No Image
روضة الصائم

تعدين النحاس في عمان

03 مارس 2026
تاريخ عمان الجيولوجي
03 مارس 2026

اشتهرت عُمان منذ أقدم العصور بتعدين وصهر النحاس، حتى عُرفت في النصوص السومرية في الألف الثالث قبل الميلاد باسم مجان، أي أرض النحاس. ويعكس هذا اللقب المكانة التي احتلتها عُمان في شبكات التجارة القديمة خلال العصور البرونزية، حين كان النحاس مادة أساسية في صناعة الأدوات والأسلحة والتماثيل. وقد شكلت موارد النحاس في جبال عُمان ركيزة اقتصادية وحضارية أسهمت في ربط هذه المنطقة بمراكز حضارية كبرى في بلاد الرافدين ووادي السند.

وتشير الدلائل الأثرية المنتشرة في أنحاء متعددة من السلطنة إلى نشاط تعدين وصهر واسع النطاق. فمن أبرز مواقع التعدين القديمة الأسيل وعرجا والبيضاء وطوي عبيلة على امتداد وادي الجزي، إضافة إلى وادي عندام وصحار وسمائل وموقع سمد الشأن وغيرها من المواقع. وتنتشر في هذه المناطق تجاويف المناجم القديمة التي حفرها الإنسان لاستخراج الخام، إلى جانب بقايا أفران الصهر الصغيرة المبنية من الطين والحجارة. كما عُثر على أكوام كبيرة من خبث النحاس، وهي المخلفات الناتجة عن عملية الصهر، وتُقدّر كمياتها في بعض المواقع بمئات آلاف الأطنان، مما يدل على حجم الإنتاج الذي تحقق عبر قرون طويلة.

ولم تقتصر مهارة العُمانيين القدماء على جمع الخام من السطح، بل امتدت إلى التنقيب تحت سطح الأرض. فقد كشفت الدراسات الأثرية عن مناجم يصل عمق بعضها إلى عشرات الأمتار، وهو ما يعكس معرفة هندسية متقدمة وقدرة على العمل في ظروف صعبة. ويمكن في شمال عُمان مشاهدة أغوار عميقة وشقوق طويلة حفرها الإنسان في الصخور لاستخراج النحاس من عروقه المعدنية. وكان الخام يُنقل بعد استخراجه إلى مواقع قريبة، حيث تُبنى أفران الصهر من الطين، وتُجهز بفتحات للتهوية تسمح بزيادة شدة الاحتراق.

وقد استطاع العُمانيون القدماء الوصول بدرجات الحرارة داخل هذه الأفران إلى أكثر من ألف درجة مئوية، وهي حرارة كافية لفصل النحاس عن شوائبه. وكانت العملية تتطلب خبرة دقيقة في اختيار نوع الوقود وتنظيم تدفق الهواء والتحكم في زمن الصهر. وبعد الانتهاء من العملية، يُفصل النحاس المصهور عن الخبث، ليُعاد تشكيله أو تصديره على هيئة سبائك إلى مناطق أخرى.

وتوجد خامات النحاس في عُمان بأشكال متعددة، تعكس تنوع البيئات الجيولوجية التي تشكلت فيها. فمنها النحاس الحر، وهو نادر نسبيًا، ويظهر على هيئة كتل غير منتظمة أو صفائح أو أشكال سلكية ذات لون أحمر نحاسي. ومنها أكاسيد النحاس وكبريتيداته، إضافة إلى كبريتيدات النحاس والحديد مثل معدن البورنيت، وغالبًا ما تكون مصحوبة بكبريتيدات فلزات أخرى مثل الرصاص والزنك والنيكل والحديد. كما توجد معادن كربونات النحاس الثانوية، وأشهرها الملاكيت ذو اللون الأخضر والأزوريت ذو اللون الأزرق، وهما من أهم الدلائل السطحية على وجود النحاس.

ويرتبط وجود النحاس في عُمان ارتباطًا وثيقًا بصخور الأفيولايت، وهي صخور بركانية بازلتية تمثل بقايا قشرة محيطية قديمة. وتوجد الخامات عادة ضمن الحمم الوسادية والقواطع النارية، حيث تترسب المعادن في الشقوق والفجوات نتيجة مرور المحاليل الحارة الغنية بالفلزات. وكثيرًا ما تظهر ترسبات النحاس على هيئة عروق تملأ الفواصل بين الصخور البركانية، مما يسهل تتبعها ميدانيًا.

وقد أدرك العُمانيون القدماء العلاقة بين الألوان المميزة لمعادن الملاكيت والأزوريت ووجود النحاس في باطن الأرض، فكانوا يستدلون على مواقع الخام من خلال هذه العلامات البصرية الواضحة. وبعد جمع الصخور الحاملة للنحاس، كانوا يقومون بطحنها وتسخينها في الأفران لاستخلاص الفلز. ويعكس هذا السلوك فهمًا عمليًا مبكرًا للخصائص المعدنية والكيميائية للخام، حتى وإن لم يكن مصحوبًا بمعرفة نظرية بالعمليات الجيولوجية.

إن تاريخ تعدين النحاس في عُمان يمثل مثالًا واضحًا على التفاعل العميق بين الجيولوجيا والحضارة. فالصخور البركانية القديمة التي نشأت في قاع محيط سحيق قبل ملايين السنين تحولت عبر الزمن إلى مصدر لثروة أسهمت في بناء حضارة عُرفت بإنتاج النحاس وتجارته. وهكذا تلتقي أعماق التاريخ الطبيعي مع مسيرة الإنسان، في قصة واحدة تبدأ في باطن الأرض وتنتهي في صفحات التاريخ.