No Image
روضة الصائم

جبل الكور وجبل المشط

01 مارس 2026
01 مارس 2026

د. محمد بن هلال الكندي -

يمثل جبلا الكور والمشط من أشهر المعالم الجبلية الواقعة بين محافظتي الداخلية والظاهرة، وهما يشكلان جزءا بارزا من سلسلة جبال الحجر الغربي التي تعد العمود الفقري الجيولوجي لشمال عمان. وقد ارتبط اسما الجبلين بملامحهما المميزة؛ فقيل إن جبل الكور سمي بذلك لأنه يشبه كور العمامة عند النظر إليه من بعيد، بينما يرتفع الجدار الصخري العمودي لجبل المشط في هيئة متدرجة تشبه أسنان المشط، مانحا إياه مظهرا فريدا أصبح أيقونة طبيعية معروفة في المنطقة.

تصل قمم الجبلين إلى نحو ألفي متر فوق مستوى سطح البحر، ما يجعلهما من أعلى القمم في جبال الحجر الغربي. ويمنحهما هذا الارتفاع طابعا مناخيا معتدلا نسبيا مقارنة بالمناطق المنخفضة، كما يضفي عليهما حضورا بصريا مهيبا يمكن رؤيته من مسافات بعيدة. وبسبب تضاريسهما الوعرة وجدرانهما الصخرية الشاهقة، أصبحا من أبرز المواقع السياحية لممارسة رياضة تسلق الجبال والمشي الجبلي. ويعد الجدار العمودي لجبل المشط، بارتفاعه الشاهق واستقامته المميزة، من أشهر مسارات التسلق في الجزيرة العربية، بل ويصنف من أعلى الجدران الصخرية المناسبة للتسلق في المنطقة.

ولا تقتصر أهمية الجبلين على قيمتهما الرياضية أو الجمالية، بل يحتضنان منظومة بيئية غنية نسبيا. فبين سفوحهما وأوديتهما تنتشر قرى خضراء صغيرة، اعتمد أهلها على الزراعة المدرجة واستثمار مياه الأفلاج والعيون الجبلية. وتسهم هذه البيئة في تنوع الحياة النباتية والحيوانية، إذ تنمو أنواع مختلفة من الأشجار والشجيرات الجبلية التي توفر موطنا لكائنات متعددة تكيفت مع هذا المناخ المرتفع.

ويزخر الجبلان أيضا بشواهد أثرية تعكس عمق الاستيطان البشري في هذه المنطقة منذ آلاف السنين. ومن أشهر هذه الشواهد قبور وادي العين التي تعود إلى العصور البرونزية المبكرة، وهي قبور حجرية ذات تصميم دائري مميز بنيت على سفوح الجبال وتعد من أهم المعالم الأثرية في سلطنة عمان. كما يمكن للزائر أن يشاهد قرى قديمة بأسوارها وأبراجها وقلاعها الحصينة، التي شيدت في مواقع مرتفعة أو على حواف المنحدرات، في تجسيد واضح لبراعة الإنسان العماني في اختيار مواقع دفاعية واستغلال الطبيعة الصخرية في البناء.

وتوجد في جبلي الكور والمشط أيضا كهوف متعددة الأحجام والأشكال، تشكلت بفعل عمليات الإذابة في الصخور الكربونية. وقد استخدمها سكان المنطقة ملجأ لهم ولحيواناتهم، خصوصا أثناء سقوط الأمطار أو في أوقات البرد، مما يعكس تكيف الإنسان مع بيئته الجبلية واستثماره لمواردها الطبيعية.

ومن الناحية الجيولوجية، تتنوع الصخور في الجبلين، غير أن الصخور الكربونية البيضاء تمثل أبرز معالمهما. وتحتوي هذه الصخور على عدد كبير من أحافير الكائنات البحرية مثل المرجان والقواقع والمحار، التي يمكن رؤيتها في مواضع كثيرة على امتداد الجبلين. ويشير وجود هذه الأحافير إلى أن هذه الصخور ترسبت في بيئات بحرية قديمة، كانت عبارة عن جزر أو منصات كربونية وسط محيطات سابقة.

وقد تعرضت هذه الصخور لعمليات حركية تكتونية هائلة أدت إلى انتقالها من مواقع ترسبها الأصلية في وسط المحيطات إلى موضعها الحالي في جبال الحجر الغربي. ولذلك تعرف أحيانا بالصخور المغتربة، لأنها انتقلت لمسافات كبيرة نتيجة القوى الجيوديناميكية المرتبطة بحركة الصفائح الأرضية. ويعتقد أن هذه العمليات حدثت قبل عشرات ملايين السنين، في الفترة نفسها تقريبا التي اندفعت فيها صخور الأفيولايت النارية إلى عمان، لتستقر فوق هامش الصفيحة العربية.

وهكذا يجمع جبلا الكور والمشط بين مشهد طبيعي أخاذ، وسجل جيولوجي عميق يوثق انتقال الصخور من قيعان البحار إلى أعالي الجبال، وتراث إنساني عريق يشهد على استيطان هذه القمم الصخرية منذ أقدم العصور. فهما ليسا مجرد تضاريس شاهقة، بل صفحة مفتوحة من تاريخ الأرض والإنسان في قلب جبال الحجر الغربي.