الدولة.
ومن هنا تبرز منهجية السيرة في الربط بين الجانب المعرفي والسياسي والتربوي، مستشهدا بالقرآن وسيرة النبي
