جيولوجية محافظة البريمي
تقع محافظة البريمي في الجزء الشمالي الغربي من سلطنة عُمان، وتضم ثلاث ولايات هي البريمي ومحضة والسنينة. وتمثل هذه المحافظة موقعًا جغرافيًا ذا أهمية كبيرة عبر التاريخ؛ إذ شكلت بوابة طبيعية تربط الداخل العُماني بساحل بحر عُمان عبر وادي الجزي الذي يصل بين ولايتي البريمي وصحار.
وقد أسهم هذا الموقع في جعلها محطة رئيسية للقوافل التجارية التي كانت تعبر شبه الجزيرة العربية، فكانت نقطة تلاقٍ للتبادل التجاري والثقافي بين مناطق الداخل والساحل، وبين عُمان ومحيطها الإقليمي.
وتتميز محافظة البريمي بتنوع جيولوجي واضح يعكس تعاقب بيئات طبيعية متعددة عبر العصور؛ فهي تحتوي على صخور نارية ورسوبية ومتحولة، إضافة إلى سلاسل جبلية متباينة التكوين وأودية خصبة وكثبان رملية تمتد في أطرافها الجنوبية والغربية، ويمنح هذا التنوع الطبوغرافي والجيوعلمي المنطقة طابعًا خاصًا؛ إذ تتجاور المرتفعات الصخرية مع السهول الحصوية والمسطحات الرملية في مشهد طبيعي متكامل.
ومن أبرز الظواهر الجيولوجية في المحافظة جبل السميني الواقع في ولاية محضة، وهو موقع يحظى باهتمام خاص من المختصين في علوم الأرض.
ففي الجهة الغربية من هذا الجبل توجد مجموعة من أهم مواقع الأحافير العائدة إلى العصر الطباشيري في سلطنة عُمان.
ويضم الموقع بقايا كائنات بحرية متنوعة، من بينها أحافير الرودست، وهي رخويات بحرية كانت شائعة في البحار الضحلة خلال أواخر العصر الطباشيري، إضافة إلى القواقع البحرية والشعاب المرجانية المتحجرة.
ويعود عمر هذه الأحافير إلى نحو سبعين مليون سنة، ما يجعلها سجلًا مهمًا لفهم البيئات البحرية التي سادت المنطقة قبيل انقراض الديناصورات.
كما تحتوي السلاسل الجبلية الجيرية المحيطة بولاية البريمي على نطاق واسع من الأحافير البحرية التي تعود إلى حقب جيولوجية مختلفة، مما يدل على أن المنطقة كانت مغمورة بمياه بحرية في فترات متعددة من تاريخها الجيولوجي. وتشكل هذه الصخور الحد الشرقي للولاية، وهي لا تحمل قيمة علمية فحسب، بل تحتضن أيضًا شواهد أثرية مهمة، من بينها قبور حجرية يُعتقد أنها تعود إلى فترات العصر البرونزي المبكر. ويعكس وجود هذه المدافن ارتباط الإنسان القديم بالمناطق المرتفعة القريبة من مصادر المياه والممرات الطبيعية.
وفي السنوات الأخيرة، تم العثور على مجموعة مميزة من أحافير الأشجار في مواقع متعددة من محافظة البريمي، من بينها وادي صاع وما يُعرف بوادي الجَرِي في ولاية البريمي. وتعود هذه الأحافير أيضًا إلى العصر الطباشيري، وتشير إلى وجود غطاء نباتي كثيف في فترات سابقة، في بيئات كانت أكثر رطوبة مما هي عليه اليوم. ومن الاكتشافات اللافتة كذلك العثور على سن متحجر لديناصور بحري بواسطة أحد هواة جمع الأحافير، وتُعد هذه العينة الأحفورية الوحيدة المعروفة لديناصور بحري في سلطنة عمان حتى الآن، ما يمنح المنطقة بعدًا علميًا مميزًا في دراسة الحياة البحرية القديمة.
ولا يقتصر التنوع الجيولوجي في البريمي على الصخور الرسوبية الحاوية للأحافير، بل يشمل أيضًا صخور الأوفيوليت النارية التي تمثل أجزاء من قشرة محيطية قديمة اندفعت فوق اليابسة نتيجة حركات تكتونية كبرى. وتحتوي هذه الصخور على معادن فلزية مهمة، من أبرزها النحاس، الذي كان له دور بارز في تاريخ المنطقة. فقد شهدت أودية المحافظة نشاطًا تعدينياً منذ العصور القديمة، حيث استُخرج النحاس من الصخور المحيطة، ولا تزال بقايا مخلفات التعدين وأفران الصهر شاهدة على ذلك، خاصة في الجزء الغربي من وادي الجزي.
ويعكس هذا الإرث التعديني ارتباط الإنسان المبكر بموارد الأرض؛ إذ أسهم النحاس في ازدهار المجتمعات القديمة اقتصاديًا وتقنيًا. وبذلك تمثل محافظة البريمي نموذجًا فريدًا يجمع بين الموقع الجغرافي الاستراتيجي والتنوع الجيولوجي الغني والعمق التاريخي، حيث تتداخل شواهد الطبيعة مع آثار الإنسان في مشهد يعكس تعاقب الحضارات وتطور البيئات عبر ملايين السنين.
